Logo
طباعة
أزمة العالم الحديث

بسم الله الرحمن الرحيم

 

أزمة العالم الحديث

(مترجم)

 

 

الخبر:

 

في منطقة سيفريك التركية، أطلق طالب سابق يبلغ من العمر 19 عاماً النار عشوائياً على مدرسة ببندقية صيد. وقد أسفر الهجوم عن إصابة 16 شخصاً، وانتحر المهاجم في مكان الحادث. وبعد يوم واحد من هذا الحادث، في مدينة كهرمان مرعش، أسفر هجوم على مدرسة نفذه طالب في الصف الثامن يبلغ من العمر 14 عاماً، عن مقتل 10 أشخاص وإصابة 12 آخرين. وقد أُلقي القبض على المهاجم وقُتل.

 

التعليق:

 

أدت أعمال العنف الأخيرة، التي امتدت حتى إلى المؤسسات التعليمية في منطقة سيفريك في محافظة شانلي أورفا وفي كهرمان مرعش، إلى جراح عميقة في مشاعر المجتمع. هذه الهجمات، التي استهدفت الطلاب والمعلمين، ليست مجرد حوادث معزولة تتعلق بالنظام العام، بل هي مظاهر ملموسة لفساد وتدهور مجتمعي يتفاقمان منذ زمن طويل من الداخل. هذه الصورة القاتمة تجبرنا على مواجهة سؤال جوهري: لماذا تُجرّ الإنسانية إلى هذا المستوى من الانهيار القيمي؟

 

يكمن أصل هذا التدهور المجتمعي والانحلال الأخلاقي، الذي لا يقتصر على تركيا فحسب بل يمتد إلى العالم أجمع، في إزاحة القيم الإسلامية وخشية الله من مركز الحياة واستبدال فهم مادي بحت بها. فعندما يسجن النظام الرأسمالي العلماني الإنسان في دوامة من المال والربا والسلطة والملذات، نواجه ما نسميه التدهور المجتمعي: استنزاف القيم. فبالنسبة لمن استُنزفت قيمه، يفقد الصواب والخطأ، والخير والشر، أي أهمية عنده.

 

إن نظام التعليم والقانون العلماني، بعد تجريده من القيم الإسلامية، يقع في فخ الاعتقاد الخاطئ بأن الجريمة لا يمكن منعها إلا بالعقوبات الجزائية، وأن مكافحة المجرمين لا تتم إلا من خلال نهج أمني، بينما يُغفل جوهر المشكلة الحقيقية، ألا وهو مكافحة الجريمة نفسها.

 

تتحقق مكافحة الجريمة من خلال الإيمان، والأفكار والآراء الصحيحة، والأخلاق الحميدة، واستبدال أحكام الله التي تُصلح العلاقات المجتمعية بالقوانين التي تضر بها، والقضاء على الأسباب التي تدفع الناس إلى ارتكاب الجرائم، وتطبيق آليات وقائية قبل وقوعها.

 

ما يمنع الإنسان من ارتكاب الشر في مكان لا يراه فيه أحد هو خشية الله والشعور بالمسؤولية في قلبه. وكما جاء في القرآن الكريم: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً﴾، فعندما يبتعد المجتمع عن حدود الله، يجد نفسه في قاع الضلال، بلا أي قيمة أو قاعدة، نتيجةً لمفهوم الحرية الذي يقدمه العالم الحديث. ولا ننسى أن الإنسان يتقدم من خلال فكرة الالتزام بالقواعد. فالفوضى تؤدي إلى التخلف. وقد أنزل رب العالمين الأحكام الشرعية ليرفع البشرية التي تتخلف بسبب الفوضى إلى حياة كريمة. ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾.

 

إن أقوى رابط يجمع النسيج المجتمعي هو المحبة والاحترام المتبادلان، ومبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. إلا أن هذه القيم قد تآكلت اليوم تحت تأثير نمط الحياة العلماني، وبلغت النزعة الفردية ذروتها.

 

في النظام التعليمي، يُقدّم التركيز على الأخلاق والسلوك القويم على المعرفة التقنية، وفي القانون، يُختزل العدل في مجرد الامتثال للقوانين مع إهمال الصدق والعدل، ما يُسرّع من تدهور المجتمع. إن عزل القيم الإسلامية عن الحياة اليومية يُمهّد الطريق للانهيار المجتمعي والأزمات.

 

هذه الأحداث المؤلمة هي بمثابة تحذير. بإمكاننا حماية مدارسنا ليس بأجهزة الكشف عن المعادن أو الإجراءات الأمنية، بل بغرس حب الله في قلوب الأطفال وإدراكهم أنهم سيُحاسبون أمامه. إنّ الترياق للعنف والفساد ليس في الحياة المتمحورة حول الملذات التي تفرضها الحداثة، بل في حياة الصراط المستقيم الذي يرشدنا إليه الإسلام.

 

وختاماً، لا سبيل لتجاوز هذه الأزمة التي تمر بها تركيا والعالم إلا من خلال بناء مجتمعي متوافق مع الوحي ونظام إسلامي قائم على خشية الله. فالخلاص يكمن في عيش حياة تتوافق مع الغاية التي خُلقنا من أجلها.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

رمزي عزيز

 

وسائط

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.