Logo
طباعة
العلاقات الأوزبيكية الفرنسية: مصالح خفية وراء الكواليس الدبلوماسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

العلاقات الأوزبيكية الفرنسية: مصالح خفية وراء الكواليس الدبلوماسية

 

 

الخبر:

 

استقبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مساعد رئيس أوزبيكستان، سعيدة ميرزياييفا. وتبادل الطرفان وجهات النظر حول العلاقات بين أوزبيكستان وفرنسا، والتعاون الثقافي والإنساني، بالإضافة إلى المشاريع المشتركة. (وسائل الإعلام)

 

التعليق:

 

ينبغي تقييم أي لقاء على الساحة الدولية ليس فقط من خلال البيانات الرسمية، بل وأيضاً من منظور السياسة الخارجية والمصالح الطويلة المدى للدول.

 

تعتبر فرنسا تاريخياً واحدة من أكبر الدول الاستعمارية في العالم، حيث استمر نفوذها السياسي والاقتصادي لعقود طويلة في أجزاء من أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا. وعلى الرغم من انتهاء الاستعمار الرسمي، إلا أن العديد من المحللين يشيرون إلى أن فرنسا لا تزال تسعى للحفاظ على نفوذها الاقتصادي والعسكري والسياسي في بعض الدول.

 

واليوم، لم يكن اهتمام فرنسا بآسيا الوسطى وليد الصدفة؛ فهذه المنطقة تتمتع بأهمية كبرى من حيث الموارد الطبيعية، والطاقة، واليورانيوم، واللوجستيات (الممرات الحيوية للنقل)، فضلاً عن موقعها الجيوسياسي. ولا سيما في منطقة يشتد فيها النفوذ الروسي والصيني، حيث تحاول الدول الأوروبية أيضاً توسيع نطاق وجودها. ونذكر هنا زيارة ماكرون إلى أوزبيكستان عام 2023، التي أظهرت بوضوح تزايد اهتمام فرنسا بآسيا الوسطى، وخاصة أوزبيكستان. وقد ناقشت الاجتماعات حينها قضايا الطاقة، واليورانيوم، والنقل، والتعليم، والاستثمار.

 

وفي قطاع اليورانيوم والطاقة، تُعد فرنسا واحدة من أكثر دول العالم اعتماداً على الطاقة النووية، حيث يتم توليد الجزء الأكبر من الكهرباء فيها عبر المحطات النووية. ولهذا السبب، فإن إمدادات اليورانيوم تكتسب أهمية استراتيجية قصوى بالنسبة لها.

 

وفي آذار/مارس 2026، أشار ماكرون إلى أوزبيكستان كواحدة من الدول الشريكة لتقليل اعتماد أوروبا على اليورانيوم الروسي. وصنف أوزبيكستان، إلى جانب كازاخستان ومنغوليا وكندا وأستراليا، كشريك مهم لأوروبا في تنويع إمدادات اليورانيوم. وهذا يوضح بطبيعة الحال أن مسألة اليورانيوم تحتل مكانة مركزية في اهتمام فرنسا بأوزبيكستان.

 

أما عن مشاركة الشركات الفرنسية في أوزبيكستان، فقد أكد رئيسا البلدين خلال زيارة الدولة عام 2025 أن الشركات الفرنسية الكبرى تعمل بنشاط في أوزبيكستان. ومن بينها شركات Orano وEDF وTotalEnergies وSUEZ وVeolia وVoltalia، والتي تتعاون في مجالات اليورانيوم والصناعة النووية، والطاقة، وإمدادات المياه، والبنية التحتية البلدية.

 

كما أُعلن أن محفظة المشاريع المشتركة تجاوزت 12 مليار يورو، في حين تضمنت برامج الاستثمار والابتكار الجديدة مشاريع بقيمة 6.5 مليار يورو.

 

وبناءً على هذه المؤشرات، فإن تعزيز العلاقات مع أوزبيكستان لا يقتصر بالنسبة للدول الأوروبية، بما فيها فرنسا، على الجوانب الثقافية أو الإنسانية، بل إنه يخدم في الوقت ذاته مصالحها السياسية والاقتصادية الخارجية.

 

ومع ذلك، لا يجب أن ننسى أن أحد أكبر الأوهام في الساحة السياسية العالمية اليوم هو التصور القائل بأن الاتحاد الأوروبي قوة سياسية متماسكة وموحدة، ولكن الواقع في الحقيقة مغاير تماماً.

 

ففي السنوات الأخيرة، أدت السياسة الخارجية الأمريكية المتقلبة، والبراغماتية الحادة أحياناً، إلى إدخال الدول الأوروبية في حالة من الذعر الشديد. وبدأ مفهوم "الضمانة الأمنية" يتلاشى تدريجياً، بينما أصبحت مسألة حلف الناتو والثقة العابرة للمحيط الأطلسي تُطرح علامات استفهام حولها مراراً وتكراراً.

 

ونتيجة لذلك، بات واضحاً أن الاتحاد الأوروبي ليس كتلة سياسية تتحدث بصوت واحد، بل هو مجموعة من الدول التي تتباين مصالحها فيما بينها. بل يصح القول إنه ساحة لصراع المصالح وليس اتحاداً. وكان خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بمثابة البداية لهذه العملية، إلا أن الهزة الرئيسية تظهر في ميل الدول الرائدة مثل فرنسا وألمانيا إلى اتخاذ قرارات منفردة في بعض القضايا الاستراتيجية. فماذا يعني هذا؟

 

هذا يعني أن وراء شعار المصلحة الأوروبية المشتركة، تضع كل دولة أمنها الطاقي، واستقرارها الاقتصادي، ونفوذها الجيوسياسي في المقام الأول. أي أن الاتحاد الأوروبي، وإن بدا موحداً من الخارج، فقد تحول داخلياً إلى ساحة مقسمة بناءً على المصالح، ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾.

 

والأهم من ذلك كله، طالما أن دول الاتحاد الأوروبي ليست مخلصة لاتحادها ذاته، فلن تأتي بأي خير أبداً لأوزبيكستان التي يشكل المسلمون 95% من سكانها. ومع ذلك، يجب أن تكون مصالح الشعب الأوزبيكي في مقدمة الأولويات في أي تعاون خارجي. ولا ينبغي أن تتم الاستثمارات الأجنبية، أو العلاقات الثقافية، أو الحوارات السياسية على حساب التضحية بالقيم الدينية والمصالح الاقتصادية لشعبنا.

 

لقد أثبت التاريخ مراراً وتكراراً أن الدول الاستعمارية تتحرك دائماً وفقاً لمصالحها الخاصة. ولذلك، لا ينبغي النظر إلى أي لقاءات أو اتفاقيات دولية كأخبار سارة مفروغ منها، بل يجب تقييمها بالسؤال التالي: ما الفائدة التي سيجلبها هذا للشعب الأوزبيكي؟ يقول الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾، تدل هذه الآية الكريمة على أن السياسة الخارجية مع دول الكفر لا تقوم أبداً على صداقة دائمة ومستقرة، بل إن الأولوية لديها هي تحقيق مصالحها الخاصة دائماً.

 

وليس سلوك فرنسا الحالي، بل وسلوك جميع الدول الأوروبية، بخارج عن هذه القاعدة. ورغم أنها تتحرك تحت مسمى الاتحاد أو الشراكة الاستراتيجية، إلا أنه من الواضح كالشمس في رابعة النهار أن كلا منها تختار طريقاً منفصلاً للحفاظ على طاقتها واقتصادها ونفوذها السياسي.

 

وفي الفكر السياسي الإسلامي، لا تُبنى العلاقات بين الدول على شعار التحالف، بل على أساس الحلال والحرام وفكرة نشر الدعوة الإسلامية. وإن عدم محاربة بعض الدول مؤقتاً لا يجعل منها دولاً صديقة لنا.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

إسلام أبو خليل – أوزبيكستان

 

وسائط

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.