Logo
طباعة
  •   الموافق  
  • كٌن أول من يعلق!
قمة منظمة الدول التركية: شعارات براقة والواقع على الأرض

بسم الله الرحمن الرحيم

 

قمة منظمة الدول التركية: شعارات براقة والواقع على الأرض

 

(مترجم)

 

الخبر:

 

شهدت القمة الثالثة عشرة لمجلس رؤساء دول منظمة الدول التركية (OTS)، التي عُقدت في أنقرة تحت شعار "القرن التركي: وحدة في اللغة والفكر والعمل"، اتخاذ قرارات مهمة. وفي هذا الاجتماع المحوري الذي استضافه أردوغان، تم اعتماد إعلان أنقرة المكون من 163 بنداً، ما نقل التعاون في العالم التركي إلى مستوى جديد في مجالات استراتيجية عديدة، بدءاً من الصناعات الدفاعية والطاقة وصولاً إلى النقل والتكامل الرقمي. (صحيفة يني آكت، 30 تشرين الأول/أكتوبر 2026)

 

التعليق:

 

عُقدت قمة منظمة الدول التركية لهذا العام مجدداً في أنقرة، باستضافة من تركيا، وسط شعارات براقة تحجب المهمة الحقيقية للمنظمة. وهناك جوانب عدة تجعل هذه القمة أكثر أهمية من سابقاتها:

 

أولاً: الأزمة السياسية التي نشبت قبل القمة بين نظام علييف وحكومة حزب العدالة والتنمية، على خلفية قرار حظر الخمار الذي دخل حيز التنفيذ في أذربيجان.

ثانياً: تزامن موعد القمة مع ذكرى تأسيس الجمهورية التركية في 29 تشرين الأول/أكتوبر، وما صاحب ذلك من ترويج احتفالي للشعوب المسلمة لنموذج الدولة القومية العلمانية - وهو نموذج يتنافى مع معتقداتهم - وكأنه النموذج الأمثل والوحيد القادر على تحقيق الوحدة.

 

ثالثاً: الاهتمام البالغ الذي أولته الولايات المتحدة لهذه القمة، حيث عبّر رئيسها ترامب عن دعمه لها من خلال رسالة تؤكد على رؤية مشتركة، وذلك خلال محادثة تليفونية مع أردوغان.

 

تقدم هذه النقاط الثلاث مؤشرات مهمة حول الغاية التي أُسست من أجلها منظمة الدول التركية، وطبيعتها، والمهمة التي اضطلعت بها.

 

لنبدأ بأزمة الخمار بين تركيا وأذربيجان؛ فمن خلال قرار اتُّخذ في 21 أيلول/سبتمبر 2026، فرض نظام علييف حظراً على الخمار في المدارس، مرتكباً بذلك عملاً قمعياً جسيماً؛ إذ أجبر الفتيات المسلمات على الاختيار بين حقهن في التعليم وبين أمر الله سبحانه وتعالى. قوبل هذا الحظر بغضب عارم بين أفراد الشعب الأذري؛ إذ انتصر الطلاب والعائلات المسلمة لقضية الخمار ورفضوا الخضوع لعلييف. وبالمثل، وقف المسلمون في تركيا إلى جانب إخوانهم وأخواتهم في أذربيجان، ونظموا احتجاجات ضد هذا الحظر، مذكّرين علييف بعقاب الله، ومذكّرين أردوغان - الذي وصل إلى سدة الحكم بفضل المعاناة الناجمة عن قيود الخمار - بمسؤولياته.

 

غير أن حكومة حزب العدالة والتنمية صمّت آذانها عن أصوات المسلمين، ودعمت علييف - سواء بشكل مباشر أو غير مباشر - متذرعةً بـ"عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى". وما تلا ذلك بات معروفاً للجميع؛ فقد شجّع موقف تركيا السلبي علييف وأعوانه على التمادي في غطرستهم، فأصدروا مذكرات اعتقال غيابية بحق بعض المسلمين الذين شاركوا في الاحتجاجات داخل تركيا، وأعلنوا آخرين أشخاصاً غير مرغوب فيهم. ولم يكتفوا بذلك، بل طالبوا تركيا باتخاذ إجراءات قانونية ضد هؤلاء الأفراد؛ وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى اعتقال العديد من المسلمين وإطلاق سراحهم لاحقاً.

 

وفي وقت لاحق، بثت وسائل الإعلام الرسمية الأذرية تقارير تحقيرية زعمت فيها أنها نجحت في إخضاع تركيا لإرادتها. وفي نهاية المطاف، ورغم التنازلات الكثيرة التي قدمتها تركيا على حساب سمعتها - ما ألحق الضرر بالقاعدة الشعبية للحزب الحاكم وبمشاعر الشعوب المسلمة - ظل علييف على غطرسته، ورفض حضور القمة في أنقرة. إذ تسعى أذربيجان، مستندةً إلى دعم أمريكا وكيان يهود، إلى التخلص من دور "الشقيق الأصغر" وإقامة علاقات مباشرة مع أسيادها الاستعماريين. أما تركيا، فلم يتبقَ لها سوى العار والخزي.

