Logo
طباعة
باكستان وتركيا: المرحلة التالية في إعادة رسم ملامح البلاد الإسلامية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

باكستان وتركيا: المرحلة التالية في إعادة رسم ملامح البلاد الإسلامية

(مترجم)

 

 

الخبر:

 

صنّفت أمريكا باكستان كحليف رئيسي من خارج حلف الناتو عام 2004، لكن التوترات تصاعدت مرةً أخرى بعد أن وصفت تولسي غابارد باكستان بأنها تهديد صاروخي محتمل في المستقبل، في تقرير استخباراتي صدر عام 2026، على الرغم من أنها لا تزال حليفاً إقليمياً رئيسياً يمتلك قدرات نووية.

 

التعليق:

 

إن تصنيف تولسي غابارد لباكستان مؤخراً على أنها "تهديد صاروخي ناشئ" ليس تصريحاً معزولاً، بل هو مؤشر واضح على مسار جيوسياسي أوسع. يجب فهم ضغط كيان يهود المتزايد على تركيا في هذا السياق. فما يحدث اليوم ليس حادثاً عابراً، بل استمرار لاتجاهٍ يتطور منذ عقود: إعادة رسم ملامح البلاد الإسلامية من خلال تفتيت الدول القائمة وإضعافها.

 

صُممت البنى الاستعمارية التي شكلت الحدود والأنظمة السياسية الحالية في البلاد الإسلامية لعصرٍ مختلف: عصر كانت فيه الهيمنة المباشرة هي الأساس. اليوم، تغير هذا الشكل، لكن الهدف لا يزال كما هو. الاستراتيجية بسيطة: زيادة تقسيم البلاد الإسلامية وإضعافها حتى لا تتمكن من تنمية إمكاناتها أو الظهور كقوى مستقلة في المستقبل. ويتجلى هذا في العراق، حيث تمزقت الدولة على أسس داخلية؛ وفي سوريا، التي تحولت إلى ساحة صراع للمصالح الخارجية؛ وفي السودان، الذي انقسم ولا يزال يعاني من عدم الاستقرار. في الوقت نفسه، تتعرض إيران لضغوط مستمرة منذ سنوات، مع محاولات علنية لزعزعة استقرارها الداخلي.

 

وفي ظل هذا النمط المتواصل، بدأت تظهر أهداف جديدة. لا تُتهم باكستان بناءً على أفعالها الحالية، بل على إمكاناتها وما يمكن أن تصبح عليه في المستقبل. ومن الأمثلة البارزة على ذلك تصريح بايدن في تشرين الأول/أكتوبر 2022، بعد فترة وجيزة من إقالة رئيس الوزراء عمران خان: "ربما تكون باكستان من أخطر دول العالم. أسلحة نووية بدون أي تماسك". وبهذا، سلط بايدن الضوء على الخطر المُتصوَّر للترسانة النووية الباكستانية في ظل عدم الاستقرار السياسي وانعدام التماسك المركزي، مُشيراً ضمنياً إلى الحاجة المُلِحّة للنفوذ الأمريكي للحفاظ على السيطرة على هذا الخطر. وبعد ذلك بوقت قصير، أوضحت وزارة الخارجية الأمريكية هذا الأمر بقولها: "الولايات المتحدة واثقة من التزام باكستان وقدرتها على تأمين أصولها النووية. لطالما اعتبرت الولايات المتحدة باكستان آمنة ومزدهرة أمراً بالغ الأهمية لمصالحها". يعكس هذا بوضوح أهمية باكستان بالنسبة لأمريكا، تحديداً لأن قدراتها النووية تُمثل خطراً محتملاً إن لم تُحكم السيطرة عليها: وهو نمط متجذر في مخاوف أوسع نطاقاً بشأن الانتشار النووي وعدم الاستقرار.

 

وتندرج تركيا أيضاً ضمن هذا الإطار، كونها بلداً إسلامياً لديه القدرة على اتباع مسار مستقل. وبينما انحازت كلتا الدولتين حتى الآن لأجندات أمريكا، فإن أمريكا تنظر إليهما في الوقت نفسه بعين الريبة نظراً لإمكانية الإسلام كقوة موحدة، فضلاً عن قدراتهما العسكرية وثقلهما الاستراتيجي.

 

لا يمكن فصل هذه التطورات عن دور كيان يهود في المنطقة. فبصفته قوة نووية، لكيان يهود مصلحة راسخة في ضمان عدم تطور أي دولة مجاورة إلى قوة مضادة قوية ومستقلة. وتُشكل البلاد الإسلامية المُجزأة والضعيفة أساساً للحفاظ على هذه الهيمنة. ويتماشى هذا بشكل مباشر مع مصالح أمريكا الاستراتيجية، التي تُصاغ فيها الديناميكيات الإقليمية لمنع صعود قوى قوية ومستقلة.

 

نشهد كل هذا ويتكشف أمام أعيننا. والسؤال المُلح الآن هو: هل سنقف مكتوفي الأيدي بينما تواصل أمريكا تقسيم بلادنا وإضعافها بنيوياً، أم سنتحرر من هذه القيود؟ إن السبيل الوحيد للمضي قدماً هو توحيد البلاد الإسلامية تحت قيادة واحدة موالية للإسلام والمسلمين، وتدافع عن مصالحهم الجماعية دون أي تنازلات للقوى الخارجية التي تُديم التفتيت.

 

يُمثل النظام السياسي الحالي جوهر المشكلة: فالتقسيم إلى دول قومية علمانية منفصلة لم يُحقق القوة، بل زاد من الانقسام والضعف. ويُمكّن هذا الهيكل من الضغط على الدول واحدة تلو الأخرى، دون أي مقاومة موحدة. طالما لم يُعترف بهذا الواقع ويُكسر، ستستمر دوامة التشرذم. باكستان وتركيا ليستا استثناءً، بل هما حلقتان جديدتان في عملية تتكشف منذ عقود. من يشاهد اليوم سيصبح الضحية التالية غداً. فقط من خلال إدراك هذا التوجه، ورفضه، والعمل الجادّ على توحيد البلاد الإسلامية تحت قيادة خليفة، نستطيع منع المزيد من التفكك والضعف البنيوي.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أوكاي بالا

الممثل الإعلامي لحزب التحرير في هولندا

 

وسائط

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.