Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

موت الفجأة وطول الأمل!

 

كثر موت الفجأة في هذه الأيام، فشباب وشابات بعمر الورد تسقط فجأة دون أعراض أو إنذار تاركة وراءها صدمة وآهات وحسرات. موت الفجأة زائر لا يستأذن أحدا، لا يطرق الأبواب، ولا ينتظر اكتمال الخطط، بل يأتي بغتة فيقطع حديثاً أو يطفئ ضحكة أو يُسكت قلباً كان ينبض بالأحلام. فكم من إنسان خرج من بيته ولم يعد؟! وكم من قلب نام على نية واستيقظ على حساب أمام الله؟

 

إن موت الفجأة راحة للمؤمن المستعد دائماً للقاء الله بالأعمال الصالحة، فيكون موته فجأة رحمة وتخفيفاً له من معاناة الأمراض وسكرات الموت وكربته. قال رسول الله ﷺ: «مَوْتِ الْفَجْأَةِ رَاحَةٌ لِلْمُؤْمِنِ وَأَخْذَةُ أَسَفٍ لِلْكَافِرِ» أي حسرة وغضب على الكافر أو العاصي الذي يُؤخذ بغتة دون توبة أو إصلاح والعياذ بالله.

 

وأما طول الأمل فقد عرّفه العلماء بأنه الحرص الشديد على الدنيا والانكباب عليها، مع طول الغفلة عن الآخرة وتأجيل التوبة.

 

إن الإنسان في حياته يمضي وهو يخطّط ويؤجّل، يرسم في خياله غداً بعد غد، وسنة بعد سنة، وكأنّ العمر عقد مضمون لا ينقطع. يطيل الأمل ويقول: لاحقاً أتوب، لاحقاً أعبد الله حق عبادته، لاحقاً أعمل الخير... ولا يدري أن الموت لا يعرف كلمة لاحقاً، فهو الداء الخفيّ الذي لا يُشعِر صاحبه بالخطر؛ يُنسيه الآخرة، ويُثقِل القلب بالدنيا، ويجعل الذنب يبدو صغيراً لأن التوبة مؤجَّلة، والعمر طويل، فيجعل الطاعة قابلة للتسويف والانتظار.

 

وطول الأمل لا يعني كثرة الطموح، بل الغفلة عن الآخرة. فليس العاقل من لا يخطّط للمستقبل، بل العاقل من يُوازن بين دنياه وآخرته، من يعمل وكأنه سيعيش طويلاً في عبادة الله وطاعته، فتكون حياته كلها وفق أحكامه وشرعه، ويستعدّ وكأنه سيموت اليوم. فالقضية ليست في قِصر العمر أو طوله، بل في بركته وحُسن استغلاله وحسن ختامه. وهذا ما قصده علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله: "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً".

 

ألا تعجبون من هذا الإنسان حيث لا تزال الآمال تصعد به وتنزل، ويهرم، وتأكل الأيام شبابه ولكن يبقى أمله غضا قويا، متشبثا بالدنيا؟! يقول ﷺ: «لَا يَزَالُ قَلْبُ الْكَبِيرِ شَابًّا فِي اثْنَتَيْنِ حُبِّ الدُّنْيَا وَطُولِ الْأَمَلِ».

 

فسبحان الله! فها هي السنين تمر، والأعمار تنقضي ومصائب الزمان لا تنقضي، فما من يوم يمر إلا وهو يحمل بين ثناياه عبراً عِظاما، ولكن يا ترى إلى من يحملها، ويا ترى من يفهمها؟ فمن يتعظ يعلم بأن كل يوم يمر هو نقصان من العمر وقرب من الموت.

 

فكم هو والله مسكين هذا الإنسان؛ يفتح عينيه في كل صباح على آمال عِراض، أحلام ذهبية، وآمال وردية، ثم لا يكون إلا القدر، ولا ينزل إلا قضاء رب البشر. فيريد أن يبني البيوت والقصور ويريد أن يتمتع بكل زينة في الأرض، ويهدر كل وقته وراء السعي لتحقيق مآربه وغاياته. وقد يفرط بالصلاة والعبادات، ويفرط في رعاية أبنائه والوقوف على حسن تربيتهم، يفكر ماذا سيورثهم في الدنيا من بيوت وقصور، ونسي أن يبني لهم قصورا وبيوتا في الجنة، وهذا والله لهو الخسران المبين. نسي أن يحسن تربيتهم ورعايتهم التي هي أولى مسؤوليات الأب والأم. «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ».

 

فكم من أم تتفقد لباس ابنتها قبل أن تخرج من البيت؛ هل يوافق مواصفات اللباس الشرعي وأحكامه الشرعية؟ هل علمت بناتها الحياء والأدب في الطرقات وغض البصر وأمرت أبناءها بأوامر الله ونهتهم عن معصيته؟ مع الأسف نرى كثيرا من الأمهات تشجع ابنتها على عدم لباس الجلباب الشرعي بحجة أنها صغيرة وصغير على الصلاة، وصغير على الصوم! يزرعون طول الأمل فيهم منذ صغرهم، ويهونون المعصية بقلوبهم بدل تعويدهم على تعظيم أحكام الله وشرعه في القلوب، فمن شب على شيء شاب عليه!

 

وكم من أب أخذته الدنيا ونسي أن يجعل من وقته ساعة يجلس مع أبنائه يعلمهم أحكام الدين وسيَر الأولين، ويعلمهم الحلال والحرام؛ فقد ينسى الإنسان مع سعيه لتحصيل رزقه وتحصيل متع الدنيا المهمة العظيمة التي خلق من أجلها الإنسان واستخلف بسببها في الأرض ألا وهي عبادة الله حق عبادته وتنشئة أسرة مسلمة على طاعة الله فتكون وجاءً له وستراً من النار.

 

وإن طول الأمل حِبال من حِبال إبليس اللعين، يقذفها في طريق ابن آدم فيأسره بها ليتحكم بعدها في أمره كما يشاء. قال بعض الحكماء: "الأمل سلطان الشيطان على قلوب الغافلين"، ويقول رب العزة متوعدا العاصين: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾. يقول الفضيل بن عياض: "إن من الشقاء طول الأمل، وإن من النعيم قصر الأمل". وهذه نصيحة أحد الحكماء: "احذروا أربعة: طول الأمل، وقسوة القلب، وجمود العين، والبخل". جمود العين أي شحّها عن البكاء خشية لله.

 

فكم منينا هذه الأنفس؟ وكم علقناها بالآمال العراض؟ ولكن هل حاسبناها؟ هل سألناها ماذا تريدين من هذه الآمال؟ أتريدين بها وجه الله والدار الآخرة، أم تريدين بها الركون إلى الدنيا دار الغرور؟ بل هل ذكرناها وسألناها: أما تدرين يا نفس أن الأجل بالمرصاد فقد يأخذكِ قبل تحقيق آمالك؟ فكم من بانٍ لبيت ما سكنه، وكم من جامع للمال وما تهنأ به! يقول ابن عبد الله: "وكم من مستقبِل يوماً لا يستكمله، ومنتظرِ غدٍ لا يبلغه، لو تنظرون إلى الأجل ومسيره لأبغضتم الأمل وغروره".

 

وإن من مخاطر طول الأمل قسوة القلوب وغفلتها، فلا الوعيد يخوفها، ولا آيات الله تصلحها؛ كسولة إذا دعيت إلى الطاعات، نشيطة خفيفة إذا دعيت إلى الشهوات.

 

هكذا تمر أيامهم تسويفاً للطاعات وتسويفاً للتوبة ورغبة شديدة في الدنيا وخوفاً من الموت واستبعاداً له، ونسياناً للآخرة وأنه سيقف يوما أمام الله مسؤولاً عن عمره فيما أفناه. وهذا كله بسبب قسوة في القلب لأن رقة القلب وصفاءه إنما تقع بتذكر الموت وتذكر القبر والثواب والعقاب والجنة والنار وأهوال القيامة والصراط. يقول تعالى: ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِير مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾. فكم أفسد طول الأمل من قلوب، وكم دنس أقواما في أوحال الذنوب!

 

فهذا شاب قيل له تُبْ إلى الله عز وجل وأقلع عما أنت فيه فإنك لا تدري متى سيكون أجلك، فسوّف في التوبة وأطال أمله وقسى قلبه فقال: إن جدي توفي وعمره تسعون سنة، وإن أبي توفي وعمره سبعون، وأنا إذا بلغت الأربعين سنة فسوف أتوب وأُكثر من الطاعات، وما هي إلا ساعات إلا وملك الموت قد نزع روحه، فانقطع عمله وقامت قيامته!

 

فيا من أطلت الأمل وسوّفت التوبة: الموت لا يعرف الصغير ولا الكبير ولا الغني ولا الفقير ولا المريض ولا الصحيح... الموت يأتي بغته؛ يأتي دون استئذان أو موعد، فمن يستطيع تأجيل أو رد الموت إذا جاءه؟ ومن يستطيع معرفة ساعة موته؟ كلا والله لن يستطيع مخلوق على ذلك.

 

أليس إذن من العجب أن تفنى الأعمار ولا تنقضي الآمال، فكل يوم له أمل، وكل شهر له أمل، وكل سنة لها آمال، وهكذا يحيا صاحب الآمال في رحلة لا نهاية لها! قال بعض الحكماء: "كيف يفرح بالدنيا من يومه يهدم شهره، وشهره يهدم سنته، وسنته تهدم عمره؟ كيف يفرح من يقوده عمره إلى أجله، وتقوده حياته إلى موته؟".

