الثلاثاء، 22 شوال 1440هـ| 2019/06/25م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

«قُلْ آمَنْتُ بِاللهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ»

 

 

سار سيّدنا موسى - مستعينا بتوفيق الله عزّ وجلّ - إلى مدين ودعا ربّه أن يهديه الطّريق الصحيح حتّى يبلغ وجهته فلا يحيد عنه ولا يضلّ. قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّه تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيلِ﴾ عن قَتادة: ﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾: قصد السبيل. دعا ربّه - بفطرته النّقيّة - أن يهديه الطّريق ولا يتركه هائما في الأرض دون أن تكون له وجهة محدّدة وذلك دلالة واضحة لجدّيّته في المطلب والمسعى.

 

يصل المسلم الحقّ لإحقاق الرّبوبيّة والألوهيّة لله بعد بحث وتمحيص وتأمّل فإن اهتدى لطريق الحقّ ثبت عليه ولزمه. ومن رحمة الله بعباده أن علمهم كيفية العبادة وشرع الصّلاة ويسّر لهم عبرها الاستقامة على الدّين. يتلون في كلّ ركعة ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. ففي الصّلاة تتوفّر كلّ أعمال الاستقامة...، تنهى عن الفحشاء والمنكر، وتجمّعت فيها أركان الإسلام كلّها. لذا يرى المسلم العزّ في العبوديّة لله فيسمو في لحظة السّجود يذكر الله في نفسه فيذكره الله ويباهي به من عنده. يكون في معيّة الله عزّ وجلّ في عبادته له والاستقامة على ذلك وإن كان في زنازين الطّغاة أو المنفى، وإن ضاقت به الدّنيا فهو مطمئنّ في رحاب الله يتلو كتابه ويعطر أنفاسه بذكره وحمده، رضي بالله ربّا فأرضاه الله في الدّارين بطمأنينة لا ينالها إلّا المتّقون. ﴿إِنَّ الَّذِين قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف: 13-14] ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ * وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 30-33]

 

أمر الله عزّ وجلّ حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم بالاستقامة فأمر صلوات ربّي وسلامه عليه المؤمنين بها. عن أبي عمر وقيل أبي عمرة سفيان بن عبد الله رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحداً غيرك قال: «قُلْ آمَنْتُ بِاللهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ». رواة مسلم. عَنْ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً صِرَاطاً مُسْتَقِيماً، وَعَلَى جَنَبَتَيْ الصِّرَاطِ سُورَانِ، فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، وَعَلَى الْأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ، وَعَلَى بَابِ الصِّرَاطِ دَاعٍ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ادْخُلُوا الصِّرَاطَ جَمِيعاً، وَلَا تَتَعَرَّجُوا، وَدَاعٍ يَدْعُو مِنْ فَوْقِ الصِّرَاطِ، فَإِذَا أَرَادَ يَفْتَحُ شَيْئاً مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ، قَالَ: وَيْحَكَ لَا تَفْتَحْهُ، فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ، وَالصِّرَاطُ الْإِسْلَامُ، وَالسُّورَانِ حُدُودُ اللَّهِ، وَالْأَبْوَابُ الْمُفَتَّحَةُ مَحَارِمُ اللَّهِ، وَذَلِكَ الدَّاعِي عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالدَّاعِي من فَوْقَ الصِّرَاطِ وَاعِظُ اللَّهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ».

 

فمن نعم الله على عباده أن جعل للإنسان واعظا في نفسه يثبّته على الصّراط المستقيم ويعيده إلى الطّريق القويم كلّما حاد عنه، يحاسب نفسه ويراقب الله سرّا وعلانيّة. كما أوجب وجود المتناصحين المحافظين على حدود الله حوله وأوجب وجود دولة تحمي دين الفرد والجماعة وتعمل على استقامة الأمّة فنكون بحقّ شهداء على النّاس مستخلفين في الأرض نعبد الله عزّ وجلّ كما ينبغي. فالله عزّ وجلّ لم يتركنا فوضى لا رعاة لهم بل أوجب وجود دولة تحمي الدّين وتقيم شعائر الله في أرضه...! دولة تحمي قيم الإسلام وتصون أركانه وتنشر عبادة الله في أصقاع الأرض.

 

ومن نعم الله عزّ وجلّ أيضا على عباده أنّه جعل حمل الدّعوة فرضا على الأمّة وجعل التّواصي بالحقّ والصّبر والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر من مقوّمات المجتمع المسلم. يفلح المؤمنون ويفوزون إن هم حافظوا عليها ويستحقّون الخسران والذلّ إن استهانوا بها. يكره المسلم الإثم والمنكر كفرد ويحثّ على حماية محارم الله ويردّ الشبهات كجماعة، ثم يحاسب المتجرئ عليها. يكون قويا بقوّة الحقّ الذي يحمله لا يهادن فيه ولا يقبل بما هو دونه.

 

كما أنّ المسلم لا يرى في الالتزام بالشّرع رقّا وأسرا والتنصّل منه حريّة فحامل الدّعوة لا يرى في العمل في إطار جماعة تحجيما له وتقييدا لقدراته. لا يرى في العمل الحزبيّ إلاّ السّبيل لتحرير الأمّة من التّبعيّة والاستعمار. ولا يرى في الالتزام بمتطلّبات حمل الدّعوة إلاّ ما تقتضيه الجدّيّة في الفكر والعمل حتّى يصل إلى سواء السّبيل ويهتدي للّتي هي أقوم.

 

لا يأمر الشّيطان حامل الدّعوة بترك الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر بل يستدرجه بالانتصار للنّفس وتغليب الهوى، يعظّم أمامه شأن نفسه فيجعله من حيث لا يدري منهمكا في سفاسف الأمور، ساعيا خلف خطوات الشّيطان، لاهثا خلف الدّنيا وملذّاتها يختصم من هذا ويتذمّر من ذاك وهو فوق هذا كلّه يبرّر لنفسه بأنّه مُصلح قوي لا يقبل الظلم. ومن بقي فيه بعض خير يخطّئ نفسه الأمارة بالسّوء سرّاً ويخاف غضب الله العليّ العظيم ولكنّه يكابر علانيّة ويخشى على صنم من عجوة بناه داخل نفسه.. تأخذه العزة بالإثم فلا ينفع معه نقاش ولا يستجيب لنصح بل يبلغ به الأمر أن تقول له اتق الله فيرد "اتق الله أنت" وكأن الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم لم يحذر من هذا المنزلق!

 

أمّا من ابتلاه الله بالعُجب فذلك أمره جلل.. نسأل الله السّلامة والمعافاة.

 

لقد أنعم الله على الإنسان بهذه الدّنيا وزينتها وزخرفها كما وجعلها أيضا فتنة له قد تعيقه عما هو أبقى، تغرّه وتغويه، فيلهث وراء المال والجاه والمنصب ويركن إلى متاعها الزّائف فيتحوّل لغاية في ذاته. تصبح الدّنيا أكبر همّه بدلا من أن يرى نفسه فيها عابر سبيل مكلّفا يعمل لدار البقاء ولجنّة عرضها السّماوات والأرض أعدّت للمتّقين. يعمل المؤمن في الأرض بهمّة عالية وهو مكلّف بعمارة الأرض والاستخلاف فيها حسب منهج ربّاني. يعمل حامل الدعوة تحت إمرة مسؤول واتّباع نهج إسلاميّ أصيل فيه تهذيب للنّفس وانقياد للشّرع وانضباط بالعمل فلا يرى في أيّ عمل تقليلا من شأنه بل ينظر إلى سمو الغاية وأهمية تحقيق الهدف ولا يكترث لمنصب - مهما كان - فهو عمل كأيّ عمل يستلزم جدّيّة وإتقانا وإحسانا فالمسؤوليّة عنده تكليف وليست تشريفا وعبء عظيم يسأل عنه يوم الدّين، لا يستهين بأمرها عاقل ولا يغتر بها لبيب.

 

ومع طول الطّريق وكثرة المغريات قد ينحرف البعض عن المسار، أحدهم يبدأ بالعمل لنيل أعلى الدّرجات العلميّة لكي يكون المنصب العلميّ الرّفيع عونا له في حمل الدّعوة فإذا بالبوصلة تتغيّر ليصبح المنصب العلميّ هدفا في حدّ ذاته. وآخر يعمل بين النّاس لنشر أفكار الإسلام ويجد قبولا هيّأه الله له بين النّاس فتراه فجأة ينسب الخير لنفسه وينتصر لها ويبتليه الله من حيث لا يدري. وذلك الذي يسافر لبلاد بعيدة حتى يحمل الدعوة للخلافة في أرض معروف عنها حب الناس للإسلام وطول غربتهم عنه تحت حكم العلمانية المتسترة بالإسلام فإذا به يعود بخفي حنين مذموماً مدحوراً وقد ابتلي وباع آخرته بدنيا غيره.. عاد مفلسا كالتي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثا.

 

حريّ بحامل الدّعوة وهو يحمل شعلة التّنوير لأمّة الإسلام أن يراقب الله ويتتبّع مدارج السّالكين العارفين بالله السّاعين للاستقامة. يصدع بالحق عاليا دون أن يعجب بصدى صوته، يقارع الفكر بالفكر دون أن ينجرف وراء السبل أو يتوه في زحمة الحياة. ولا بد وأن يكون للمسلم واعظ حي في قلبه يثبّته على الصّراط فالمسلم الحقّ في مجاهدة دائمة ومستمرّة مع نفسه يردع النّفس الأمّارة بالسّوء ويأطرها على الحقّ أطرا. ولكي يكون هذا الواعظ حيا لا بد أن نرويه بذكر الله وطلب العلم وصحبة الصادق الصدوق الذي يعيدك للمسار ولا يخشى في الله لومة لائم.

 

وهذه الاستقامة على طريق الله عزّ وجلّ تعني عند حامل الدّعوة سلامة القلب وتزكية النّفس ونهيها عن الهوى. ومن الاستقامة الرّضا بما قضاه الله والصّبر على المحن واتّقاء الفتن ما ظهر منها وما بطن فإن هذا يعزّز الثّبات ويجعل المسلم كالجبل الأصمّ لا تتلقّفه الرّياح يضع أمره كلّه بيد العزيز الجبّار. والمؤمن أمره كله خير فإما أن يشكر وإما أن يصبر عسى أن يجبر الله كسره في الآخرة. المؤمن يحتسب أمره عند الله ويدرك أنّ فوق كلّ ذي علم عليماً ولله الأمر من قبل ومن بعد يصرف الرياح لعذابه أو لرحمته ويقلب القلوب كيف يشاء. يصبر المسلم لأن كل المعارك الشخصية في الدنيا إلى زوال ولا يبقى للإنسان إلا القلب السليم والعمل الطيب.

 

ومن الجدّيّة في حمل الدّعوة أن يدرك المسلم أنّ الحفاظ على العمل مع الجماعة والصّبر على تحدّيات العمل الجماعيّ من الاستقامة على الطّريق فيعمل كحامل دعوة مع الجماعة ليقيم شرع الله في أرضه ويعيدها خلافة راشدة على منهاج النّبوة. فأي غرض وأي خصومة وأي موقف شخصي لا وزن له عندما يستحضر عظم الهدف الذي يسعى إليه.

 

قد تتعرج السّبل وتختلف تقديرات البشر ويتوه البعض عن سواء السّبيل ولكن تبقى حقيقة ثابتة في ذهن المسلم وهي أنّ العمل مع جماعة تتوفّر فيها الشّروط الشّرعيّة واجب و"ما لا يتمّ الواجب إلّا به فهو واجب". تلبسنا بهذا العمل لأنه واجب ونسأل الله إحدى الحسنيين، إما أن نشهد بيعة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة وإما أن نكون ممن يلقون الله غير مفتونين ونصدق الله ما عاهدناه عليه.. اللهم آمين.

 

إنّ الاستقامة في طريق مليء بالمغريات ومتّسم بالتّعريج والميلان أمر يحتاج لتدبّر وعمل ودعاء فمن ثبت عليه فاز ومن مال عن الطّريق هلك. نسأل الله أن يهدينا الصّراط المستقيم ويثبّتنا في القول والعمل.

 

﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْن ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾

 

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

هدى محمد (أمّ يحيى)

 

 

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع