Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

سلسلة رمضان وبناء الأمة من جديد

الحلقة الحادية والعشرون

ليلة القدر وصناعة القرار

 

ليلة القدر ليست مجرد ليلة نبكي فيها، أو نطيل فيها السجود، أو نرفع أيدينا بالدعاء ثم نعود في الصباح إلى حياتنا كما كانت دون تغيير. صحيح أنها ليلة عبادة عظيمة، قال تعالى عنها: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، لكن السؤال الأهم: لماذا كانت خيراً من ألف شهر؟ ما الذي جعلها بهذه المنزلة؟

 

الجواب بسيط وعظيم في الوقت نفسه: لأنها الليلة التي نزل فيها القرآن، ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾. فالفضل الحقيقي لهذه الليلة مرتبط بنزول كتاب لم يأتِ ليكون مجرد كلمات تُتلى، بل منهجاً يُطبَّق، وحياةً تُبنى عليه.

 

حين نقرأ القرآن نجد أنه يتحدث عن العقيدة، نعم، لكنه يتحدث أيضاً عن الحكم، وعن العدل، وعن الاقتصاد، وعن العلاقات بين الناس، وعن السلم والحرب، وعن القضاء والحقوق. القرآن لم ينزل ليعالج زاوية واحدة من حياة الإنسان، بل ليكون هادياً في كل الزوايا ومنهج حياة شاملا ونمط عيش متكاملاً.

 

النبي ﷺ حين نزل عليه القرآن لم يكتفِ بتلاوته على الناس، بل أقام به مجتمعاً، ثم دولةً، ونظاماً يحكم به بين الناس. أقام سوقاً يقوم على أحكام الإسلام، وفصل في الخصومات بأحكام القرآن، وأرسل الولاة ليحكموا بما أنزل الله. لم يكن القرآن عنده كتاب وعظ فقط، بل كتاب قيادة وتنظيم.

 

لهذا، فإن فهم ليلة القدر على أنها لحظة انقطاع عن الواقع فقط، فهم ناقص. نعم، هي ليلة خلوة مع الله، لكن هذه الخلوة يجب أن تعيدنا إلى الواقع بقلب أقوى وعقل أوعى، لا أن تجعلنا نهرب من مسؤولياتنا فيه.

في واقعنا اليوم، نرى مشهداً متكرراً كل عام. تمتلئ المساجد بالمصلين في العشر الأواخر، وتُختم المصاحف، وتُذرف الدموع، وهذا كله خير عظيم. لكن في الوقت نفسه، تُدار شؤون الحياة بقوانين وأنظمة لا تستمد من القرآن. هنا يظهر الانفصال بين العبادة والحياة.

 

في مصر مثلاً، قد ترى إنساناً يحرص على قيام ليلة القدر، لكنه في عمله يتعامل بنظام ربوي، أو يقبل ظلماً واقعاً على غيره لأنه "أمر واقع"، أو يرى تشريعات تخالف أحكام الإسلام ولا يشعر أن له موقفاً منها. كأن القرآن مكانه المسجد فقط، وليس في السوق ولا في المحكمة ولا في إدارة الدولة!

 

هذا الانفصال هو جوهر الأزمة. لأن القرآن الذي نزل في ليلة القدر يقول: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾، ويقول: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. هذه الآيات لم تُنزل لتُقرأ في ليالي رمضان فقط، بل لتكون مبدأً يُبنى عليه الحكم والقضاء.

 

على سبيل المثال قضية الفقر وارتفاع الأسعار. كثير من الناس يدعون في ليلة القدر أن يرفع الله عنهم الضيق، وأن يبارك لهم في أرزاقهم. وهذا دعاء مشروع. لكن القرآن حين عالج المال، وضع أحكاماً للملكية، ومنع الربا، وأوجب الزكاة، ونظم توزيع الثروات، وجعل للدولة مسؤولية مباشرة في رعاية شؤون الناس. فهل يكفي أن ندعو فقط، أم يجب أن نفكر أيضاً: هل تُدار أموالنا وفق هذه الأحكام أم بغيرها؟

 

ومثال آخر قضية العدل. في ليلة القدر، نقرأ قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾. لكن العدل ليس شعوراً داخلياً فقط، بل نظام قضائي وتشريعي. فإذا كان القانون السائد لا يحقق هذا العدل الذي أمر الله به، أليس من تمام إحياء القرآن أن نبحث عن كيفية إعادة العدل إلى واقعنا؟

 

ليلة القدر إذاً ليست ليلة مشاعر فقط، بل ليلة وعي. ليلة نراجع فيها علاقتنا بالقرآن هل هو كتاب بركة نضعه في البيوت، أم كتاب منهج نحتكم إليه؟ هل نكتفي بأن نحفظ آياته، أم نسأل أنفسنا: لماذا نزلت؟ وكيف طُبقت أول مرة؟ وكيف يمكن أن تعود فاعلة في حياتنا؟

 

رمضان كله يربط بين الإيمان والعمل. الصيام ليس امتناعاً عن الطعام فقط، بل تدريب على الطاعة والانضباط. وليلة القدر في قلب رمضان، تذكّرنا بأن أعظم حدث فيها كان نزول كتاب غيّر وجه التاريخ. أمة كانت قبائل متفرقة، صارت أمة تحمل رسالة، لأن القرآن لم يبقَ في الصدور فقط، بل نزل إلى أرض الواقع.

 

إحياء ليلة القدر الحقيقي إذاً هو أن نخرج منها بقرار أن يكون للقرآن مكان في تفكيرنا حول شؤوننا العامة، لا في عباداتنا الفردية فقط. أن نسأل ماذا يريد منا هذا الكتاب في السياسة والاقتصاد والاجتماع، كما نسأل ماذا يريد منا في الصلاة والصيام؟

 

حين يعود الربط بين الإيمان والقرار، بين التلاوة والتطبيق، تصبح ليلة القدر فعلاً ليلة تقدير وتغيير. أما إذا بقيت مجرد دموع تنتهي مع أذان الفجر، فقد ضيّعنا جانباً كبيراً من معناها.

 

ليلة القدر فرصة عظيمة، لا لتجديد العبادة فقط، بل لتجديد العهد مع القرآن أن يكون قائداً للحياة، لا ضيفاً كريماً في موسم واحد ثم يُودَّع حتى رمضان القادم.

 

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية مصر

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.