- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
2026-02-25
جريدة الراية: مؤتمر وحدة الخطاب الإسلامي
تحت مسمى الاعتدال والوسطية
انطلقت يوم الأحد ١٥/٢/٢٠٢٦م فعاليات المؤتمر الأول لوزارة الأوقاف بعنوان: "وحدة الخطاب الإسلامي" في قصر المؤتمرات بدمشق، برعاية رئاسة الدولة ومجلس الإفتاء الأعلى، وبحضور شخصيات رسمية ودينية من علماء ودعاة من مختلف المدارس العلمية والدعوية في المحافظات السورية. وقد انتهى المؤتمر بعدد من المخرجات وُضعت في ميثاق ختامي، وقد ركزت وسائل الإعلام، ومنها وكالة سانا الرسمية، على المبدأ السادس، مؤكدة أن المؤتمر يهدف إلى توحيد الخطاب الديني على منهج الاعتدال والوسطية.
إن طرح فكرة توحيد الخطاب الديني على أساس الاعتدال والوسطية هو تعبير آخر عن فكرة تجديد الخطاب الديني، التي تسعى دول الغرب لفرضها علينا في مواجهة الخطاب الذي يُوصف بالخطاب المتشدد والمتطرف والإقصائي.
وقد نصّ المبدأ السادس من ميثاق المؤتمر على: الاعتدال والوسطية منهج إسلامي أصيل، وهو المقياس الذي يضبط به كل خطاب ديني بعيداً عن الإفراط والتفريط. قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾.
إذن، الغاية هي ضبط الخطاب الديني، أي ضبط الأحكام الشرعية والفتوى بهذا الأساس المزعوم، وهو الذي يوجّه أي خطاب ديني مهما كان، في مقابل أفهام أخرى قد تنحو منحى الإفراط أو التفريط.
ولكن ما المقصود بالآية الكريمة؟ وهل هي فعلاً تدل على منهج الوسطية والاعتدال، أم على شيء آخر؟
قال الحافظ ابن كثير: "وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ يقول تعالى: إنما حوّلناكم إلى قبلة إبراهيم، عليه السلام، واخترناها لكم لنجعلكم خيار الأمم، لتكونوا يوم القيامة شهداء على الأمم؛ لأن الجميع معترفون لكم بالفضل. والوسط هنا: الخيار والأجود، كما يقال: قريش أوسط العرب نسباً وداراً، أي خيرها. وكان رسول الله ﷺ وسطاً في قومه، أي أشرفهم نسباً، ومنه الصلاة الوسطى التي هي أفضل الصلوات، وهي العصر، كما ثبت في الصحاح وغيرها. ولما جعل الله هذه الأمة وسطاً خصها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب، كما قال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ﴾ الحج: 78". انتهى كلام ابن كثير.
إذن، هذا هو معنى الوسطية: هي الأفضلية والخيرية، وفيها أيضاً معنى صفة العدل الواجب توفرها بالشهود، وهي شرط في أمة محمد عليه وآله الصلاة والسلام، التي ستشهد على الأمم الأخرى يوم القيامة ببلوغهم رسالات الرسل.
وهذه الفكرة تنافي فكرة الخطاب المعتدل الوسطي الذي يرضي الغرب، والذي يهدف إلى تغيير أحكام الإسلام لكي تتوافق مع العصر، والذي يعتبر أي خطاب إسلامي يدعو إلى تحكيم الإسلام في واقع الحياة، ويدعو إلى المفاصلة بين المؤمنين والكافرين، خطاباً متطرفاً ينافي الاعتدال الذي أمر به الإسلام.
إن الغرب يريد إسلاماً يستفتى فقط في أحكام الحيض والطهارة والصلاة والحج والعبادات الفردية، ولا يريد إسلاماً يغير وجه العالم السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ويكون نظاماً بديلاً عن النظام الرأسمالي الذي هو سبب شقاء البشرية.
لذلك، يفرض الغرب على الإدارة السورية الحالية ألا تتبنى الإسلام في الدولة والمجتمع، وأن يبقى الإسلام في المساجد وبعض القوانين المتعلقة بالأحوال الشخصية، ويفرض عليهم محاربة أي توجه إسلامي أو خطاب إسلامي يطالب بدولة إسلامية حقيقية في سوريا تتبنى الإسلام نظاماً شاملاً للحياة.
ولذلك، كان الأولى بالقائمين على المؤتمر من العلماء والمشايخ أن يجعلوا عقد مؤتمرهم هذا ليطالبوا فيه الإدارة السورية بتطبيق الشريعة الإسلامية، وإنهاء عهد الحكم العلماني في البلاد. فحكم الإسلام وحده هو الكفيل بحل مشاكلنا جميعها وهو الكفيل بتضييق دائرة الخلاف بين المذاهب والطوائف الإسلامية؛ فأمر الإمام يرفع الخلاف، كما نصّ على ذلك علماء الأصول.
فالمشكلة ليست في تعدد الخطاب الإسلامي، بل المشكلة في عدم وجود قائد للأمة يرعى شؤونها بأحكام الإسلام، يجمع شملها، وينصر مستضعفيها، ويذود عن حياضها، ويعيد لها عزتها وكرامة العيش، بعد قرن من الذل والهوان والشتات والضياع والتبعية للغرب والشرق.
بقلم: الأستاذ أحمد الصوراني
المصدر: جريدة الراية