 

وإليكم قصة العالم الجليل ميمون بن مهران؛ قد حفر قبرا له أمام بيته وكان يرقد فيه كل ليلة ويشتد به البكاء، يستذكر الموت ثم يصيح: ربّ ارجعون، ربّ ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت. فيخرج من القبر قائلا: ها قد عدت يا ميمون فاليوم عمل بلا حساب، وغدا حساب بلا عمل!

 

نعم هكذا كان حال التابعين والصالحين!

 

يقول أحد الصالحين: فإذا أمنتك نفسك وداعبت الآمال خيالك فلتردعها بسوط قصر الأمل فإنه نعم الدواء، وإذا طالبتك نفسك بالمُنى والآمال فقل لها يا نفس هلا تمنيتِ التوفيق إلى الصالحات والاستزادة من الطاعات، يا نفس هلا أملتِ أن تكوني من تلك النفوس التي إذا فارقت الدنيا قيل لها ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّة * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَة مَرْضِيَّة * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾.

 

نعم، إن الدنيا أهون من أن يتعلق بها قلب العبد ليفنى عمره في اللهث خلفها فإذا فاته شيء منها اغتم وحزن. قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "الدنيا من أولها إلى آخرها لا تساوي غم ساعة فكيف بغم العمر كله"! يعني طوال عمره يفكر كيف يصير مثل فلان، وكيف يجمع كل الأموال ويبقى مهموما بتفكيره وعدم حسن توكله على الرازق الكريم. وأن ليس له إلا ما سعى فلا يهتم ولا يغتم. فكم جامع للدنيا أتته المنية بغتة فرحل عن الدنيا ولم يتبعه منها إلا عمله؟ وكم من تاجر أخذه متاع الدنيا فجمع ماله وقصّر في صدقاته وأجّل صلاته ثم خطفه الموت فبقي ماله ولقي الله صفر اليدين؟! وكم من بنى وأعلى ومات وترك ولم يسكن؟!

 

كان رجل صالح يبكي كثيراً، فقيل له: ما يُبكيك؟ قال: أخاف أن يكون طول أملي قد أنساني الاستعداد للقاء الله. ويقول العالم نصر بن محمد رحمه الله: "من قصر أمله أكرمه الله تعالى بأربع كرامات: إحداها أن يقويه على الطاعات، والثانية تقل همومه لأنه إذا علم أنه يموت عن قريب لا يهتم بما يستقبله من المكروه. والثالثة: يجعله راضيا بالقليل لأنه إذا علم أنه يموت عن قريب فإنه لا يطلب الكثير وإنما يكون همه هم آخرته. والرابعة: أن ينور قلبه. أما من أطال أمله عاقبه الله بأربعة أشياء: أن يتكاسل عن الطاعات، وأن تكثر همومه في الدنيا، وأن يصبح حريصا عليها وجمع المال فيها، وأن يقسو قلبه".

 

وأخيرا، إن ذكر موت الفجأة ليس لبثّ الخوف، بل لإيقاظ القلوب. هي دعوة صادقة لأن نُسرع إلى الخير، ونُبادر إلى التوبة، ونُصلح ما بيننا وبين الله وما بيننا وبين الناس.

 

وما أروع كلمة مالك بن دينار في تزكية النفس فيقول: "رحم الله عبداً قال لنفسه: ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم ذمها، ثم ألزمها كتاب الله عز وجل، فكان لها قائداً".

 

فالكلمة الطيبة لا تنتظر، والصدقة لا تؤجَّل، والطاعة والعمل مع الله وحمل دعوته لا يؤخَّر.

 

وفي زمن كثر فيه الرحيل المفاجئ، يبقى السؤال الصادق الذي ينبغي أن نسأله لأنفسنا: لو جاءنا الموت الآن، هل نحن له مستعدّون؟

 

إن المؤمن الصادق لا يشغله إلا الجد، وإن المؤمن الصادق لفي شغل عن الآمال والأماني، إن المؤمن الصادق لفي مجاهدة دائمة مع نفسه، إذا أصبح قال لهواه تأخر، وقال لطاعة ربه ومولاه تقدمي.

 

فسيروا إلى الله ربكم سيراً جميلا، فطوبى لمن قصر أمله، وطهُر قلبه، وجعل لقاء الله أحبّ إليه من طول البقاء في الدنيا.

 

نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن لا ينقضي هذا الشهر الكريم إلا وقد لاحت بشائر النصر والخلافة والتمكين وشفى الله بها صدور قوم مؤمنين.

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

منال حسين – الأرض المباركة (فلسطين)

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.