Logo
طباعة
حين تتحول الذكرى إلى اختبار: ماذا بقي من مسار الثورة؟

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

حين تتحول الذكرى إلى اختبار: ماذا بقي من مسار الثورة؟

 

 

الخبر:

 

أعلنت المؤسسة السورية للبريد إصدار أول طابع بريدي تذكاري بمناسبة الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، في خطوة تُدرج ضمن برنامجها السنوي الهادف إلى توثيق المحطات المفصلية في تاريخ البلاد.

 

ويحمل هذا الإصدار دلالة رمزية تتصل بحدث شكّل نقطة تحول عميقة في المشهد السوري، منذ انطلاق الاحتجاجات الأولى التي رفعت شعارات الحرية والكرامة.

 

وأوضحت المؤسسة أن الطابع سيكون متاحاً للبيع اعتباراً من يوم الثلاثاء 24 آذار/مارس 2026، عبر مكاتب البريد المنتشرة في مختلف المحافظات.

 

التعليق:

 

منذ اللحظة الأولى لانطلاق الثورة، لم تكن مطالبها عابرة أو منخفضة السقف، بل جاءت مرتفعة في سياقها السياسي، حتى في صيغتها التي وُصفت آنذاك بـ"الإصلاحية". فالمطالبة بالمحاسبة داخل بنية دولة بوليسية راسخة لم تكن مطلباً جزئياً، بل شكلت تحدياً مباشراً لمنظومة حكم قائمة على الإغلاق والقمع.

 

تدرّجت المطالب لاحقاً، ليس بوصفها قفزات اعتباطية، بل نتيجة طبيعية لتعنت النظام ورفضه الاستجابة لأي من الطروحات الأولية. ومع تصاعد العنف، ارتبط كل تطور في الخطاب السياسي بكلفة دموية أعلى، ما رسّخ حالة من الإصرار المتزايد ورفع منسوب التمسك بالأهداف النهائية.

 

في هذا السياق، لم تكن المواجهة مع الثورة طارئة أو مرتبطة بمرحلة معينة، بل بدأت منذ انطلاقتها الأولى، وتكثفت مع تحول خطابها وتبلور هويتها. استخدمت في مواجهتها أدوات متعددة، سياسية وإعلامية وعسكرية، في محاولة لتفكيكها أو احتوائها أو إعادة تشكيلها بما يتوافق مع القوى الدولية.

 

ورغم ذلك، بقي العامل الحاسم في استمرارية الثورة هو البيئة الحاضنة، التي تعرضت على مدى سنوات لمحاولات منهجية لإضعاف دورها. إلا أن هذه الحاضنة أثبتت في محطات مفصلية قدرتها على إعادة التوازن، والحفاظ على استمرارية الفعل الثوري، بما منع انهياره الكامل رغم الضغوط.

 

اليوم، ومع الذكرى الخامسة عشرة، لا تبدو المسألة مجرد استحضار حدث تاريخي، بل إعادة طرح للأسئلة الجوهرية المرتبطة بمآلات الثورة واتجاهاتها. فالتاريخ لا يُستعاد بوصفه سرداً، بل كأداة تقييم: ماذا تغيّر، وما الذي بقي ثابتاً، وأي مسار يتشكل في ضوء التضحيات التي قُدمت؟

 

الذكرى، بهذا المعنى، ليست محطة احتفالية بقدر ما هي لحظة تدقيق سياسي، تعيد رسم الخط الفاصل بين المسارات المتباينة، وتضع الروايات المختلفة أمام اختبار الواقع والنتائج.

 

وفي هذا الإطار، لا يمكن التعامل مع الذكرى بوصفها مجرد استرجاع عاطفي، بل باعتبارها معياراً لقياس الانحراف أو الالتزام بالمسار الأصلي. فالثورات التي تفقد بوصلتها تتحول تدريجياً إلى أدوات ضمن مشاريع الآخرين، بينما تلك التي تحافظ على وضوح غاياتها تعيد إنتاج نفسها حتى في أشد لحظات التراجع. وعليه، فإن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في استذكار البدايات، بل في منع إعادة تعريفها خارج السياق الذي تشكّلت فيه، بما يضمن أن تبقى التضحيات ضمن مسارها الطبيعي، لا مادة لإعادة التوظيف السياسي.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبدو الدلّي

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية سوريا

 

وسائط

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.