 

لقد كشف هذا الوضع زيف شعار الأخوة القائم على مبدأ "دولتان، أمة واحدة" - وهو في الأساس مفهوم باطل - وأظهر مجدداً أنه في حين تظل الشعوب المسلمة إخوة، فإن حكوماتها تتبنى برامج ومصالح متباينة. كما برهن على أن شعار "القرن التركي: وحدة في اللغة والفكر والعمل" ليس سوى شعارٍ أجوف ومضلل. ففي نهاية المطاف، لم تنجح الدول الأعضاء في هذه المنظمة - التي تدور في فلك القوى الاستعمارية العالمية ثقافياً وسياسياً واقتصادياً وعسكرياً - في الاتفاق حتى على أبجدية موحدة، ناهيك عن التوافق في الأفكار؛ ومن ثم، فإن تحقيق وحدة حقيقية بينها أمرٌ مستبعد تماماً. إن إخفاق هذه الدول في الاعتراف بدولة شمال قبرص التركية، والتجاهل التام لقضية تركستان الشرقية التي ترزح تحت الاحتلال والقمع الصيني، والأهم من ذلك عجزها عن تقديم موقف موحد إزاء الاضطهاد المتعلق بالخمار - الذي يُعد رمزاً للمرأة المسلمة - ليست سوى بعض الحقائق التي تتناقض مع ما يُروَّج له من تمجيدٍ لهذه المنظمة، وما يُدَّعى من شعاراتٍ حول الوحدة في العمل.

 

وأخيراً، لننتقل إلى المكالمة التلفونية التي أجراها ترامب مع أردوغان، والتي أشاد فيها برؤية منظمة الدول التركية وأهدافها في سياق القمة وأعرب عن دعمه لها. وقد نُقلت هذه التهنئة على لسان توم باراك، مبعوث أمريكا الخاص إلى سوريا والعراق وسفير أمريكا في أنقرة أو ما يُعرف بالحاكم الاستعماري، حيث قال: "إن المحادثة التي جرت اليوم بين الرئيس ترامب والرئيس أردوغان هي استمرار لروح الحوار والتعاون التي تبلورت بين القادة الذين اجتمعوا على مأدبة العشاء قبيل القمة الثالثة عشرة لمنظمة الدول التركية. وتُعد الشراكة بين الدول التركية ركيزة أساسية في الرؤية التي يتشاركها كلا الزعيمين (ترامب وأردوغان)".

 

يكشف هذا التصريح عن الوجه الحقيقي لمنظمة الدول التركية؛ ذلك الكيان الذي وُضعت لبناته الأولى عام 1992 بتشجيع أمريكي، ثم أُسست مؤسسياً في نخجوان عام 2009. وتتمثل الأهداف الحقيقية لهذه المنظمة في إضعاف نفوذ روسيا في آسيا الوسطى، وإحكام السيطرة على الممر الأوسط الذي يقع في قلب مبادرة الحزام والطريق الصينية ويمتد نحو أوروبا، فضلاً عن كونها أداةً للقوة الناعمة تهدف إلى استغلال الموارد الباطنية في المنطقة، كالنفط والغاز الطبيعي. وقد وفّر المأزق الذي وجدت روسيا نفسها غارقةً فيه في أوكرانيا هذه الفرصة، ما دفع بمنظمة الدول التركية إلى واجهة الأحداث.

 

وعليه، فلا جدوى من تعليق الآمال على خيطٍ واهٍ. إن ما ينبغي على تركيا فعله هو دمج القوة المستمدة من إيمان شعبها مع الإرث العثماني، والمبادرة بإقامة الخلافة الراشدة لتتولى قيادة الأمة الإسلامية، ومن ثم إرساء سيادة شريعة الله، بما يضمن حماية الحجاب وكافة أحكام الإسلام. كما يتحتم عليها وضع حد لهيمنة الكفار المستعمرين، سواء في الأراضي التركية أو العربية أو في غيرها من المناطق التي تقطنها شعوبٌ مسلمة. وينبغي لها أيضاً إرساء وحدةٍ في الفكر والمبادئ والسياسة، لا على أساسٍ قومي أو عرقي، بل على أساس عقيدة التوحيد والأخوة الإسلامية. هذه هي الوحدة الحقيقية التي ستحرر الإنسان من عبودية الإنسان! وشعارها: أمة واحدة، دولة واحدة، حل واحد: الخلافة!

 

﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا۬ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمد أمين يلدريم

 

وسائط

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.