- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
ما وراء الصدام الأمريكي الإيراني
نهاية تخادم المصالح ومشروع الهيمنة الجديد
الخبر:
حرب أمريكا وكيان يهود على إيران.
التعليق:
يتكرّر في الأوساط السياسية والشعبية سؤال جوهري: لماذا تضرب أمريكا إيران اليوم، بعد أن كانت طوال عقود جزءاً لا يتجزّأ من معادلة سياساتها في المنطقة؟
للإجابة على هذا السؤال، ينبغي مراجعة السردية السائدة؛ فإيران لم تكن يوماً مجرّد دولة تابعة لأمريكا، وإنّما كانت تدور في فلك سياستها ضمن مساحة براغماتية بحتة، لتنال ما يعينها على تحقيق حلمها بتوسيع نفوذها الإقليمي. لقد وفّرت التطورات السياسية منذ مطلع القرن الحادي والعشرين - غير المحسوبة أحياناً - فرصا متتالية لطهران، حيث تقاطعت مصالحها مع حاجة واشنطن لخدماتها في ساحات، كأفغانستان والعراق ولبنان وسوريا واليمن. فكان تاريخ العلاقة بينهما، مليئا بالصفقات القذرة والمصالح المتبادلة. ولكن، يبدو أن مشروع أمريكا للمنطقة قد نضج الآن ودخل مرحلة جديدة، قرّرت معها إنهاء نفوذ إيران الذي انتهت وظيفته. أمريكا اليوم تسعى لبسط نفوذها المباشر والتامّ، ولإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط وفق مخطّط قديم تعرقل لعشرات السنين. وليست إيران أوّل من يخدم أمريكا ثم يُضحَّى به ويُلقى في المخلّفات، فالتاريخ السياسي الحديث يغصّ بأمثلة يصعب حصرها.
أمام هذا المشهد المعقّد: هل نفرح؟ أم نغضب؟ أم ندرك حقيقة ما يجري لنُحسن التصرف؟
من الأهمّية بمكان التأكيد على أنّ الموقف من هذا الصدام لا ينطلق من أيّ تعاطف مع النظام الإيراني بأيّ حال من الأحوال، فهو ذاته لم يتغيّر، ولم يقدّم ما يُثبت تراجعه عن ماضيه الإقليمي المخزي؛ فهو النظام الذي تقاطعت مصالحه مع الاحتلال الأمريكي في أفغانستان والعراق، وساهم في إسناد نظام أسد في سوريا، ولعب دوراً أساسياً في تمزيق اليمن. وعلى صعيد القضايا المركزية، فقد خذل هذا النظام - شأنه شأن سائر الأنظمة - قطاع غزّة، بل وترك حزبه في لبنان يواجه مصيره، ولم يقرّر الدخول في مواجهة مباشرة إلّا عندما وصلت السكّين إلى رقبته. ولو كُتب له النجاح في تجنّب الحرب عبر المفاوضات، لكان عاد لاستكمال سيرته الأولى في التواطؤ مع أمريكا.
وعلى الرغم من هذا التاريخ المخزي، فإنّ النظرة إلى حرب أمريكا القائمة يجب أن تنطلق من زاوية أوسع: إنّها عدوان على بلد إسلامي، والأخطر أنّها تأتي في سياق مشروع أمريكي قادم يحمل أهدافاً كارثية غير مسبوقة، تتجاوز مجرّد إسقاط الخصوم.
هذا المشروع، الذي تدفع به الإدارة الأمريكية (ومشروع ترامب تحديداً)، يهدف إلى ما هو أبعد من الهيمنة العسكرية والسياسية، وتتلخّص معالمه في الآتي:
• التطويع الفكري والنفسي، وفرض ما يُسمّى بالديانة الإبراهيمية إطارا ثقافيا جديدا، وجعل أي مشاريع إسلامية سياسية نهضوية من المحرمات المطلقة.
• التفتيت الجغرافي والديموغرافي وإعادة تمزيق المنطقة إلى كانتونات سياسية وطائفية وعنصرية، وتحويل شعوبها (خاصة الأغلبية السنية) إلى مجرّد طائفة تعيش بين جزر طائفية وسط محيط تقوده أطراف خارجية، على رأسها كيان يهود.
• الاستعباد الاقتصادي في مشروع تحويل بلاد الشام والمشرق العربي إلى مجرّد منطقة استثمارية ضخمة لرأس المال الأمريكي، يكون فيها أبناء المنطقة مجرّد موظّفين وعمّال لخدمة مصالح الهيمنة الجديدة.
وعليه فإنّ اختزال المشهد في كونه مجرّد "عدوّ يصرع عدوّا" هو قصر نظر. فكمال المشهد يتجلّى في سعي واشنطن إلى هيمنة تامّة ومباشرة، يُترك فيها كيان يهود ليعربد بلا حسيب ولا رقيب، مستغلّا حالة انبطاح الأنظمة. ولو أدركت الشعوب هذه الصورة بشموليتها، لتجاوزت ثنائية الشماتة والتهليل من جهة والتعاطف والعويل من جهة أخرى، وانتقلت إلى مربّع الوعي. هذا الوعي هو ما يجب أن يدفع النخب المخلصة لتحمّل مسؤولياتها، والإمساك بزمام المبادرة لمنع هذا المخطّط من التحقّق، بدل الاكتفاء بالدعاء السلبي: اللهمّ اضرب الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أحمد القصص
عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير