Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

Al Raya sahafa

 

2026-03-11

 

جريدة الراية:

لماذا اشتعل الشرق الأوسط؟

قراءة تحليلية لحرب أمريكا ويهود

المفتوحة ومآلاتها

 

 

 

تعيش منطقة الشرق الأوسط أجواء حرب إقليمية واسعة النطاق، بدأت بهجوم عنيف ومفاجئ على إيران، لتتوسّع دائرة الاستهداف وتشمل لبنان، مع احتمالات لتدحرج كرة النار نحو اليمن وغيرها من دول المنطقة. في هذا السياق، تبرز تساؤلات ملحّة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التصعيد غير المسبوق، وهل كان وليد اللحظة أم نتيجة تخطيط مسبق يهدف إلى إعادة صياغة الخريطة السياسية والجيوسياسية للمنطقة بالكامل؟

 

خديعة الدبلوماسية والنوايا المبيّتة:

 

بالرغم من الآمال التي عقدها المتفائلون على المفاوضات التي كانت تجري بين أمريكا وإيران، تشير الوقائع الميدانية إلى أنّ إدارة ترامب، كانت تبيّت النيّة لشنّ هذه الحرب منذ مدّة. فالحشود العسكرية الضخمة، التي شملت حاملات طائرات وبوارج حربية ومئات الطائرات، كانت دليلاً على نواياها لضرب أهدافها مهما كانت نتيجة المفاوضات. ويبدو أنّها استدرجت إيران عبر إيهامها بإمكانية التوصّل إلى تسوية ترضي الطرفين، في حين كان الهدف الحقيقي هو سحب هوامش المناورة منها تماماً، وإجبارها على التخلّي عن التخصيب النووي وتفكيك أذرعها ومليشياتها الإقليمية.

 

استنساخ سيناريو فنزويلا لتغيير النظام من الداخل:

 

من أبرز مفاجآت هذه الحرب كان الاستهداف المباشر لكبار قادة النظام الإيراني، وعلى رأسهم المرشد الأعلى خامنئي، الذي صُدم المراقبون من تركه في مكان يسهل اصطياده فيه، وكذلك اغتيال شخصيات بارزة مثل وزير الدفاع وقائد الأركان وقائد الحرس الثوري وغيرهم. والأرجح أنّ أمريكا لا تهدف من خلال هذه الاغتيالات إلى تفكيك الدولة الإيرانية بالكامل أو إدخالها في فوضى عارمة، بل تسعى لتكرار سيناريو فنزويلا. يعتمد هذا المخطّط على تصفية الجناح الممانع لأمريكا، لإفساح المجال أمام شخصيات سياسية مرنة ومطواعة من داخل النظام لتولّي زمام الحكم. وتبرز هنا أسماء مثل الرئيس مسعود بزشكيان وجواد ظريف، خياراتٍ محتملةً للتعاون مع الغرب، لتحويل إيران إلى دولة وظيفية عاديّة تتخلّى عن أذرعها الخارجية وتلتفت لشؤونها الداخلية.

 

دور كيان يهود ومشروع التطهير العرقي:

 

على الجانب الآخر، يقف كيان يهود محرّكا أساسيا لهذه المواجهة، حيث مارس رئيس وزرائه نتنياهو ضغوطاً هائلة لدفع أمريكا نحو هذا الخيار. ويتمحور هاجسه الأكبر حول نزع سلاح إيران النووي وتجريدها من منظوماتها الصاروخية، فإنّ القضاء على قدرات إيران النووية والحؤول دون امتلاك أيّ دولة إقليمية أخرى قدرات نووية يعدّ هدفا استراتيجيا لكيان يهود.

 

تكتيكات الردّ والموقف الملتبس لأذرع إيران:

 

أمام هذه الهجمة، تعتمد خطّة إيران العسكرية حصرياً على الردع الصاروخي، في محاولة لخلق حرب استنزاف طويلة الأمد ضدّ أمريكا وكيان يهود وإيقاع أكبر قدر من الأضرار المادّية عليهما. وتركّز إيران ضرباتها على القواعد الأمريكية في دول الخليج والأراضي الفلسطينية المحتلّة، مع تجنّبٍ لعله مقصود لاستهداف القواعد الأمريكية في تركيا للحفاظ على العلاقات التاريخية بينهما وتجنّب استفزاز دولة بهذا الحجم عضو في حلف الناتو. وفي المقابل لم تزهد إيران باستخدام ما تبقّى من القدرات العسكرية المحدودة لحزبها في لبنان لرشق الصواريخ على الأراضي الفلسطينية المحتلّة، على الرغم ممّا ستسبّبه هذه الجبهة من دمار في لبنان وضرر على الطائفة الشيعية وحرج لزعماء الحزب السياسيين في حاضنتهم الشعبية وفي الوسط السياسي اللبناني. وهذا يعكس حالة الحرج للنظام الإيراني وحاجته لاستخدام كلّ ما يملك من أوراق، دون كثير التفات إلى الاعتبارات السياسية.

 

الصين وروسيا: لعبة الاستنزاف والمصالح الكبرى:

 

على المسرح الدولي، تثار شكوك حول قيام بكين وموسكو بتقديم دعم خفيّ بالمعلومات والتكنولوجيا العسكرية المتطوّرة لطهران. فمن مصلحة هذه القوى الكبرى إغراق أمريكا واستنزافها في رمال الشرق الأوسط قبل أن تتفرّغ لمواجهتها دولياً. فأمريكا تستهدف أيضاً من حربها على إيران حرمان الصين من أحد مصادر النفط، كما فعلت حين وضعت يدها على فنزويلا التي كانت أحد أهمّ مصادر النفط لها، إضافة إلى وضع يدها على أرض يمرّ فيها طريق الحرير الصيني.

 

المشروع الأمريكي الشامل للمنطقة:

 

إنّ هذه المعركة لا تقتصر على إخضاع إيران، بل هي جزء من استراتيجية أمريكية شاملة لتشديد الهيمنة على منطقة المشرق العربي. إذ تسعى أمريكا إلى تفتيت المنطقة وتحويلها إلى كانتونات مقسّمة عرقياً وطائفياً، ما يسهّل إدارتها وتحويلها إلى منطقة استثمارية كبرى لشركاتها. يترافق هذا المشروع مع سعي حثيث لفرض خطاب "الديانة الإبراهيمية" ومحاربة أيّ طرح للإسلام السياسي وجعله من المحرّمات.

 

سيناريوهات مفتوحة:

 

تقف المنطقة اليوم أمام مفترق طرق وأحد سيناريوهين رئيسيين؛ فإمّا أن تنجح الآلة العسكرية الأمريكية والمؤامرات في إسقاط القيادة الإيرانية الحالية واستبدال طاقم موالٍ لأمريكا بها ينفّذ الخطط الغربية - وهذا سيكرّس هيمنة أمريكا لعقود -، وإمّا أن تتمكّن إيران من استيعاب الصدمة والصمود في حرب استنزاف طويلة. وإنّ من شأن نجاحها في الصمود إفشال مخطّط أمريكا وتوجيه صفعة سياسية قاصمة لترامب ونتنياهو، خاصّة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية الأمريكية، ما يجعلهما عرضة لدفع ثمن باهظ لمغامرة غير محسوبة العواقب. فهل تفاجئ إيران العالم بقدرتها على الصمود وكسر عنجهية أمريكا وكيان يهود؟

 

 

بقلم: الأستاذ أحمد القصص

 عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

 

 

 

المصدر: جريدة الراية

 

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.