- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
2026-05-27
جريدة الراية: كما جمعنا الحج في صعيد واحد
يجب أن يجمعنا الحكم في خلافة واحدة
يا له من منظر مهيب أن ترى الملايين من المسلمين على اختلاف ألوانهم وجنسهم وأعمارهم وبلادهم قد اجتمعوا في صعيد واحد، بلباس واحد، يلبّون نداء الرب الواحد، يؤدّون النسك تلو النسك مجتمعين، تركوا ديارهم وأهليهم ومصالحهم الدنيوية لأداء هذا الفرض العظيم، لا تميّز بين غنيّهم وفقيرهم، فالموطن موطن طاعة وتذلّل وخضوع لله الواحد الأحد، فالناس لآدمَ وآدمُ من تراب لا فرق بينهم في أصل الخلقة، ولا في الفطرة التي فطر الله الناس عليها، فتتجلى في ذلك المنظر المهيب أعظم مظاهر التقديس لله سبحانه وتعالى، تلهج ألسنتهم بصوت واحد: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. فتجد ذلك الصوت المتهدج يخترق الآفاق معلناً الولاء لله سبحانه وتعالى، القائل: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾، ولرسوله ﷺ القائل: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»، وللمؤمنين الذين هم أمة واحدة من دون الناس.
حقاً إن الحج مظهر واضح بين من مظاهر وحدة المسلمين، فالأعمال والأقوال واحدة، والنية والغاية واحدة، وأمكنة الشعائر واحدة، وزمانها واحد، واللباس واحد، نبت كل ذلك من بذرة واحدة مثلت ركناً ركيناً من أركان الإسلام.
ليس عجيباً أن يكون الحج هو الركنَ الخامس من أركان الإسلام، فهو من آخر أحكام الإسلام افتراضاً، إذ افترض في السنة التاسعة للهجرة على أصح الروايات، ولعل الحكمة في ذلك أن تكون مكة ضمن دار الإسلام تنطبق عليها أحكام الإسلام، وفي تلك السنة استعمل رسول الله ﷺ أبا بكر ليكون أميراً للحج، وألحقه بعلي بن أبي طالب حاملاً معه سورة التوبة ليقرأها على الناس في الحج، وليعلن عن إمهال المشركين أربعة أشهر، إلا من كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فهو إلى عهده، وأنه لا يحج البيت بعد اليوم مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، كان كل ذلك في العام التاسع للهجرة الذي وصف بأنه عام الوفود، إذ جاءت وفود القبائل في الجزيرة العربية إلى رسول الله ﷺ معلنة إسلامها وانضواءها تحت لواء دولة الإسلام، فتم تكوين الدولة الإسلامية الواحدة بالقضاء على كل فكر غير فكر الإسلام الواحد، وكل كيان غير كيان الدولة الواحد، ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾.
وبعد أنّ أمّر رسول الله ﷺ أبا بكر على الحج في السنة التاسعة للهجرة تولى بنفسه ﷺ مسؤولية الحج في السنة العاشرة للهجرة، وفي هذا تشريع وإرشاد لأن يتولى حاكم المسلمين - أو من يؤمّره - مسؤولية الحج، ليقوم بحفظ أمن الحجاج ورعاية شؤونهم بأحكام الحج وبالأحكام الشرعية الأخرى التي تلزم، وسار على هذه السيرة الخلفاء من بعده، فهذا عمر بن الخطاب كان في كل سنة ملازما للحج في سني خلافته كلها، وكان من سيرته أن يأخذ عماله لموافاته كل سنة في موسم الحج، ليحجزهم بذلك من الرعية، ويحجز عنهم الظلم، ويتعرف أحوالهم من قرب، وليكون للرعية وقت معلوم يُنهون إليه شكاويهم كما ورد في الأثر، وروى الأعمش أن علي بن أبي طالب استعمل ابن عباس على الحج، فخطب يومئذ خطبة لو سمعها الترك والروم لأسلموا.
إنّ مسألة وحدة المسلمين مسألة مصيرية، فكما أنها تتجلى كل عام في موسم الحج - ولو جزئياً بحكم الحدود بين بلاد المسلمين وتعدد الحكام في بلادهم - فهي تظهر كذلك في الصلاة؛ إذ يلبي المسلمون نداء المؤذن الواحد، وكذلك في الصيام؛ إذ الأصل أنهم يصومون جميعاً لرؤية الهلال ويفطرون جميعاً لرؤيته، وينفذون جميعاً هذه الشعيرة من الفجر إلى الليل طيلة شهر رمضان، وكذلك في الزكاة؛ إذ كان رسول الله ﷺ يرسل العمال لجمعها وإعطائها لمستحقيها، وسار الخلفاء من بعده على ذلك إلى أواخر عهد الخلافة. فما بال المسلمين اليوم يلبون نداء دون نداء؟ يلبّون نداء: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ ولا يلبون نداء الله ورسوله ﷺ ليحكم بينهم: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ فلا يقولوا: سمعنا وأطعنا؟ ما بالهم يلبون: ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ولا يلبّون: ﴿لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء﴾؟ يلبّون ويدعو علماؤهم إلى طاعة (أولي الأمر) ولا يلبّون: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ﴾؟ يلبّون: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ ولا يلبّون: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ﴾؟
إنّ معنى أن تكون مسألة وحدة المسلمين مسألة مصيرية أنْ يُتَّخَذَ حيالَها إجراء الحياة أو الموت، فقد قال رسول الله ﷺ: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ»، فلا يجوز أنْ يبقى المسلمون متفرقين في كيانات هزيلة، يعطّلون شرع الله وإقامة حكمه الواحد في الأرض، يطيعون الله تعالى في الحج والصلاة والصيام وبعض الأحكام الأخرى ولا يطيعونه في بقية أحكام الإسلام، فيكون شأنهم كمن جعلوا القرآن عِضِين، أو كالذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض؛ ونعوذ بالله أن يكون حال المسلمين كحال هؤلاء أو أولئك.
فيا أيها المسلمون:
لقد جمعكم الحج في صعيد واحد في ذلك المنظر المهيب؛ وإن تطبيق أحكام الإسلام جميعها يجب أن تجمعكم في خلافة واحدة، وأنتم قادرون على ذلك؛ فلقد عشتم قروناً متطاولة ممتدة على هذا الحال تحت راية خليفة واحد، فما أيسر أن تعيدوا الكرة لوجود حزب التحرير بين ظهرانيكم، الرائد الذي لا يكذب أهله، يسعى لنهضتكم وتوحيدكم على مشروع الخلافة، فما عليكم إلا أن تعقدوا العزم وتعملوا معه وتنصروه، ففي ذلك يتجلى المظهر الأكبر من مظاهر وحدتكم، وفي ذلكم عزكم في الدنيا، وفوزكم في الآخرة، ورضوان من الله أكبر.
بقلم: الأستاذ خليفة محمد
المصدر: جريدة الراية