المكتب الإعــلامي
ولاية مصر
| التاريخ الهجري | 7 من رمــضان المبارك 1447هـ | رقم الإصدار: 1447 / 24 |
| التاريخ الميلادي | الثلاثاء, 24 شباط/فبراير 2026 م |
بيان صحفي
المصريون ينفقون 2 مليار جنيه يومياً
أهذه شهادة قوة أم دليل على الفقر؟
يُروَّج في وسائل الإعلام أن المصريين ينفقون نحو ملياري جنيه يومياً على الطعام في رمضان، بإجمالي يقارب ستين مليار جنيه خلال الشهر. ويُعرض الرقم في سياق يوحي بالضخامة والحيوية الاقتصادية. غير أن القراءة المتأنية تكشف أن المسألة ليست دليلاً على رخاء، بل مؤشر على عمق الخلل في بنية النظام الاقتصادي القائم، وعلى غياب الرعاية الحقيقية لشؤون الناس.
فإذا قُسِّم المبلغ اليومي على عدد السكان، فإن نصيب الفرد لا يتجاوز قرابة 18-20 جنيهاً يومياً. وهذا الرقم، عند مقارنته بأسعار السلع الأساسية، ينهار تماماً. فكيلو الأرز يقترب من 35 جنيهاً، وكيلو اللحم تجاوز 400 جنيه، فضلاً عن الزيت والسكر والخضار والبيض. والحد الأدنى الواقعي لإطعام فرد واحد طعاماً بسيطاً لا يقل عن 50 جنيهاً يومياً، وهو حد البقاء على قيد الحياة لا حد الكفاية. فكيف يُصوَّر متوسط 18 جنيهاً بوصفه رقماً ضخماً؟!
إن هذا الرقم حتى لو صح يراد إبرازه كرقم ضخم يعبر عن إسراف الناس في رمضان ويبرر سياسات تقشفية جديدة أو أكثر حدة في جباية أموالهم على اعتبار أنهم ينفقون هذا الرقم الضخم يوميا، رغم كونه لا يعكس سخاء الدولة وﻻ قدرة الناس الشرائية، بل يعكس ما يقتطعه الناس من دخولهم المنهكة. إنه مال الناس، من أجورهم المحدودة، ومن مدخراتهم التي أكلها التضخم، ومن قدرتهم الشرائية التي تتراجع عاماً بعد عام. فالإنفاق ليس منحة، بل استنزاف. والدولة بسياساتها المالية والنقدية وبضرائبها المباشرة وغير المباشرة وبرفعها المتكرر للأسعار، هي التي تساهم في هذا الاستنزاف ثم تعرض نتائجه كأنها إنجاز!
إن جوهر المسألة ليس في الرقم ذاته، وفي وظيفة الدولة، فالدولة في الإسلام ليست جهاز جباية، ولا مجرد حارس لاقتصاد السوق، بل هي راعٍ لشؤون الرعية. والرعاية ليست شعاراً سياسياً، بل حكم شرعي ثابت. فالحاكم مسؤول أمام الله عن إشباع الحاجات الأساسية لكل فرد إشباعاً تاماً: طعاماً وكساءً ومسكناً. وهذه الحقوق ليست إحساناً، بل التزام.
في الإسلام، تُقسم الملكيات إلى فردية وعامة وملكية دولة. والثروات الكبرى من طاقة ومعادن ومرافق عامة هي ملكية عامة للأمة، لا يجوز تمليكها لشركات خاصة، ولا رهنها لمصالح الغرب، وعائدها يجب أن يُسخَّر لإشباع حاجات الناس، لا لسداد ربا ديون، ولا لتضخيم أرباح فئة محدودة. فلو أُديرت هذه الثروات وفق الأحكام الشرعية، لكانت كفيلة بضمان الكفاية لكل فرد.
أما النظام الرأسمالي القائم، فإنه يركز الثروة في أيدي قلة، ويطلق يد السوق، ويحول الدولة إلى منظم للجباية وحارس للمصالح الكبرى، فتُرفع يدها عن ضبط الأسعار بحجة التحرير، وتُخصخص المرافق، وتُفرض الضرائب غير المباشرة التي تصيب الفقير قبل الغني، ثم يُطلب من الناس أن يتحملوا! فإذا ارتفع الإنفاق في موسم ما، قُدِّم الرقم على أنه علامة قوة اقتصادية، مع أن حقيقته قد تكون علامة ضغط ومعاناة.
ورمضان بطبيعته شهر يزداد فيه الإنفاق لأسباب مجتمعية ودينية. فإذا كان متوسط الإنفاق في هذا الشهر لا يبلغ حد الكفاية، فكيف بغيره من الشهور؟ إن انخفاض الإنفاق خارج رمضان لا يعني تحسن الحال، بل قد يعني عجزاً أكبر عن الإنفاق أصلاً. فالناس لا يخفضون استهلاكهم اختياراً، بل اضطراراً، ناهيك عن كون هذا الرقم هو متوسط الإنفاق ما يعني أن هناك فئة من الناس ليست قليلة لا تصل إلى هذا الحد المعلن بينما هناك من ينفق آﻻفاً في وجبة واحدة.
ثم إن التضخم المتصاعد يلتهم الرواتب، والضرائب والرسوم تتكاثر، والدعم يُرفع، والأسعار تُحرر، فيجد الناس أنفسهم بين مطرقة الغلاء وسندان الجباية. وفي ظل هذا الواقع، يصبح الحديث عن مليارات تُنفق حديثاً مبتوراً، ما لم يُسأل: كيف وُزعت الثروة؟ وكيف أُديرت الموارد؟ وهل أُشبعت الحاجات الأساسية لكل فرد؟
إن أحكام الإسلام تعيد ترتيب الأولويات؛ فالأصل أن يُضمن لكل فرد إشباع حاجاته الأساسية إشباعاً تاماً، من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن الكسب الذي يكفيه وجب على الدولة أن توصله لحد الكفاية بأن تجد من يكفله، أو توجب على بيت المال أن ينفق عليه. فإن لم تكفِ الموارد في بيت المال لإشباع حاجات الناس وكفايتهم، فُرضت ضرائب مؤقتة على أغنياء المسلمين فقط بقدر الحاجة، لا على عامة الرعايا، ولا على الفقراء. كما أن الدولة مسؤولة عن منع الاحتكار، وضبط الأسواق، ومحاسبة المتلاعبين بأقوات الناس. فترك الناس تحت رحمة السوق ليس من الرعاية في شيء.
إن قياس قوة المجتمع بحجم الاستهلاك قياس مضلل؛ فقد يستهلك الناس كثيراً لأن الأسعار مرتفعة، لا لأن دخولهم مرتفعة. وقد ينفقون أكثر لأن البدائل معدومة، لا لأنهم في سعة. فالرقم المجرد لا يكشف عدلاً ولا يثبت رعاية.
إن القضية إذاً ليست في ملياري جنيه يومياً، بل في السؤال الأعمق، هل تُدار شؤون الناس وفق عقيدة الأمة وأحكام الإسلام، أم وفق وصفات نظام اقتصادي يجعل الربح معياراً أعلى من الكفاية، والسوق حَكَماً فوق حاجات البشر؟
يا أهل مصر الكنانة: إن حقوقكم في العيش الكريم ليست مِنّة من أحد. فلكم حق في طعام يكفيكم، وكساء يستركم، ومسكن يؤويكم، ولكم حق الأمن والرعاية الصحية والتعليم، فلا تنخدعوا بالأرقام المجرّدة، ولا تقيسوا واقعكم بضخامة ما يُعلن. الميزان هو هل أُشبعت حاجاتكم الأساسية؟ وهل رُعيت شؤونكم حق الرعاية؟ إن التغيير الحقيقي يبدأ بوعي عميق بأن الرعاية واجب، وأن الظلم والقهر والاستعباد ليس قدراً، بل منكر عظيم واجب التغيير.
يا أجناد الكنانة: إنكم درع الأمة وسيفها، ومسؤوليتكم عظيمة. إن قوة البلاد لا تقوم على أرقام استهلاك، بل على عدل يحفظ حقوق الناس، وعلى نظام يصون ثرواتهم، وعلى دولة ترعى شؤونهم وفق شرع الله. كونوا مع أمتكم في حقها بالعيش الكريم، ومع عقيدتكم التي تأمر بالعدل، فإنّ عز البلاد من عز أهلها، ولا عز لأهلها مع فقرٍ يُرهقهم واستنزافٍ يُضعفهم، واعلموا أن الذي يضمن للناس كفايتهم إنما هو نظام الإسلام الذي يطبق في دولته؛ الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، فكونوا أنتم رجالها وأنصارها عسى الله أن يفتح بكم فتفوزوا فوزا عظيما.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾
المكتب الإعلامي لحزب التحرير
في ولاية مصر
| المكتب الإعلامي لحزب التحرير ولاية مصر |
عنوان المراسلة و عنوان الزيارة تلفون: www.hizb.net |
E-Mail: info@hizb.net |