Logo
طباعة
تركيا والجزائر: قوى صاعدة تستثمر في العاطفة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

تركيا والجزائر: قوى صاعدة تستثمر في العاطفة

 

 

الخبر:

 

قال الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، إن علاقات بلاده مع تركيا تشهد ديناميكية متزايدة تدعو للارتياح. جاء ذلك خلال مؤتمر صحفي عقده مع الرئيس التركي أردوغان، عقب توقيع اتفاقيات تلت اجتماع المجلس التنسيقي الجزائري التركي بالعاصمة أنقرة.

 

وأوضح تبون، أن علاقات الجزائر مع تركيا تشهد ديناميكية متزايدة تدعو إلى الارتياح، وتثمين الخطوات التي قطعها البلدان للوصول إلى هذا المستوى، "الذي نسعى عبر زيارتنا هذه إلى تعزيزه بتنويع التعاون الاقتصادي". وأضاف أن هذه الزيارة تستهدف أيضا "توسيع مجالات الشراكة لقطاعات الطاقات المتجددة، الزراعة، الصناعة والمناجم، ودعم التعاون الثنائي في المجالات الثقافية والإنسانية، وتثمين تراثنا التاريخي والحضاري المشترك". (الأناضول في 2026/05/07)

 

التعليق:

 

في ظاهر هذا الخطاب، تبدو المفردات المستخدمة من الديناميكية المتزايدة إلى التراث التاريخي والحضاري المشترك كأنها إعلان عن تقارب يتجاوز السياسة نحو فضاء أوسع من الانتماء الرمزي يستدعي في خلفيته بعض ملامح الذاكرة الإسلامية المرتبطة بالإرث العثماني. غير أن القراءة المتأنية داخل منطق العلاقات الدولية تكشف أن هذا المستوى من اللغة لا يتجاوز كونه غطاءً بلاغياً ضرورياً لتسويق تقارب تحكمه في العمق اعتبارات مادية صلبة، تتعلق بالاقتصاد والطاقة وإعادة التموضع داخل نظام دولي مضطرب يتجه نحو إعادة توزيع النفوذ لا نحو إعادة إحياء الهويات.

 

فالعلاقات بين الجزائر وتركيا، رغم ما يُضفى عليها من إشارات حضارية، تتحرك في الواقع داخل منطق مختلف تماماً: منطق الاقتصاد السياسي العالمي، حيث تحدد موازين القوى وفق قواعد السوق، وسلاسل الإمداد، والتحالفات البراغماتية، لا وفق استدعاء رموز تاريخية أو وحدات حضارية مفترضة. فالدولة الحديثة، سواء في الجزائر أم في تركيا، هي دولة علمانية بامتياز، تتحرك داخل نظام رأسمالي عالمي متشابك، تفرضه مؤسسات مالية وتجارية وتكنولوجية تتجاوز إرادة المجتمعات والأفراد، وتضع حدوداً دقيقة لحرية الفعل السياسي والاستراتيجي.

 

ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى الإحالة المتكررة إلى العمق الحضاري المشترك بوصفها لغة رمزية تؤدي وظيفة سياسية مزدوجة: فهي من جهة تمنح الخطاب بعداً عاطفياً يسهّل تمرير الاتفاقات أمام الرأي العام، ومن جهة أخرى تستند إلى رصيد وجداني حقيقي لدى شعوب الأمة يتغذّى من الإحساس بالانتماء العقائدي والتاريخي ومن التفاعل القوي مع أحداث كبرى مثل ما يجري في غزة، وما يثيره ذلك من استدعاء مكثف لفكرة التضامن والهوية المشتركة في الوعي الجمعي.

 

ومع ذلك، فإن اللعب على وجدان الشعوب لا يعني أن العلاقات بينهما محكومة بالسطحية أو الشكل فقط. فالتقارب الجزائري التركي يعكس بالفعل تقاطع مصالح حقيقيا في مجالات الطاقة والصناعة والاستثمار، خصوصاً في سياق عالمي مضطرب، كما كشفت عنه أزمة مضيق هرمز، التي أعادت التأكيد على هشاشة أمن الطاقة العالمي، وعلى أهمية الدول المنتجة والممرات البديلة في إعادة تشكيل التوازنات الدولية. غير أن هذا التقاطع، مهما تعمّق، يبقى محكوماً بإطار النظام العالمي القائم، الذي لم يتغير جوهرياً رغم بوادر تعددية قطبية ناشئة.

 

أما ما يُسمى بالمرجع الحضاري أو المشترك التاريخي، فهو لا يتحول تلقائياً إلى مشروع سياسي فعال ما لم يُترجم إلى بنية قوة قابلة للتجسيد: اقتصاد متكامل، وصناعة مستقلة وفي مقدمتها الصناعات الثقيلة، وقرار سياسي موحد، وقدرة على إنتاج المعرفة والتكنولوجيا والدفاع. وبدون هذه العناصر، يبقى الخطاب الحضاري مجرد طبقة لغوية تزيينية فوق بنية علاقات تحكمها الضرورات الواقعية والأجندات الاستعمارية والمصالح الأطلسية لا الذاكرة الرمزية. وهنا يبقى أردوغان سيد العازفين على وتر العاطفة بلا منازع، حين قال ذات يوم: "نأمل في أن يحقق جنودنا في شرق المتوسط ملاحم بطولية كتلك التي حققها أمير البحارة العثمانيين خير الدين بربروس".

 

إن زمن التبعية المطلقة لمراكز الهيمنة قد بدأ يتراجع. فالجزائر بثقلها الطاقوي وموقعها الجيوسياسي في شمال أفريقيا والساحل، وتركيا بقدرتها الصناعية ونفوذها المتنامي في شرق المتوسط وأفريقيا، تملكان معاً عناصر تكامل يمكن أن تتجاوز منطق التبعية إلى منطق التأثير في السياسة الدولية وكسر الطوق المفروض على القوى الإقليمية الصاعدة. وإن البلاد الإسلامية بوصفها فضاءً جغرافياً وثقافياً واسعاً تمتلك بالفعل عناصر قوة كامنة: الموقع الجغرافي الحاكم لممرات الطاقة والتجارة، والثروات الطبيعية الهائلة، والكتلة السكانية الشابة، والامتداد الاستراتيجي بين ثلاث قارات. غير أن هذه العناصر تظل مجزأة وغير مفعّلة بالشكل الذي يحولها إلى قوة تاريخية مستقلة، بسبب غياب مشروع وحدوي استراتيجي وبديل حضاري يتجاوز حدود الدول القطرية التي ورثت تقسيمات الاستعمار الغربي.

 

ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في ترديد خطاب الوحدة أو استدعاء المشتركات الرمزية لدغدغة مشاعر الشعوب أثناء خدمة مصالح الاستعمار، بل في الانتقال إلى مستوى الفعل التاريخي القائم على استعادة عناصر القوة الفعلية في مشروع حضاري منظم، يجعل من البلاد الإسلامية فاعلاً لا هامشاً في التحولات الجارية. وهذا يتطلب إعادة بناء مفهوم القوة ذاته: من قوة مشتتة إلى قوة مركبة، ومن اعتماد خارجي إلى استقلال حقيقي، ومن استهلاك للنظام العالمي إلى قدرة على التأثير في تشكيله وإعادة صياغة التوازنات الدولية، وهذا لا يكون إلا بالعودة إلى العمق الاستراتيجي الذي يصنعه مبدأ الإسلام كإطار منظم وموحد للسياسات الخارجية وفاعل مؤثر في السياسات الدولية.

 

إن التحولات الراهنة في النظام الدولي، بما تحمله من تراجع للهيمنة الأحادية وبروز لفكرة تعدد مراكز القوة، تفتح نافذة تاريخية لا ينبغي إضاعتها وفرصة فريدة أمام أمة الإسلام. لكنها نافذة مشروطة بقدرة الشعوب والقادة على الانتقال من الخطاب إلى البناء، ومن الرمزية إلى التنظيم، ومن التمني إلى التخطيط الاستراتيجي.

 

وفي هذا السياق، فإن مستقبل البلاد الإسلامية، إذا أرادت أن تتجاوز موقعها الحالي على هامش التاريخ، لن يُبنى على مجرد استحضار الجسور الثقافية والروابط الحضارية، بل على مشروع نهضوي يعيد توظيف عناصر القوة المتاحة في إطار رؤية سياسية واقتصادية وحضارية متماسكة، قادرة على تحويل هذا الفضاء الواسع إلى كتلة تاريخية فاعلة دوليا، لا مجرد مجال نفوذ تتقاسمه القوى الأخرى. ولا يتأتى ذلك إلا في ظل الخلافة الراشدة على منهاج النبوة التي تفجر طاقات الأمة المعطلة وتفعلها في الاتجاه الصحيح.

 

فأين خطابات هؤلاء القادة من الإنجازات والملاحم البطولية التي حققها أمير البحارة العثمانيين خير الدين بربروس الذي بفضل دوره السياسي والعسكري أصبحت الجزائر جزءاً من المجال العثماني في شمال أفريقيا، بل أصبحت الخلافة العثمانية قوة بحرية ضاربة في البحر المتوسط تتحدى القوى الأطلسية؟

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المهندس وسام الأطرش

 

وسائط

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.