الأربعاء، 14 ذو القعدة 1440هـ| 2019/07/17م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

كوارث الفكر الرأسمالي

 

(مترجم)

 

 

 

ظهرت العقيدة الرأسمالية في نهاية القرن الثامن عشر على إثر صراع بين الكنيسة والفلاسفة المفكرين في أوروبا. ومنذ ذلك الوقت تبنتها معظم الدول الأوروبية ولحقتهم الولايات المتحدة بعد الثورات. وحاليًا تعتبر الولايات المتحدة الوصي الأساسي على هذا الفكر الذي يروج له بقوة عالميًا وخصوصًا بعد انهيار الفكر الشيوعي. ويوجد عند الرأسمالية معاقل في كافة أنحاء العالم من الشرق إلى الغرب ومع هذا فإن هذا الفكر معوج بشكل غير قابل للإصلاح، وقد تسبب في كوارث إنسانية عديدة:

 

أولاً: إن الفكرة الأساسية للرأسمالية هي العلمانية التي تفصل الدين عن الدولة. وهذه الفكرة من شأنها أن تحط من قيمة الإنسان وتسلبه غريزته في التدين الذي هو فطري عنده. وتؤكد الغرائز الإنسانية وجود الخالق القادر على كل شيء، ولهذا فإن الإنسان عبر العصور قام بأفعال عدة تظهر العبودية للخالق، على النقيض من العقيدة الرأسمالية العلمانية التي تقول بأن وجود الخالق أو عدمه سيان، وإن كان الخالق موجودًا فليس له علاقة ولا سلطة أو دور في الدولة أو الحكم أو شؤون الناس... هكذا يتحدث الفكر الرأسمالي الباطل الفاسد عن الخالق بأن لا علاقة له سبحانه بتنظيم حياة مخلوقاته! ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.

 

ثانيا: سياسيًا، فإن نظام الحكم الرأسمالي يروج لديمقراطية متعددة الأحزاب تشرع من دون الله، فتجعل القوانين لصالحها للتسلط على الناس، ومن ثم تسبب الصراع بين الناس.

 

وبدون ذكر حقيقة أن السياسة الرأسمالية تقوم على وجهة النظر الميكافيلية التي تبرر الوسائل لتحصيل الأهداف السياسية الفردية. وهذا الأساس الشيطاني يقود إلى ما نشهده من مناورات سياسية فاسدة ومع وجود آفات عظيمة ورذائل جمة من خلال الرشوة والقبلية والقتل والكذب والفضائح حتى في برلماناتهم، تمامًا كما حدث بين أعضاء برلمان اللجنة الدستورية التنزانية بما فيها السيدة آشا باكار وغيرها... بالإضافة إلى الصراعات والتوترات وأعمال القتل الجماعية مثل تلك التي حدثت في كانون الثاني 2001 في جزيرة بيمبا والمجازر القبلية في كينيا عام 2007-2008. وكل هذا سبب خسارة الأرواح والممتلكات والصراع بين المجتمعات. في الرأسمالية تعتبر السياسة طريقاً للغنى وليست مؤسسةً لخدمة المواطنين كما تدعي.

 

هذا الوضع مكشوف بوضوح حتى في دول تعتبر الوصي على هذا الفكر مثل أمريكا. على سبيل المثال فإن أكثر من نصف أعضاء الكونجرس الأمريكي يمتلكون أكثر من مليون دولار و200 عضو في الكونجرس من أصحاب المليارات.

 

إن هذه الحقيقة واضحةٌ جدًا في سياسيينا المحليين الذين هم بأنفسهم وعائلاتهم ومعارفهم ينهبون ثروات البلاد بمستويات لا يمكن تصورها بينما يعيش المواطن العادي في فقر. بالإضافة لهذا فإن السياسيين وبشكل روتيني يحرفون القانون للفوز بعطاءات ضخمة وتجارات مثل المعادن والطاقة والكهرباء.

 

ثالثًا: وعلى الصعيد القانوني، جاءت العلمانية لتعقيد الأمور غير الإنسانية من خلال إعطاء النخبة القوة في وضع القوانين حصريًا وبالنيابة عن البقية، بدلاً من تبني وتطبيق قوانين خالقهم. تدعي البرلمانات الديمقراطية أنها تمثل الشعب وتجادل في كونها مختلفةً عن الحكام من الأنظمة السابقة مثل الحكومات الدينية وملوك العصور الوسطى الذين ادعوا الحق الإلهي لحكم الشعب، ولكن الحقيقة هي أن البرلمانات الحالية مشابهةٌ لهؤلاء الذين ادعوا الحكم الديني لأن البرلمانات تعطي كافة أنواع الحصانات القانونية بالإضافة إلى المنافع التي يحرم منها العوام. بالإضافة لهذا فإن القوانين البرلمانية تسبب الفوضى والكوارث غير الإنسانية لأنها نابعةٌ من عقل الإنسان الناقص والعاجز والمنحاز الذي لا يستطيع على الإطلاق معرفة الحاجات الأساسية للآخرين مثل الخالق الذي يعلم خَلْقَهُ تماما. ولهذا، فإن الجماهير، وبشكل أساسي، لا تثق بهذه القوانين وفقدت الإيمان بالسياسيين مما أدى إلى أن يأخذ الناس تطبيق القانون بأيديهم، مثلما هاجم المواطنون أقسام الشرطة في تنزانيا وغيرها.

 

رابعاً: وعلى الصعيد الاقتصادي فقد سبب الفكر الرأسمالي تدميرًا للإنسان نتيجة لدعوة الرأسمالية لحيازة الثروة والمصالح مهما كانت النتيجة وبأي ثمن كان. إن مقياس الأعمال يقوم على المصلحة بغض النظر عن القانون الإلهي مما أدى إلى سلسلة من المشاكل غير الإنسانية. وشعار الرأسمالية واضح في هذا "لا يوجد صديق دائم ولكن مصالح دائمة"، وهذه النظرة هي دليلهم الأساسي في الاقتصاد وغيره من نواحي الحياة. بالإضافة لهذا فإن الرأسمالية تعرف السعادة والنجاح في جمع الإنسان للثروة وهذه الأفكار الشيطانية هي لفلاسفة مشهورين مثل آدم سميث صاحب كتاب (ثروة الأمم) و(نظرية القيم الأخلاقية). وأيضًا، فإن الفكر الرأسمالي ينظر لمفهوم الدارونية الاجتماعية والتي تقول "بالبقاء للأقوى" و"القوة هي الحق". ونتيجة لهذه الأفكار غير الإنسانية فقد استعمرت البلدان الرأسمالية المتقدمة ولقرون طويلة الدول الفتية وشنوا الحروب ضد الإسلام والمسلمين بذريعة الحرب على الإرهاب. ونهبوا خيرات بلادنا عن طريق شركاتهم وبمساعدة الحكام الدمى في بلادنا. وفي هذه الأثناء، يعاني مواطنو هذه الدول المتقدمة مشاكل لا تنتهي ابتداءً من الفقر إلى الصحة الضعيفة إلى نمط الحياة البدوي وغيره مما يؤدي إلى تفاقم عدم العدالة الاجتماعية الاقتصادية ويساعد في ازدياد نسبة البطالة. وحذر التقرير الأخير لمنظمة العمل الدولية أن البطالة والمخاوف الاجتماعية سوف تزداد خلال الخمس سنوات القادمة بسبب النمو الاقتصادي البطيء وازدياد اللامساواة والصراعات.

 

في تنزانيا يبلغ عدد العاطلين عن العمل 6 ملايين شخص ويبلغ دخل الأغلبية دولاراً واحداً يومياً. بينما في كينيا وبحسب برنامج سواحلي ل BBC يعرف باسم "سيما كينيا" أذيع في حزيران/يونيو 2013 فإن 500 خريج جامعي يتقدمون لكل وظيفة واحدة يعلن عنها في كينيا. لا تعتزم الرأسمالية توزيع الثروات لجميع الرعايا، ولكنها على النقيض تضمن كنز واحتكار الثروة من قبل النخبة الشرهة التي بدورها تستعبد الجماهير كموظفين. وعلى سبيل المثال فإن الاقتصاد الأمريكي يمتلكه 80 عائلة أمريكية، بينما يمتلك الاقتصاد العالمي 5% من سكان العالم، ولا ننسى المفهوم الشيطاني "حرية التملك" التي قادت إلى خصخصة الممتلكات العامة، حيث يشترك الحكام والمسؤولون المدنيون في جرائم رشوة وفساد لحماية الشركات العالمية الأجنبية.

 

وبحسب تقرير منظمة الشفافية العالمية عام 2014 فإن تنزانيا تتصدر اللائحة في الفساد واختلاس الأموال العامة والرشاوى والاحتيال في القارة الإفريقية، وكينيا أيضًا موجود على اللائحة نفسها.

