Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

Al Raya sahafa

 

2026-02-25

 

جريدة الراية:خفايا مغادرة أمريكا

قاعدة التنف السورية

 

 

 

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية جاءت مغادرة أمريكا لقاعدة التنف في عمق البادية السورية لتفتح باباً واسعاً من الأسئلة أكثر مما قدّمت من الإجابات.

 

لم تكن التنف مجرد نقطة عسكرية معزولة وسط الصحراء، بل كانت عقدة جيوسياسية تتحكم بمفترق طرق بين سوريا والعراق والأردن، وتمسك بخيط حساس في معادلة التوازن بين واشنطن وطهران وموسكو.

 

على مدى سنوات تحولت القاعدة إلى رمز لحضور أمريكي محدودٍ في عدده، عميقٍ في دلالاته؛ كانت بوابة مراقبة، ونقطة تعطيل لمرور بري استراتيجي، وأداة ضغط غير مباشرة في مفاوضات أكبر من الجغرافيا السورية نفسها.

 

لذلك فإن مغادرتها لا يمكن قراءتها كإجراء إداري أو إعادة انتشار عسكري عابر، بل كإشارة إلى إعادة ترتيب أولويات وتبدل في فلسفة إدارة النفوذ.

 

هل هو انسحاب تكتيكي لتقليل الكلفة والانكفاء عن بؤر الاستنزاف؟ أم خطوة محسوبة ضمن صفقة إقليمية أوسع تتعلق بملفات تتجاوز سوريا؟ أم رسالة ضمنية بأن زمن القواعد الصغيرة ذات الرمزية الكبرى قد انتهى ليبدأ زمن إدارة الصراع عن بعد؟

 

إن التحولات الكبرى لا تُقاس بعدد الجنود المنسحبين، بل بما يتركونه خلفهم ومن يملؤه؛ فالتنف لم تكن مجرد مساحة جغرافية بل نقطة تماس بين عدة مشاريع: مشروع تثبيت الدولة السورية سيادتها على حدودها، ومشروع إقليمي يسعى لربط العواصم برياً، ورؤية أمريكية تعيد تعريف حضورها في الشرق الأوسط.

 

وفي عالم تتقاطع فيه الأزمات وتضيع فيه البوصلة، تبدأ مغادرة التنف أكثر من خبر عسكري، بل هي لحظة اختيار لتوازنات جديدة ومرآة لتحولات أعمق في بنية الصراع الإقليمي. ومن هنا تبدأ القراءة الحقيقية: ليس لماذا غادرت أمريكا؟ بل ماذا يعني أن تغادر الآن وفي هذا التوقيت تحديداً؟

 

تقع قاعدة التنف في المثلث الحدودي بين سوريا والعراق والأردن قرب معبر التنف الاستراتيجي على الطريق الدولي دمشق - بغداد، حيث أُنشئت القاعدة عام 2016 ضمن تحالف صليبي تقوده أمريكا بذريعة محاربة تنظيم الدولة، لكنها تحولت إلى نقطة ارتكاز سياسي تعرقل التواصل البري بين طهران وبيروت.

 

الحدث لا يمكن قراءته كخطوة عسكرية فقط بل كتحول في التوازنات الإقليمية. فقد تم انسحاب القوات الأمريكية بالكامل من قاعدة التنف وتسليمها إلى الجيش السوري بعد انسحاب تدريجي امتد لأسابيع، وأُقيم تنسيق مع الأردن، وبدأ الجيش السوري بنشر وحداته وحرس الحدود في المنطقة المحيطة بالقاعدة عند المثلث الحدودي السوري - العراقي - الأردني. وجاء في عدة مصادر: "الجيش السوري يتسلم قاعدة التنف بعد انسحاب القوات الأمريكية" (يورو نيوز).

 

وهذه الخطوة جاءت بعد انتهاء الدور الاستراتيجي القديم للقاعدة في مواجهة تنظيم الدولة ضمن إطار التحالف الدولي حسب زعمهم. وقد صرحت أمريكا أن "انسحابها كان منظماً، وأنها ستبقى قادرة على الرد على تهديدات تنظيم الدولة باستخدام القوة الجوية ومعلومات استخباراتية حال الحاجة" (ديفنس نيوز).

 

إن هذا الانسحاب يعمّق عدم الاستقرار العام في البادية، المنطقة ذات الرقابة الأمنية الخفيفة وعدم الاستقرار المجتمعي بعد سنوات الحرب، حيث تقول الجزيرة نت: (تنظيم الدولة ومخاطر عودته إلى سوريا الجديدة)؛ وجود سجون مليئة بالمقاتلين وعمليات تحويل أو هروب محتملة، حيث تحدثت تقارير عن نقل آلاف المعتقلين إلى المحافظات العراقية وسُجلت فيديوهات تهريب أو فرار عند التضارب الأمني: "حقائق: أين يُحتجز عناصر تنظيم الدولة المعتقلون في سوريا الآن؟" (رويترز).

 

وجود قوات سورية حكومية بدلاً من وجود أمريكي يجعلها أقل احتمالاً أن تكون هدفاً مباشراً في أي مواجهة أمريكية إيرانية مستقبلية، إن حدثت، لأنها ليست هدفاً أمريكياً. أي أن التسليم يقلل من مخاطر أن تكون القاعدة نفسها هدفاً في مواجهات كبرى، لأن لديها الآن أصحابها الوطنيين، بينما لو بقيت تحت سيطرة أمريكا لكانت ستمثل موقعاً مرتبطاً مباشرة بالتحالف، ما قد يجعلها هدفاً لردود أعداء أمريكا إذا توسع النزاع. "من الجيش السوري فرقة 54 انتشرت داخل القاعدة ومحيطها مع تعزيزات أمنية على طول الحدود مع العراق والأردن". (العربي الجديد).

 

وعليه فإن الوجود الأمريكي لم ينتهِ كلياً في سوريا، لكنه انتقل إلى نقاط أخرى مثل شرق الفرات أو الأردن. وعليه نستطيع القول إن هذا الانسحاب من التنف هو جزء من إعادة الرؤية الأمريكية للمنطقة، بمعنى إعادة تعريف أدوات النفوذ، حيث إن الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط منذ سنوات تقوم على ثلاث ركائز:

 

- تقليل الوجود العسكري الثابت المكلف وتحويله من السيطرة المكانية إلى التحكم الشبكي.

 

- الاعتماد على الضربات الدقيقة والاستخبارات والتحالفات المحلية، وبهذا يقل الاحتكاك المباشر مع القوى الإقليمية.

 

- تركيز الجهد الاستراتيجي على آسيا واحتواء الصين، أي إبقاء القدرة على التدخل دون تحمل حماية يومية لقاعدة معزولة.

 

وعلى ما سبق فإن السياسة لا تُقاس بتحولات في عدد الجنود الذين يغادرون، بل بنوع النظام الإقليمي الذي يتركونه خلفهم. إن مغادرة القاعدة ليست نهاية فصل عسكري بقدر ما هي إعلان هادئ عن التبدل في هندسة القوى؛ من تمركز صلب على الأرض إلى حضور مرن في الهواء والاقتصاد والمعلومات. إنها لحظة انتقال من جغرافيا القواعد إلى جيوسياسية الشبكات.

 

سوريا اليوم تقف عند مفترق توازنات لا تختزل في حدودها بل في قدرتها على ضبط إيقاع الممرات والحدود والعقوبات وإعادة الإعمار.

 

إن أخطر ما في المرحلة ليس الفراغ بل سوء تقدير الفراغ؛ حين تنسحب قوة كبرى من موقع رمزي لا تتقدم قوة إقليمية لمساحته فحسب بل لاختيار حدود نفوذها أيضاً، وهنا يتحدد مستقبل المنطقة: إما أداة تنافس محسوب يمنع الانفجار، أو انزلاق إلى اصطدامات بالوكالة تتغذى من سوء الفهم وسرعة الاشتعال.

 

إن الشرق الأوسط يدخل طوراً تُدار فيه الصراعات بأدوات أقل صخباً وأكثر تعقيداً، ومن يفهم هذه التحولات مبكراً ينجُ من عواصفها، ومن يقرأها بمنطق الأمس قد يجد نفسه في قلب معادلة لم يملك مفاتيحها.

 

 

بقلم: الأستاذ نبيل عبد الكريم

 

 

المصدر: جريدة الراية

 

 

 

 

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.