- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
خديعة الـ8000 جنيه: بين ترقيعات الرأسمالية وجذور الحل الإسلامي
الخبر:
أعلن رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، يوم الأربعاء، عن حزمة قرارات اقتصادية وإدارية جديدة، شملت زيادة بند الأجور في موازنة العام المالي المقبل بنسبة 21%، مع رفع الحد الأدنى للأجور ليصل إلى 8000 جنيه اعتباراً من تموز/يوليو 2026. (العربية)
التعليق:
تخيّل عالماً يبيعك الوهم في حزمةٍ براقة، ويَعِدُك بالرخاء وهو يسلبك ثمنَ رغيفك بيده الأخرى؛ هذا هو تماماً لسانُ حال منظومة الترقيع التي تطلّ علينا اليوم بخبرِ زيادة الحدِّ الأدنى للأجور ليصل إلى ثمانيةِ آلافِ جنيه. إنّها خديعةُ الأرقام التي تبرق في العناوين لتخفي وراءها حقيقةً مُرّة: أنّ الجنيهَ الذي زاد في جيبك قد فقدَ روحه وقيمتَه قبل أن تلمسه يداك. وبينما يحتفل الإعلام بهذا "الإنجاز"، يراقب الناس بأسى كيف يسبق الغلاءُ الراتبَ بخطواتٍ واسعة، وكيف يلتهم التضخّمُ المسعورُ وسعرُ الصرف المتهاوي كلَّ أملٍ في حياةٍ كريمة، ليتحوّل المشهدُ من رفعٍ للأجور إلى مطاردةٍ يائسة لسرابٍ لا يُسمنُ ولا يُغني من جوع.
هذه ليست أزمةَ أرقامٍ عابرة ولا سوءَ إدارةٍ مؤقّتاً، بل هي النتيجةُ الحتميةُ لنظامٍ رأسماليٍّ ماديٍّ يعتاش على جراح الشعوب، نظامٍ يُقدّس المؤشراتِ الصمّاء ويُهمل كرامةَ الإنسان. لقد تخلّت الدولةُ في ظلّ هذا النظام التابع عن دورها كراعيةٍ حقيقية، وتحولت إلى سمسارٍ يحاول التوفيق بين إملاءات الصناديق الدولية وصراخِ الجوعى بمسكّناتٍ تزيد الألمَ ولا تعالجه. إنهم يرفعون الأجرَ باليمين، ثم يسلبونها باليسار؛ ليعود المالُ إلى خزائنهم من جديد، مخلفين وراءهم شعباً يركض في ساقيةٍ لا تنتهي، محاصَراً بآفة الفساد التي تنخر في عظامه، وضياعِ الاستقلالِ الاقتصادي والسياسي الذي جعلَ قرارَنا رهينةً للخارج.
ولكن، هل هذا هو القدرُ المحتوم؟ إنّ النظرَ بعين العقيدة والوعي يكشف أنّ الحلَّ لا يكمن في تجميل القبيح أو ترقيع المهترئ، بل في الانعتاق الكامل من هذه المنظومة الفاشلة والعودةِ إلى نبعنا الصافي. ففي ظلِّ نظام الإسلام، لا يُترك الإنسانُ نهباً لتقلّبات الورق الذي لا قيمة له، بل يُربط كسبُه بالذهب والفضة اللذين يحفظان قيمةَ عرقِ الجبين عبر العصور، فالدولة في الإسلام ليست جابيَ ضرائب، بل راعية شؤون تضمن إشباعَ الحاجاتِ الأساسية من مأكلٍ وملبسٍ ومسكنٍ لكل فرد، وتجعل التعليمَ والصحةَ والأمنَ حقوقاً مجانية تتدفق من بيت المال، لا سلعاً تُباع وتُشترى في سوقِ النخاسة الرأسماليّ.
إنّ السياسةَ الاقتصاديةَ في الإسلام تنبثق من رؤيةٍ ربانية تجعل توزيع الثروة وتمكينَ الرعيةِ من حيازتِها والانتفاع بالمرافق العامة هو الأصلَ، لا مجردَ أرقامِ نموٍّ تذهب إلى جيوبِ قلّةٍ من المنتفعين. إننا اليوم على مفترقِ طرقٍ تاريخي؛ فإمّا الاستمرارُ في قبول فتات الترقيع والعيشُ تحت وطأةِ التبعية والفساد، وإمّا الانطلاقُ بكلِّ قوةٍ نحو التغييرِ الشاملِ والجذريّ. إنّها دعوةٌ لاستعادةِ كرامةِ الأمة عبر نظامٍ منبثقٍ من عقيدتها، يقتلع جذورَ الظلم والتبعية، ويقيم صرحَ العدل في دولةِ الخلافة على منهاج النبوة؛ فهي وحدها القادرةُ على تحطيمِ قيودِ الفقر وإعادةِ بوصلةِ الاقتصادِ لخدمة الإنسان، ليكون الأجرُ كفايةً ورفاهيةً، لا مجرد رقمٍ يذوب في مهبِّ ريحِ التضخّم.
إنّ الفجرَ لا يبزغُ إلا لمن يقرّر هدمَ جدران الظلام، وقد حان الوقتُ ليكون العملُ للتغيير هو البوصلةَ والهدف، التغيير نحو قلع الأنظمة الوضعية من جذورها وإقامة الخلافة على منهاج النبوة على أنقاضها، عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ؛ فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» متفق عليه.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
سعيد فضل
عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر