- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
2026-01-14
جريدة الراية: في ذكرى هدمها
عزُّنا في
الخلافة على منهاج النبوة
منذ العهد المكي؛ وتحديداً منذ نزول قوله تعالى: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ وأعناق المسلمين تشرئب نحو الدول الكبرى، ومع أنّ مزاحمة الدول الكبرى لم تكن تخطر ببالهم إلا أن نزول تلك الآية كان إيذاناً بعالمية الإسلام، وما إنْ مضى عقد من الزمان حتى كانت جيوش دولة الإسلام تطرق أبواب الدولة الكبرى (الروم) في غزوة مؤتة، التي كانت ردّاً فورياً على استشهاد الصحابي الجليل الحارث بن عمير الأزدي، الذي أرسله رسول الله ﷺ إلى ملك بصرى بالشام، فقتله عامله عليها شرحبيل بن عمرو الغساني، مخالفاً بذلك عُرفاً من الأعراف الدولية التي كانت سائدة آنذاك، وهو أن الرسول لا يُقتل، واستمر هذا العرف إلى يومنا هذا فيما أصبح يسمّى بحصانة السفراء.
كان ذلك من أبرز مظاهر العزة والكرامة المصاحبة لتطبيق الإسلام ﴿وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾، إذ استحقّ رجل مسلم واحد قتله الروم أن يجهّز رسول الله ﷺ جيشاً عرمرماً ليخوض حرباً ضروساً انتقاماً لمقتله، واضعاً بذلك حجر الأساس للسياسة الخارجية لدولة الإسلام، ومعلناً عالمية مبدأ الإسلام وعالمية دولته. وسار ﷺ على رأس جيش لجب إلى تبوك لمحاربة الروم، فلما علموا بذلك فروا، ونُصر ﷺ بالرعب من مسيرة شهر. ثم انتقل رسول الله ﷺ إلى الرفيق الأعلى وهو يوصي بإنفاذ بعث أسامة، وهو الجيش الذي عقد رسول الله ﷺ لواء قيادته لأسامة بن زيد رضي الله عنهما ليرسله إلى مشارف الشام (دولة الروم).
ومن بعد رسول الله ﷺ استمرت دولة الخلافة في حمل رسالة الإسلام إلى الناس كافّة، محقّقة العزة والكرامة، والسعادة والطمأنينة لكل من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً، ولكل من رضي بالعيش في كنف دولة الإسلام، ضاربةً أروع الأمثلة في الرحمة والعدل والإنصاف والإنسانية، حتى إن دولة الخلافة في أواخر أيامها وحين كانت توصف بالرجل المريض قامت بإغاثة الشعب الإيرلندي حين أصابتهم المجاعة المسمّاة "مجاعة البطاطا" في زمن الخليفة عبد المجيد الأول بين عامي 1845-1852م.
وسرعان ما تغيّر حال المسلمين بعدما تمكّن الكفار المستعمرون وبمساعدة خونة العرب والترك، من هدم دولة الخلافة، فتمزّقت بلاد المسلمين إلى أكثر من خمسين مزقة، ونتج عن ذلك ما نتج من ضعف وذل وهوان على الناس، لقد هان المسلمون على الناس، وأصبحوا بجريرة حكامهم مطيةً لكل ممتطٍ من الكفرة المستعمرين، فسالت دماؤهم أنهاراً في كل مكان، وأصبح أرذل خلق الله وأذلُّهم يهود يصولون ويجولون في عدد من بلاد المسلمين، ويقتلون المسلمين في الضفة الغربية وقطاع غزة ولبنان وسوريا واليمن وإيران، والحكام الرويبضات في بلادهم لا يحركون ساكناً، وصارت ثرواتهم نهباً لكل ناهب، فعاش المسلمون الفقر ألواناً وأنواعاً، وتداعت الأمم عليهم كما يتداعى الأكَلة إلى قصعتهم، فلم يصبح عجيباً أن ترى كثيرا من أبنائهم يموتون من البرد الشديد، ومن الأمراض العادية، ومن الجوع، ويأكلون من حاويات القمامة! ولم يفقد المسلمون العزة والكرامة والهيبة بفقد دولة الخلافة وحسب، بل فقدوا الإنسانية، وفقدوا كل وصف حميد، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
مضى قرن من الزمان على أفول شمس الخلافة بل زاد قليلاً، فحلّ بالمسلمين ما حلّ، بعد تلك القرون العديدة المتطاولة من العزة والكرامة في ظل دولة الخلافة، فهذا باعث للأمل في نفوس المسلمين أن تعود لهم العزة والكرامة والهيبة بين الأمم مرة أخرى، وذلك بإعادة الخلافة مرة أخرى، وما أقربه! فإذا عرف السبب بطل العجب، والأمة توقن أنّ الله عز وجل أعزّها بالإسلام، وأنها مهما ابتغت العزة في غيره أذلها الله، وهذا القرن الأخير خير شاهد على ذلك، وفيه من العبرة ما فيه لكل عاقل.
لقد وصف الله سبحانه وتعالى الأمة الإسلامية بأنّها خير أمّة أخرجت للناس، وذلك بإيمانها بالله سبحانه وتعالى، وأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر، ولقد كانت كذلك خلال قرون الخلافة الممتدة عبر الزمن، وآنَ لها أنْ تُعيدَ عزّتها وكرامتها وهيبتها بعودتها لوظيفتها وصفاتها التي وصفها الله سبحانه وتعالى بها، فتتخذ الإسلام مبدأً للحياة، تقيم دولته وتنفّذ أحكامه وتحمل رسالته إلى الناس كافة، وتخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن الشقاء إلى السعادة والفوز في الدارين.
إنّ الأمة الإسلامية قادرة على أنْ تُعيد سيرتها الأولى، فتنال وعد الله سبحانه وتعالى بالاستخلاف في الأرض، وتحقّق بشرى رسوله ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ»، فهي تملك الإمكانات البشرية القادرة على ذلك، وتملك من الثروات ما يجعلها الدولة الأولى في العالم، وتملك من الموقع الجغرافي ما يجعلها واسطة العقد في العالم، وتملك ما لا يملكه الآخرون:
- المبدأ العظيم الذي أنزله الله سبحانه وتعالى ليقوم الناس بالقسط.
- وحزب التحرير، الرائد الذي لا يكذب أهله، الذي نذر نفسه خالصة لله تعالى لإعادة الحكم بالإسلام بإقامة دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، وأعدّ للأمر عُدّته، سائراً على أحكام الله تعالى، وملتزماً سيرة رسوله ﷺ في إقامة دولة الإسلام الأولى.
فإلى الهيبة والعزة والكرامة ندعوكم أيها المسلمون، وإلى الفوز بالدارين نقودكم أيها الناس، فهلم لنصرة حزب التحرير وبيعته على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وإقامة دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، ففيها عزّكم وكرامتكم.
بقلم: الأستاذ خليفة محمد
المصدر: جريدة الراية