الخميس، 23 ذو الحجة 1441هـ| 2020/08/13م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

حول وصف منظومة "الحلال والحرام" بالتطرف

 

بداية لا بد من الإشارة إلى ناحية في غاية من الأهمية ألا وهي أننا حين نتحدّث عن الحلال والحرام فنحن لا نتحدّث عن طرح بشري يؤخذ منه ويرد... فالحلال ما أحله الله والحرام ما حرمه الله... الحلال والحرام ليس طرحا.

 

قال رسول الله ﷺ: «الْحَلَالُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ» ويقول: «إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ وَالْحَرَامَ بَيِّنٌ».

 

فالحلال ما سمح الله به، ولم يرتب على فعله أي عقوبة، والحرام ما حذر الله منه، ورتب على فعله عقوبة في الدنيا أو الآخرة.

 

والحلال والحرام مقياس الأعمال والأشياء في حياة كل المسلمين، وليس لطائفة أو فئة دون أخرى، أي أوامر الله ونواهيه، فالحلال يعمل والحرام يترك، ولا يتطور ذلك ولا يتغير، ولا تُحكم فيه النفعية، بل يحكم فيه الشرع فقط. يقول الله تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً.

 

وقد ثبت باستقراء الأدلة الشرعية المتعلقة بالأشياء أنَّ "الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليل التحريم" وأنَّ "الأصل في الأفعال التقيد بالحكم الشرعي"، فلا يوجد في الكون شيء أو فعل إلا وأنزل الله له حكماً شرعياً، إما حلالاً وإما حراماً، فإن لم يجد المسلمون حكماً لشيء أو فعل، فهو نتيجة تقصيرهم في الاجتهاد لاستنباط الأحكام الشرعية، وليس هو نتيجة قصورٍ أو نقصٍ في الأدلة الشرعية، لأن الله تبارك وتعالى نص بوضوح على اشتمال الإسلام لكل حكم يلزم الإنسان إلى يوم القيامة، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾ وقال عز وجل: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾.

 

وكذلك، يحرم على المسلم أن يصف فعلاً أو شيئاً بالحلال أو الحرام دون دليل شرعي، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ.

 

لذا فإنّ الالتزام بالحلال والحرام هو الاعتدال والاستقامة، وترك الحلال والحرام هو التطرف والانحراف.

 

يقول عز وجل: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ويقول سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ويقول ﷺ: «إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ، فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» رواه البخاري ومسلم.

 

إذا التقيد بالحلال والحرام هو اقتداء برسول الله ﷺ، وهو شرف لحزب التّحرير بأن يقدمه مقياس أعمال ومنظومة قيم على أساسها تقام دولة وينشأ مجتمع، لذلك فقد عجبنا من وصف الحلال والحرام بالتطرف!

 

أما إن كان ذلك الوصف غطاءً لأمر خطط ضد حزب التحرير القائم على منظومة الحلال والحرام، من خلال إبراز تناحر بعض الأطراف التي يشهد لها تاريخها بالعنف... فقد سبق إلى هذا الأمر من هم أشد قوة وأكثر جمعا، وكانت النتيجة أن سقطوا هم وبقي الحزب قويا منيعا بإذن الله كما ترون، فإن الله معنا ورسوله والمؤمنون، ومن كان هذا حاله فلا يخشى في الله لومة لائم.

 

وإننا نحمل الخير للناس، ونريد لهم الأمن والأمان في ظل دولة الإسلام، الخلافة الراشدة، وهذا ما أمر به رسول الله ﷺ، وسار على نهجه صحابته رضوان الله عليهم، فمن سار على هذا النهج نجا وفاز، ومن تنكَّب عنه خاب وخسر، ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾، والعاقبة للمتقين.

 

كما أنّنا نؤكّد على أنّ حزب التحرير في سعيه لتحقيق أهدافه، منذ تأسّس سنة 1953م على يد القاضي العلّامة محمّد تقي الدين النبهاني رحمه الله، يعمل بين النّاس ومعهم عملا فكريّا سياسيّا ويعرض عليهم قناعاته الفكريّة والسّياسيّة، معتمدا الحجّة والدّليل دون أن يعمل أيّ عمل مادّيّ لإكراه النّاس على تبنّي قناعاته. وهذا شأن الحزب في كامل بلاد الإسلام التي يعمل بها، كما هو شأنه في هذا الجزء من بلاد الإسلام، والجميع يعلم أنّ حزب التحرير لا علاقة له بالأعمال الدمويّة الإجرامية وأنّه ليس من طريقة حزب التحرير القيام بالأعمال المادّيّة وأعمال العنف، بل إن طريقته في الوصول إلى الحكم هي عن طريق الأمّة بالصّراع الفكريّ والكفاح السّياسيّ.

 

كما يعمل الحزب على:

 

أ‌-   تثقيف النّاس بالإسلام تثقيفا مركّزا في حلقاته بثقافة الحزب،

 

ب‌-   وتثقيف النّاس تثقيفا جماعيّا بهذه الثّقافة، مستعملا في ذلك المحاضرات والندوات والدروس والمنشورات، لإيجاد الوعي العام على الإسلام.

كما يعمل الحزب على كشف خطط الدول الاستعماريّة وعملائها، التي تحاك ضد الأمة، ويعمل على إحباطها.

 

وفي هذا السياق نقول إنّ الخلافة ليست دولة عسكريّة يحكمها العسكر ولا هي دولة بوليسيّة، وليست دولة دينيّة كهنوتيّة، وإنّما هي دولة بشريّة تطبّق أحكام الإسلام: إذ لا يجوز في الإسلام مطلقا أن يُحكم النّاس بالحديد والنّار، فلا يجوز أن تُرعى شؤون النّاس بمفاهيم الأحكام العسكريّة ومقاييس القمع والقهر. وكلا الأمرين يسبّب الخراب والدّمار، ويورد البلاد والعباد موارد الهلاك لا في الدّنيا فحسب بل في الآخرة، وتجتمع على النّاس خسارتان؛ خزي ومذلّة في الدّنيا، وعذاب من الله في الآخرة. وكلا الأمرين يسبّب الخراب والدّمار، ويولّد الرّعب والخوف والفزع، ويوصل البلاد والعباد إلى حافة الهاوية.

 

دولة الخلافة ليست شعارا يرفع بل هي طريقة في الحكم حدّدها القرآن الكريم لها واقع، وقد عرّفت منذ عهد رسول الله ﷺ بأنّها "رئاسة عامة للمسلمين جميعا في الدنيا لإقامة أحكام الشرع الإسلامي وحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم".

 

هذه هي العناصر الثلاثة المكونة لتعريف الخلافة:

  • الرئاسة العامة، أي أنّها دولة واحدة تجمع المسلمين تحت راية خليفة واحد،
  • وتطبيق الشرع،
  • وحمل الدعوة إلى العالم.

فالخلافة دولة، وليست شعارا وليست تطرفا، وبعناصرها الثلاثة لها مقوّمات بارزة:

  1.  السيادة للشرع وليست للشعب: وهذه مسألة أساسيّة في دولة الخلافة ولا يجوز أن يختلف عليها اثنان. فالسيادة يراد بها الممارس للإرادة والمسيّر لها. وفي الإسلام إرادة الفرد وإرادة الأمّة مسيّرة بأوامر الله ونواهيه أي بالحلال والحرام...
  2.  السلطان للأمّة: وهذه أيضا مسألة أساسيّة في دولة الخلافة وتعني أنّ نصب الخليفة يكون من الأمّة وهو ينوبها في تطبيق الشرع. وهذا يجعل دولة الخلافة هي الكيان التنفيذي الذي ينوب الأمّة في تطبيق الشرع، وهي بذلك دولة بشرية لا دولة دينية كهنوتية...

فمثلا إقامة الحدود ومنع الربا ومنع الزنا ومنع التآمر مع الأجنبي ومنع نهب ثروات الأمّة وتطبيق باقي أحكام الشرع تقوم بها الدولة نيابة عن الأمّة. وهي الاستقامة والاعتدال وتركها هو التطرف.

 

أمّا إذا كانت الأمّة مسلوبة السلطان كما هو الحال اليوم حيث إنّ السلطة بيد مجموعة نصّبها الغرب المستعمر للحفاظ على مصالحه بالبلاد، في هذه الحال يجب على الأمّة أن تسترجع سلطانها وذلك بقلع صاحب السلطان المتسلّط عليها وإزالته من أمامها. وهذا هو عين الاستقامة والاعتدال والسكوت عليه هو التطرف والخيانة.

 

فمثلا أمريكا وبريطانيا وفرنسا هم من يملكون السلطان في البلاد، يعيّنون وكلاء عنهم يحكمون نيابة عنهم حتى باتت سفاراتها مزارات!

 

والله سبحانه يقول ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾، فقلع الاستعمار وتحرير البلاد هو الاستقامة والاعتدال في الإسلام والتعامل معه هو التطرف والخيانة.

 

ومن مقوّمات دولة الخلافة أنّ لها أجهزة خاصة تقوم برعاية شؤون الناس رعاية خاصّة ومن طراز خاص ومتميّز.

 

فمنذ عهد الرسول ﷺ وعهد الخلفاء الراشدين من بعده رضوان الله عليهم كانت لدولة الخلافة أجهزة قائمة رغم أنّها لم تكن مبوّبة لكنّها كانت موجودة.

 

ولقد قام حزب التحرير بتبويب وتفصيل هذه الأجهزة في كتب بطريقة دقيقة وعملية أبهرت كل من اطّلع عليها.

 

لذلك عند قيام دولة الخلافة سيُزال النظام الديمقراطي الرأسمالي من جذوره ويُزال الاستعمار الجاثم على صدور المسلمين منذ هدم الخلافة.

 

ونحن في هذه البلاد جزء من أمّة تعيش منذ ما يقارب القرن أحوالاً أسوأ من سيئة، وانحطاطاً يخجل منه الانحطاط، وذلاً تأباه المذلة، وهواناً لا يرضى به الهوان. وإنّ قضيّتنا الحقيقيّة هي تغيير النظام العلماني الرأسمالي وإقامة نظام الإسلام بإقامة الخلافة الراشدة الثانية. وهذا ما يعمل المستعمر على وصفه بالتطرف وهو الاستقامة والاعتدال ودونه هو

 

 

التطرف والخيانة.

 

وإذا كانت الرغبة في التغيير عند البعض لا تعدو كونها تغيير شخص بشخص آخر سعيا لضمان مصلحة جهة على حساب أخرى، لذلك تجدهم يستنزفون قوى البلاد والعباد في تجاذبات ومعارك زائفة لا تضفي سوى إلى إشباع رغبات فرديّة زائلة وإلى ضمان مصالح الغرب المستعمر وذلك بتكريس النظام العلماني الرأسمالي الذي هو من وضع البشر وهو الذي أنتج الأوضاع التي ضدّها ثارت الشعوب وهو النظام الذي لا بد من تغييره.

 

إنّ دولة الخلافة هي مشروع الأمّة وهي وحدها القادرة على التغيير الحقيقي الذي يمكّن الأمّة من استرجاع المكانة التي من أجلها وجدت خير أمّة أخرجت للناس.

 

وإنّنا في حزب التحرير كما ننبذ العنف ونعتبر كل مخالفة لأحكام الله من حلال وحرام تطرفاً ندعو كل المسلمين لنبذه.

 

ولأنّ المعروض على الناس اليوم هو تغيير النظام لا تغذية المعارك الحزبية الضيقة والعقيمة... ولأنّ الرائد لا يكذب أهله وحيث إنّ الله سبحانه وتعالى يسّر للناس أن يكسروا الخوف وأن يخلعوا من زرعه في قلوبهم، فإننا ندعوهم إلى إتمام ما بدأوه واقتلاع النظام العلماني الرأسمالي الذي تسبّب في شقائهم، وإقامة دولة الخلافة التي تطبّق أحكام الشرع. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً.

 

وختاما نؤكّد على أنّ حزب التحرير يعرض برنامجه على كل أهل البلاد حكّاما ومحكومين ويتفاعل مع الجميع دون أي تمييز. وإنّ شباب الحزب يعملون ليلا ونهارا لإقامة الخلافة الراشدة التي ستكون على منهاج النبوّة بإذن الله واستئناف الحياة الإسلاميّة والله معهم ومؤيّدهم وناصرهم.

 

﴿وكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنينَ

﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الاَشْهَادُ

﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ

 

وإنّنا في حزب التحرير نرى أنّ دولة الخلافة قائمة ليس بيننا وبينها إلّا أن نفرغ من صلاة الفجر إلى شروق الشمس فترتفع صيحات الله أكبر الله أكبر، نصر عبده، وأعزّ جنده، وهزم الأحزاب وحده، ولن يخلف الله وعده.

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

د. الأسعد بن رمضان

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع