Logo
طباعة
من إدارة الأزمة إلى تغيير النظام: لماذا لا تنقذ الخطط النظام المصري؟

بسم الله الرحمن الرحيم

 

من إدارة الأزمة إلى تغيير النظام: لماذا لا تنقذ الخطط النظام المصري؟

 

 

الخبر:

 

ذكرت جريدة الديار على موقعها الخميس 2026/2/12م أن البيان الرسمي لأول اجتماع للحكومة المصرية الجديدة برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي قد وضع أهدافاً وخططاً للمرحلة المقبلة، أبرزها: تحديد أولويات العمل مثل الأمن القومي، الاقتصاد، الإنتاج والطاقة، الأمن الغذائي، وبناء الإنسان؛ ومطالبة كل وزارة بخطة واضحة تتضمن أهدافاً وإجراءات وتمويلاً ومؤشرات أداء؛ تحسين الاقتصاد عبر التنسيق بين الوزارات، السعي لخفض الدين العام بأفكار مدروسة، تخفيف الأعباء المعيشية وضبط الأسعار ومكافحة الاحتكار، تحسين الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم، توسيع شبكات الحماية الاجتماعية، دعم الاستثمار، الصناعة، والزراعة، زيادة فرص العمل وخفض البطالة، تحسين الأداء الحكومي ومكافحة الهدر، تعزيز الشفافية مع الإعلام لمواجهة الشائعات، والاستعداد للتحديات الخارجية بوضع سيناريوهات مختلفة لضمان الاستقرار.

 

التعليق:

 

طُرحت عناوين كبيرة خلال الاجتماع كخفض الدين العام، وتحسين الاقتصاد، ودعم الاستثمار، وضبط الأسعار، وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية، وتعزيز الأمن القومي. هذه العناوين في ظاهرها تبدو استجابة طبيعية لمعاناة الناس وضغط الواقع، لكن من زاوية الرؤية التي تتبنى رعاية شؤون الناس وتعمل لعلاج مشكلاتهم حقا، فإن السؤال ليس: ما هي الأولويات؟ بل: على أي أساس تُبنى هذه الأولويات؟

 

المشكلة ليست في ضعف التنسيق بين الوزارات، ولا في الحاجة إلى "أفكار غير تقليدية"، بل في الأساس الفكري والسياسي الذي تقوم عليه الدولة. فطالما بقي النظام رأسمالياً، يعتمد على الاقتراض الربوي، ويربط اقتصاده بالمؤسسات المالية الدولية، فإن الأزمات ستتجدد مهما تبدلت الوجوه أو تغيرت الشعارات.

 

الحديث عن خفض الدين العام عبر حلول مدروسة يوحي بأن المشكلة طارئة يمكن احتواؤها، غير أن الواقع أن الدين العام هو نتيجة مباشرة لبنية مالية تقوم على الاقتراض بالربا، وإصدار أدوات دين لتمويل الموازنة، والاعتماد على التمويل الخارجي بشروط سياسية واقتصادية. والربا محرّم بنصوص قطعية، وتحريمُه تشريع ينظم الحياة الاقتصادية. فإذا كان أساس التمويل قائماً على الربا، فإن كل محاولات خفض الدين دون اقتلاع هذا الأساس لن تكون إلا إدارةً لأزمة دائمة، لا حلاً جذرياً لها.

 

تحدث البيان عن ضبط الأسواق ومنع الاحتكار وتخفيف الأعباء، وهذه مطالب عادلة تمسّ حياة الناس مباشرة، لكن السؤال: لماذا ترتفع الأسعار أصلاً؟ ولماذا تتكرر موجات الغلاء؟

 

في الإسلام، لا تُترك الثروات الكبرى كالطاقة والمعادن والمرافق العامة لآليات السوق أو لهيمنة الشركات. بل تُعدّ ملكية عامة للأمة، تديرها الدولة لصالح الناس كافة. فإذا مُكّن القطاع الخاص من الموارد الأساسية، فإن الاحتكار يصبح نتيجة طبيعية، ويغدو التدخل الحكومي لاحقاً محاولة لتخفيف آثار خللٍ بنيوي.

 

وعليه، فإن تخفيف الأعباء لا يكون عبر توسيع الدعم النقدي فحسب، بل عبر إعادة تنظيم الملكيات، وضمان إشباع الحاجات الأساسية لكل فرد: من مأكل وملبس ومسكن وعلاج وتعليم، باعتبار ذلك حقاً شرعياً للرعية في عنق الدولة.

 

شددت الحكومة على دعم الاستثمار والصناعة والزراعة، غير أن مفهوم "جذب الاستثمار الأجنبي" في السياق الرأسمالي غالباً ما يرتبط بإعفاءات واسعة، وامتيازات استثنائية، وتمكين شركات عابرة للحدود من قطاعات استراتيجية.

 

في المقابل، تؤكد هذه الرؤية أن السيادة الاقتصادية لا تنفصل عن السيادة السياسية، فلا يُقبل تمكين جهات خارجية من موارد الأمة مقابل تدفقات مالية مؤقتة. فمعيار القبول ليس حجم الأموال، بل طبيعة العلاقة: هل تحفظ استقلال القرار أم ترهنه؟

 

الاقتصاد الإسلامي ليس ساحة مفتوحة لمن يملك رأس المال الأكبر، بل هو نظام محكوم بأحكام شرعية تضبط التملك، وتمنع الإضرار، وتحفظ مصالح الأمة.

 

من العناوين اللافتة في البيان "بناء الإنسان"، غير أن بناء الإنسان لا ينفصل عن أساس الدولة؛ فإذا كانت القوانين تُسنّ وفق الإرادة البشرية المطلقة، فإن الإنسان سيُبنى على فلسفة دنيوية نفعية، أما إذا كانت السيادة للشرع، فإن العقيدة تصبح أساس السلوك السياسي والاقتصادي والاجتماعي...

 

في هذا الإطار، فإن إصلاح التعليم والإعلام لا يقتصر على تطوير المناهج أو تحديث الخطاب، بل يرتبط بإعادة تعريف وظيفة الدولة نفسها: هل هي دولة وطنية بحدود مصطنعة، أم دولة أمة تحمل رسالة؟

 

تحدث البيان عن مواجهة التحديات الخارجية بخطط بديلة، غير أن مفهوم الأمن القومي في الدولة القُطرية يختلف عن مفهوم أمن الأمة في الإسلام؛ فالأول ينطلق من حدود جغرافية رسمتها اتفاقيات سياسية، بينما الثاني يعتبر بلاد المسلمين وحدة واحدة لا تتجزأ. وبناءً على ذلك، فإن السياسات الخارجية التي تُبنى على موازين القوى الدولية، دون اعتبار لرابطة الأمة، تُعدّ استمراراً لواقع التقسيم، لا سعياً لتجاوزه.

 

إن الحديث عن تحسين الأداء الحكومي، وتعزيز الشفافية، وتطوير الإدارة، يظل في هذا التصور معالجةً شكلية إذا لم يُحسم السؤال الجوهري: لمن السيادة؟ هل هي للشعب يشرّع ما يشاء، أم للشرع تُستنبط منه الأحكام؟

 

الأصل كما يقره الإسلام أن السيادة للشرع، والسلطان للأمة، وأن وظيفة الدولة هي تطبيق الأحكام المستنبطة من الكتاب والسنة، لا ابتكار تشريعات من خارج هذا الإطار. ومن هنا، فإن الخلاف مع النظام القائم ليس إدارياً، بل مبدئي.

 

الحكومة تراهن على إصلاح تدريجي داخل المنظومة القائمة؛ تخفيف الدين، جذب استثمارات، توسيع الحماية المجتمعية... لكن الحقيقة أن النظام نفسه هو مصدر الخلل، وأن تغيير الأدوات دون تغيير الأساس لن يخرج البلاد من دوامة الأزمات، وعليه، فإن الحل لا يكون بتجميل النظام الرأسمالي، بل بإقامة نظام حكم يقوم على العقيدة الإسلامية، ويعيد تنظيم الاقتصاد والسياسة والعلاقات الدولية وفق أحكام الشرع.

 

بين من يراهن على إدارة الأزمة، ومن يدعو إلى تغيير النظام، يقف الناس بين معاناة يومية وأسئلة مصيرية. لكن الثابت أن نهضة الأمة لا تتحقق بإعادة تدوير السياسات، بل بإعادة تأسيس الدولة على أساسٍ مختلف من جذوره، أي على أساس الإسلام ودولته الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمود الليثي

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

 

وسائط

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.