Logo
طباعة
ترامب والعقلية السياسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

ترامب والعقلية السياسية

 

 

الخبر:

 

نقلت صحيفة فايننشال تايمز عن ترامب قوله:

 

  • إن حلف الناتو يواجه مستقبلاً سيئاً للغاية إذا فشل في المساعدة في فتح مضيق هرمز.
  • لم يكن لزاماً علينا مساعدة الناتو في أوكرانيا، لكننا فعلنا، والآن سنرى ما إذا كانوا سيمدون لنا يد العون.
  • على الحلفاء إرسال كاسحات ألغام، وأوروبا تمتلك الكثير منها.
  • من الطبيعي أن يساهم المستفيدون من مضيق هرمز في ضمان أمنه وسلامته. (آر تي عربي، بتصرف)

 

التعليق:

 

إن القرار السياسي أو العسكري ليس مجرد إجراء عابر يُتخذ وينتهي أثره، بل هو قرار يرتبط ارتباطاً وثيقاً بهيبة الدولة ومكانة رجال الحكم فيها. والأصل في الحاكم، عند اتخاذ أي قرار سياسي، ألا يكون منطلقاً من ردة فعل أو تسرع يوقعه في ورطة سياسية تضطره للبحث عن مخارج أو استجداء الحلول. كما لا ينبغي أن ينمَّ القرار عن عدم دراسة للمفاجآت وتقلبات الأوضاع، أو أن يُتخذ دون امتلاك القدرة على تنفيذه.

 

فالقرار السياسي والعسكري قرار جسيم، وهو نتاج العقلية السياسية لرجل الحكم وبطانته. والأصل في عملية صنع القرار أن يُقرأ الواقع بدقة متناهية، مع دراسة كافة ردود الأفعال السياسية والعسكرية للأطراف الأخرى، وتقدير أثر تنفيذ القرار أو تداعيات الإخفاق فيه. إن حصر تفكير الحاكم في أثر القرار على مستقبله الانتخابي أو حزبه فقط يُعد طامة كبرى وانحداراً في الفكر السياسي؛ إذ الأصل هو بحث أثر القرار على الكيان السياسي للدولة ككل.

 

لقد أشارت الجزيرة في مقال بعنوان "العملاق الأمريكي في لحظة السقوط" إلى أن: "نقاش المفكرين امتد إلى مآلات ومستقبل القوة الأمريكية - الركيزة الرئيسية لقوة الغرب - وآفاق أفولها أو استمرارها، بناءً على تحليل عوامل القوة ومصادرها، ومسارات تآكلها وتدهورها".

 

إن الإشكالية لا تكمن في شخص ترامب فحسب، بل في المنظومة الغربية برمتها التي فقدت التربة الخصبة لإنبات السياسيين القادة، حتى اعتلى سدة الحكم فيها من يفتقرون إلى الكفاية السياسية. والسبب الجذري لهذه المعضلة هو غياب المبدأ السياسي الذي أدى إلى عقم في القيادة.

 

فأين نحن من زمن الآباء المؤسسين الذين نقلوا أمريكا من مجرد مشروع دولة إلى دولة عظمى تهيمن على العالم، والذين استطاعوا منافسة وإزاحة قوى كبرى كبريطانيا وفرنسا في ذلك الوقت؟ وهذا الحديث ليس غزلاً فيهم، بل هو قراءة واقعية للتاريخ. وأين بريطانيا التي افتقدت أمثال تشرشل؟ وفرنسا التي غاب عنها ديغول؟ وألمانيا التي فقدت بسمارك؟ لم تعد تلك الدول تنجب قادة سياسيين، بل تصدّر المشهد من يمكن وصفهم بسقط المتاع.

 

هذه النظرة أكدها مفكرون غربيون؛ فقد حذر الكاتب الأمريكي البارز توماس فريدمان في مقال لنيويورك تايمز من أن ولاية ترامب الثانية (في حال حدوثها) لن تحقق نجاحاً، مرجعاً ذلك لنقاط منها:

 

1- سياسات ترامب تفتقر إلى التماسك، ومدفوعة بمظالم شخصية وسعي للانتقام.

 

2- غياب الرؤية المتماسكة لمجريات الأمور في العالم المعاصر.

 

إن أثر السياسات الحالية لا ينبغي أن يُختزل في شخص ترامب أو زمرته، فهذه سطحية قاتلة؛ بل يجب بحث أثرها على مكانة الدولة الاستراتيجية. إن كون الدولة العظمى اليوم تدار بعقلية تنظر إلى المصالح الضيقة لا إلى الرؤى الكلية، يدل على أن سفينة أمريكا تتجه نحو منحدر خطر وتبحر بين الصخور، بسبب سياسة رعناء وعقلية مهووسة بجنون العظمة.

 

وفي مقال استشرافي نشره ألفريد ماكوي عام 2010، قال: "إن زوال الولايات المتحدة كقوة عظمى قد يأتي بسرعة أكبر مما يتصوره أي شخص.. وبحلول عام 2025 قد ينتهي كل شيء".

 

ثم عاد في كانون الثاني/يناير 2024 ليؤكد أن أربع سنوات أخرى من دبلوماسية ترامب (أمريكا أولاً) ستدمر ما تبقى من القوة العالمية المتدهورة للبلاد.

 

ختاماً: إن الدول التي تفتقر للمبادئ الراسخة يصدق عليها وصف ابن خلدون رحمه الله الذي حدد أطوار الدولة بخمسة أطوار تمر عبر ثلاثة أجيال: جيل البناء، ثم جيل التقليد، وصولاً إلى الجيل الهادم. فالدولة لها أعمار طبيعية كما للأشخاص، ويبدو أن أمريكا تعيش اليوم مرحلة الهدم بإذن الله.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حسن حمدان

 

وسائط

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.