Logo
طباعة
إيران في مواجهة أمريكا وكيان يهود  حرب مصيرية بين مشروعين عالميين؛ مشروع الشرق الأوسط الجديد ومشروع ولاية الفقيه

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

إيران في مواجهة أمريكا وكيان يهود

حرب مصيرية بين مشروعين عالميين؛ مشروع الشرق الأوسط الجديد ومشروع ولاية الفقيه

 

 

الخبر:

 

انفجرت حرب أمريكا وكيان يهود على إيران في 28 شباط 2026 بهجوم كبير، وظهر بعد ذلك من قوة إيران وإمكاناتها الصاروخية ما لم يتوقعه مهاجموها، حيث ردت بقوة على كيان يهود والقواعد الأمريكية في المنطقة وعلى حاملات طائراتها. وقد ظهر حتى الآن تفوق متزايد لإيران، حيث فرضت نفوذها على مضيق هرمز وهي تهدد بالمزيد، وتنتشر قناعة على مستوى العالم بعجز أمريكا وربيبها وتورطهما، فأمريكا تستجدي العون من حلفائها التاريخيين، وحتى من خصومها لوقف الحرب خشيةً على نفوذها في المنطقة، ومكانتها الدولية.

 

التعليق:

 

رغم تبجحات وأكاذيب ترامب التي لم تعد خافيةً على أحد، وما في هذه الحرب من قتل وتدمير في إيران، فما حصل فيها حتى الآن هو لصالح إيران. والدلالة على ذلك أن أمريكا، الدولة الأقوى في العالم، ومعها جيش يهود الذي اعتاد على أن يصول بطائراته ويجول بجنوده في المنطقة وما حولها، ليقتل ويدمر ويفعل ما يريد، يفشلان في تحقيق أي شيء من أهدافهما. بل إن أمن كيان يهود صار في خبر كان ووجوده محل بحث، وأمريكا يتقلص نفوذها، ومضيق هرمز عنوان كبير على هذا الأمر في المنطقة والعالم. وسيزداد هذا التقلص إذا قامت إيران بفرض سياستها على مضيق باب المندب. وإذا استمر سير الحرب كما هو عليه، فسيزداد تذمر عملاء أمريكا وأصدقائها منها، الأمر الذي سيزعزع مكانتها الدولية.

 

لقد كانت أمريكا قبل مغامرتها بهذه الحرب في مأزق شديد، بسبب فشلها في كل القضايا التي باشرها ترامب، وتجمدت استراتيجيتها للمنطقة بسبب عناد إيران ومواجهتها لمشروع أمريكا وكيان يهود المسمى الشرق الأوسط الجديد، الذي يقضي بهيمنة أمريكية حصرية على المنطقة. وجديده هو أن هذه الهيمنة ستكون إمبراطوريةً تقارب الاستعباد، وسيكون كيان يهود فيها هو شرطي المنطقة والحاكم فيها بأمر أمريكا. وقد كان عناد إيران ضد هذا المشروع حاسماً مهما كلفها، لأنها تدرك أنه يحوِّلها إلى دولةٍ تابعة، فضلاً عن أنه يقضي على مشروعها السياسي في بسط سلطة حكومة (إسلامية)، منبثقة عن فكرة ولاية الفقيه التي كانت تُعِدُّ لها خلال نصف قرنٍ مضى، فتبني ترسانتها العسكرية، وتوسع نفوذها في محيطها القريب والبعيد. وتستفيد لأجل ذلك من كل فرصةٍ تُراكم فيها إمكاناتها، ولو كان ثمن ذلك حفظ مصالح أمريكا وتنفيذ سياساتها.

 

ولذلك، واجهت إيران مشروع أمريكا بقوة منذ العام 2018، عندما بدأ ترامب محاولات تنفيذه. وكانت تحاول أن تقنع أمريكا باستمرار علاقة الخدمة وحفظ المصالح تحت الطاولة. وهو ما رفضته أمريكا لأكثر من سبب، منها انتشار الإسلام السياسي الذي استعصى على الاستتباع والتطويع على مدى عقود، حتى صار يشكل خطراً على نفوذها قد ينفجر في أي لحظة. فالخلاف الاستراتيجي بين أمريكا وإيران بدأ عام 2018، وتفاقم حتى صار صراعاً غير قابل للحل مهما تأجل، لأنه صراعٌ بين مشروعين مصيريَّين: مشروع الشرق الأوسط الجديد الأمريكي، ومشروع ولاية الفقيه الإيراني. فانفجر حرباً لا يتنازل أيٌ من أطرافها عن أهدافه فيها، إلا بانكسار تاريخي، يتغير بعده نظام المنطقة ثم الموقف الدولي والنظام العالمي لصالح المنتصر.

 

فإذا انتصرت أمريكا وربيبها - لا سمح الله - فالراجح فرض مشروع الشرق الأوسط الجديد، والقيام بحرب شعواء وحاقدة على المسلمين، وتنفيذ استراتيجيات شرك وفجور وتجهيل عليهم، برضا الغرب والكفر كله، ينفذها كيان يهود. وستكون فرصة لأمريكا لاستعادة وتكريس تفوقها على المنافسين الصيني والروسي.

 

أما إذا استمرت وقائع الحرب كما هي جارية منذ شهر، فالمتوقع انحلال قبضة أمريكا وتقلص نفوذها على المنطقة تدريجياً لصالح إيران وتركيا، اللتين ستؤهلهما أحجامهما وإمكاناتهما والخصائص الجيوسياسية للمنطقة للصعود إلى مصاف الدول الكبرى. وسيكون مصير كيان يهود التضاؤل واليأس ثم الزوال. وستترك أمريكا فراغاً عالمياً تملؤه أقطاب أخرى في مقدمتها روسيا والصين اللتان تتطلعان إلى هذا الأمر. فالفراغ في المنطقة تملؤه إيران وتركيا، ويعلم الله ماذا قد يكون بينهما من تعاون أو تنازع. والفراغ العالمي تملؤه الصين وروسيا.

 

وبناء على ما تقدم، فإن هذه الحرب مصيرية ووجودية. مصيرية بالنسبة لإيران وأمريكا، ووجودية بالنسبة لكيان يهود. وهي بالتالي مصيرية بالنسبة للمنطقة وللمسلمين. ومصلحة الإسلام والمسلمين هي بلا شك في هزيمة أمريكا ويهود، واندحارِ النفوذ الغربي واستئصاله من بلاد المسلمين. ومع أن الوضع المستجد في هذه الحالة، ستكون فيه مخاوف ومحاذير، لأن أنظمة كإيران وتركيا ليست هي الوضع المأمون للمسلمين، ولا المنشود في الإسلام. ولأن روسيا والصين تحاربان الإسلام أيضاً كالدول الغربية، مع ذلك، فإن أخطار هذه الدول أقل بكثير من كيان يهود في قلب البلاد الإسلامية، ومن أمريكا والدول الغربية الخبيرة ببلاد المسلمين ومواطن قوتهم وضعفهم، والمتجذرة في بلاد المسلمين ومجتمعاتهم، بما له في بلادهم من عملاء ومؤسسات سياسية وعلمية وثقافية وإعلامية وعسكرية، ومنظمات لا تُحصى.

 

وثمة نقاطٌ ثلاث أختم بها:

 

الأولى: هي أنه لا يجوز لمسلم أن يقول إننا لا دخل لنا بهذه الحرب، ويتذرع بأنها حرب بين ظالمين، لكلٍ منهم تاريخه في سفك الدماء وانتهاك الحرمات والإجرام. وذلك لأنها حربٌ بين مسلمين وكفار معتدين. وقد تبين أن مآلاتها كارثية على المسلمين إذا انتصر الكفار. وإيجابية للمسلمين كافة إذا انتصرت إيران كما تقدم. فلا يمكن لمسلم عنده مسكة عقل أو نظر سياسي أن يقول لا دخل لنا.

 

والثانية: هي التنبيه إلى أن نتائج الحروب ليست بيد أحد من الناس، مهما كان عالماً بإعداداتها ومجرياتها. فالمجريات تتغير والنتائج بيد الله سبحانه وعلمه وحده. لذلك، يجب على المسلمين الدعوة والعمل لزيادة أسباب النصر.

 

والثالثة: هي أن كل من يتطلع لتحرير الأمة واستعادة سلطان الإسلام، ينبغي أن ينظر في النتائج التي يمكن أن تؤدي إليها هذه الحرب، لأجل وضع استراتيجية وخطط تساهم في تحقيق مصالح المسلمين، كانتصارهم واندحار الكفار، وكتشجيع التعاون والوحدة بين المسلمين. ولأجل تلافي ما فيه ضرر كانتصار الكفار، وإجهاض ما يخطط له الأعداء من صراعات بين السنّة والشيعة مثلاً، أو بين تركيا وإيران. وهكذا يكون العمل السياسي.

 

﴿وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

الدكتور محمود عبد الهادي

 

وسائط

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.