 

خامسًا: على الصعيد الاجتماعي، فإن هذا الفكر مع دعوته للـ"حرية" فقد تسبب في هرج ومرج ورذائل أخرى بما في ذلك الدعارة وإدمان الكحول وزواج المثليين كما رأينا في الدول الغربية التي تقر هكذا أمور، بل وتجبر ما يسمى بدول العالم الثالث على تقليدها تقليدًا أعمى في هذه الأشياء ذاتها. أضف إلى ذلك ارتفاعاً في نسبة حالات الطلاق وزيادة في عدد الأطفال المولودين خارج نطاق الزواج وأعمالاً وممارسات لا أخلاقية أخرى ارتكبت في جميع أنحاء العالم. وذكر تقرير الحملة الوطنية لمكافحة تعاطي المخدرات (NACADA) لعام 2011 في كينيا بأن للكحول عواقب وخيمة على المجتمع وأن نصف المدمنين على الكحول تتراوح أعمارهم ما بين 10-19 سنة.

 

سادسًا: وفيما يتعلق بالتنمية العلمية والتكنولوجية، والتي تفخر الدول الغربية بأنها ناجحة فيها لكن الواقع أنها أدت إلى قذارة مروعة في المجتمع لا يمكن تغطيتها بـ"النجاح" المزعوم. وعلى سبيل المثال فقد أكد الكاتب الأمريكي آلن بلوم في كتابه "العقل الأمريكي المغلق" بأن عملية اغتصاب تحدث كل ثلاث ثوان، وأن هناك شخصاً يُقتل كل 6 دقائق إلخ. وقد صرح الرئيس الأمريكي الأسبق في وقت ما بما يلي: "لقد صعد الإنسان إلى القمر لكننا نملأ الأرض بالقذارة. لدينا نوايا للسلام لكنها تنتهي بالحرب. وعلى الأجيال التي شهدت البحوث الناجحة على الذرة العودة لعلاج ما دمره البشر".

 

وفي بحث أجري في إنجلترا كشف بأن 43% من النساء اللاتي تتراوح أعمارهن ما بين 18-34 سنة قد عانين من ممارسات تمييز بين الجنسين في الأماكن العامة. ناهيك عن الإشارة إلى مجلة لانسيت للطب النفسي التي أجرت أبحاثاً أكدت على أن نسبة البطالة بين عامي 2000 و2011 قد تسببت في وفاة 45000 شخص.

 

سابعًا: وفيما يتعلق بالخدمات الاجتماعية الأساسية، فقد فشلت الرأسمالية فشلاً ذريعًا في تقديمها لرعاياها كما يجب. وعوضًا عن توفير الخدمات الاجتماعية الأساسية، على أنها واجب على الدولة، تقدم على أنها معروف من الدولة وفي كثير من الأحيان يجبرون الناس على المساهمة في توفير هذه الخدمات. فعلى سبيل المثال، تواجه كينيا انهيارًا خطيرًا في قطاع التعليم الذي شهد إضرابًا للمعلمين، كان أسوأه الأخير الذي انتهى في الرابع من تشرين الأول/أكتوبر 2015. كما أن تنزانيا تواجه مشاكل مماثلة بل لربما أسوأ. فمثلاً، عدد التلاميذ في الصف الواحد في المدارس الابتدائية يصل لـ200 تلميذ. كما أن 35.09% فقط من تلامذة المدارس الابتدائية ينتقلون للمدارس الثانوية.

 

أما عن الخدمات الأخرى كالصحة والسكن فإنها في وضع متداعٍ وظروف كارثية، في حين يحصل 15% فقط من التنزانيين على خدمات الكهرباء، و54% فقط على مياه نظيفة و13% هم فقط من يستطيعون استخدام مراحيض حكومية.

 

أيها المسلمون بخاصة والناس بعامة!

 

لم تكن تلك إلا بعض كوارث وظروف سببتها الأيديولوجية الرأسمالية وأفكارها الخبيثة الفاسدة والتي يُعمل على نشرها اليوم وبقوة في جميع أنحاء العالم باسم "التنمية" والتقدم" في محاولة لجعلها مثالاً تحتذي به الإنسانية على عمى. إن على المسلمين والبشرية جمعاء وجوب الاستيقاظ وإدراك السبب الحقيقي الذي يقف وراء هذه المشاكل والكوارث التي تأصلت في المجتمعات فيرفضوا الرأسمالية ويقيموا الإسلام وحكمه الذي سيضمن السلام والعدل والطمأنينة للبشرية كلها.

 

 

 

التاريخ الهجري :8 من صـفر الخير 1437هـ
التاريخ الميلادي : الجمعة, 20 تشرين الثاني/نوفمبر 2015م

حزب التحرير
كينيا

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع