- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
نصف مليار لا ينتجون علماً!
الخبر:
أدلى وزير الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكي، روبرت كينيدي جونيور، بتصريحات مثيرة للجدل حول العرب، خلال مشاركته في تجمع انتخابي للحزب الجمهوري بولاية ميشيغان، التي تضم واحدة من أكبر الجاليات العربية في أمريكا. فقد هاجم العرب أمام حشد انتخابي، بالتزامن مع انتخابات التجديد النصفي، قائلاً: "يوجد 500 مليون عربي في العالم، ومع ذلك لا ينتجون علماً، ولا يفوزون بجائزة نوبل، ولا بجائزة فيلدز، ولا بجائزة وولف، ولا ينتجون أدباً". (نيوزويك، 2026/10/26)
التعليق:
أثارت هذه التصريحات موجة من ردود الفعل الغاضبة على منصات التواصل الإلكتروني، وعلى مختلف المستويات. ونذكر من بين هذه الردود: كيري كينيدي، الناشطة الحقوقية وشقيقة روبرت كينيدي التي شنت هجوماً حاداً عليه عبر منصة إكس، معربة عن شعورها بالخجل منه. كما أدان مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (كير) التصريحات، ووصفها بأنها نموذج صارخ للعنصرية والتعصب السافر والإسلاموفوبيا، وتسعى إلى استغلال التحيزات ضد مئات الملايين من الأشخاص. وانتقدت منظمة Protect Our Care المعنية بالرعاية الصحية التصريحات، ووصفتها بأنها مسيئة وعنصرية، وتخرج عن إطار النقاش السياسي الموضوعي.
وفي المقابل، سارع كثيرون إلى الرد على هذه الادعاءات، مستشهدين بأسماء شخصيات عربية نالت جوائز نوبل في مجالات الكيمياء والأدب والسلام. (الجزيرة نت، 2026/10/28)
نعم، لقد كانت كلمات كينيدي، التي وجّهها عمداً إلى ولاية تضم واحدة من أكبر التجمعات العربية في أمريكا، عملاً ينطوي على تعمد الإذلال والإهانة، وفي تحدٍّ سافر لمشاعر مئات الآلاف من العرب المقيمين هناك. ولكن، بعيداً عن الإساءة التي انطوت عليها هذه التصريحات، أليس في هذا القول جانب من الحقيقة يستحق منا وقفة جادة ومراجعة صريحة؟ أليس من المؤسف أن العرب، بل المسلمين جميعاً، الذين يقترب عددهم من ثلث سكان العالم، قد تنكبوا طريق العلم والمعرفة، وأصبحوا في ذيل الأمم، بعد أن كانوا في طليعة الحضارة الإنسانية، وأهل الريادة والسبق في ميادين العلم والفكر والمعرفة؟
فقد أصبحت إنجازات أسلافنا العلمية جزءاً أصيلاً من تاريخ الحضارة الإنسانية، ومن أبرزها:
1- علم الجبر: أسهم العالم المسلم محمد بن موسى الخوارزمي في تأسيس علم الجبر من خلال كتابه الشهير "الكتاب المختصر في حساب الجبر والمقابلة"، الذي وضع أسساً مهمة أصبحت منطلقاً لتطور الرياضيات الحديثة، كما ارتبط اسمه بمفهوم الخوارزميات.
2- علم الكيمياء التجريبية: نقل المسلمون الكيمياء من مجرد تصورات نظرية وفلسفية إلى علم يقوم على التجربة والمشاهدة، وكان من أبرز رواد هذا المجال جابر بن حيان والرازي، اللذان أسهما في تطوير طرق التحضير والتقطير والتصعيد، والتعرف على عدد من المواد والأحماض.
3- علم الصيدلة: أسهم المسلمون في تحويل الصيدلة إلى علم مستقل بذاته، وظهرت الصيدليات العامة في العصر العباسي خلال القرن الثامن الميلادي، كما تطورت لديهم أساليب تصنيف العقاقير وتركيب الأدوية وتحضيرها.
4- العمران البشري: وضع ابن خلدون أسساً رائدة لدراسة المجتمع والعمران البشري في مقدمته الشهيرة، حيث حلل طبيعة المجتمعات البدوية والحضرية، ودرس العوامل المؤثرة في قيام الدول وازدهارها وسقوطها.
5- علم البصريات: كان لابن الهيثم فضل كبير في تأسيس علم البصريات الحديث، من خلال كتابه "المناظر"، حيث أثبت أن الرؤية تحدث نتيجة انعكاس الضوء عن الأجسام ودخوله إلى العين، وليس بخروج أشعة من العين نحو الأشياء، كما كان سائداً في بعض التصورات القديمة.
6- علم المثلثات: أسهم العلماء المسلمون في تطوير علم المثلثات وفصله عن علم الفلك ليصبح فرعاً رياضياً مستقلاً، كما طوروا استخدام الدوال المثلثية، مثل الجيب والظل، وأسهموا في وضع أسسها الرياضية.
ولعل السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو ألا تعلم هذه الأمة أن النهضة العلمية الأوروبية لم تنشأ من فراغ، وأن جانباً مهماً من أسسها العلمية قد قام على ما ورثته عن الحضارة الإسلامية، بعد أن انكب العلماء والمترجمون الأوروبيون على نقل مؤلفات العلماء المسلمين من العربية إلى اللاتينية؟
ومن أبرز هؤلاء المترجمين: جيراردو الكريموني: ترجم العديد من المؤلفات الطبية والعلمية العربية، ومنها مؤلفات لابن سينا والرازي وعلي بن العباس. وروبرت الشستري: أسهم في نقل مؤلفات الخوارزمي الرياضية إلى اللاتينية. وأديلارد الباثي: نقل مؤلفات رياضية وفلكية من العربية إلى اللاتينية، وأسهم في انتقال المعارف العلمية إلى أوروبا. وميخائيل سكوت: ترجم عدداً من شروح ابن رشد وأعماله الفلسفية.
ولم يقتصر الاعتراف بفضل الحضارة الإسلامية على مجرد نقل مؤلفاتها، بل امتد إلى شهادات عدد من المفكرين والمؤرخين الغربيين الذين أنصفوا إسهاماتها في مسيرة العلم الإنساني. ومن أبرز هؤلاء: جورج سارتون، مؤسس علم تاريخ العلوم: أكد في كتابه "مقدمة في تاريخ العلم" الدور المحوري الذي اضطلع به العرب والمسلمون في تطوير الفكر الإنساني خلال العصور الوسطى، وأشاد بإسهامات عدد من علمائهم، ومنهم المسعودي والطبري. وزيغريد هونكه، صاحبة كتاب "شمس العرب تسطع على الغرب": أوضحت في كتابها كيف انتقلت معارف ومصطلحات ومفاهيم عربية إلى اللغات الأوروبية، وكيف أسهمت الحضارة العربية الإسلامية في تطور مجالات الفلك والطب والرياضيات وغيرها من العلوم. والمستشرق توماس أرنولد: أشار إلى الدور الحضاري الذي أدته العلوم الإسلامية في أوروبا خلال العصور الوسطى، وما مثلته من مصدر للمعرفة والتنوير في تلك المرحلة.
وهنا يطرح سؤال نفسه بإلحاح: ما الذي تبدل في حياة هذه الأمة، حتى أصبح حالها اليوم كما نشاهده، لا كما نقرأ عنها في صفحات تاريخها؟ كيف انتقلت أمة كانت تقود مسيرة العلم والمعرفة، وتضيء للبشرية دروب الاكتشاف والابتكار، إلى أمة تستورد المعرفة، وتستهلك منتجات الحضارة، بينما يتراجع حضورها في ميادين البحث العلمي والإبداع والاختراع؟!
إن ريادة العلم والمعرفة لا تتحقق بالأمجاد التاريخية، ولا بمجرد الاعتزاز بإنجازات الأسلاف، وإنما تحتاج إلى أرض خصبة تنبت فيها العقول المبدعة، ومناخ صحي يرعى هذه العقول، ويوفر لها أسباب النمو والازدهار والاستمرار. وهذا المناخ لا يمكن أن يتحقق إلا في ظل نظام سياسي مستقر، يقوم على عقيدة راسخة، وتلتف حوله الأمة، ويؤمن بأن بناء الإنسان ورعاية العلم والمعرفة من أولويات الدولة ومسؤولياتها الأساسية. وهذا ما كان عليه المسلمون في عصور نهضتهم؛ إذ كانت لهم دولة تستند إلى عقيدة الإسلام، وتجمع شملهم، وترعى شؤونهم، وتوفر للعلم والعلماء بيئة تسمح بالإبداع والاجتهاد والتنافس في ميادين المعرفة.
إن المشكلة ليست في أن المسلمين فقدوا القدرة على إنتاج العلم، ولا في أن عقولهم أصبحت أقل قدرة على الإبداع من عقول غيرهم، وإنما تكمن المشكلة في غياب البيئة التي تحتضن هذه القدرات، وتوجهها، وتحولها إلى إنجازات علمية وحضارية. فالأمم لا تنهض بماضيها وحده، وإنما تنهض حين تدرك أسباب نهضتها، وتستعيد إرادتها، وتضع العلم والمعرفة في مقدمة أولوياتها.
ولعل الإهانة التي وجهها كينيدي للعرب ينبغي ألا تكون مجرد مناسبة للغضب والاحتجاج، بل فرصة لمراجعة الذات، واستنهاض الهمم، والتساؤل بصدق: متى نستعيد مكانتنا بين الأمم، ونعود قادة فاعلين في صناعة العلم والحضارة؟
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
المهندس حسب الله النور – ولاية السودان