- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
أمريكا وسُلطة البحر: القصة الكاملة لإمبراطورية الشر
مقدمة تاريخية
"اللهم لو كنت أعلم أن وراء هذا البحر أرضاً لخضته إليها في سبيلك".
لم تكن هذه الكلمات مجرد رجاء أو دعاء، ولا نصا تاريخيا يُقرأ فيرهب الخصوم والأعداء، بل كانت عبارة مدوية جلجلت في الآفاق والأرجاء، وامتد صداها فوق كل أرض وتحت كل سماء، فبقيت نابضة في وجدان التاريخ ملهمة لحملة اللواء، تخاطب عقولهم وقلوبهم لتسألهم وتساءلهم: وهل يُفتقد البدر إلا في الليلة الظلماء؟
قائلها هو القائد والفاتح والمجاهد والتابعي الجليل عقبة بن نافع الفهري الذي شارك في معارك فتح أرض الكنانة مع عمرو بن العاص رضي الله عنه وقاد أولى السرايا التي دخلت إلى بُرقة واشترك معه في فتح طرابلس، ثم مع عبد الله بن أبي السرح رضي الله عنه في معركة سبيطلة، واستقر في بُرقة حيث ظل مرابطا فيها إلى أن ولاه معاوية بن أبي سفيان ولاية إفريقية وكانت أولى اهتماماته إنشاء قاعدة إسلامية متقدمة، بعد أن أنهى عبد الله بن أبي السرح رضي الله عنه سيطرة الدولة البيزنطية على البحر الأبيض المتوسط (معركة ذات الصواري سنة 35هـ)، حيث قال عقبة لرجاله: "أرى لكم يا معشر المسلمين أن تتخذوا بها (أي بإفريقية) مدينة نجعل فيها عسكراً، وتكون عز الإسلام إلى أبد الدهر". وفعلا أنشأ مدينة القيروان (يعود أصل تسميتها إلى اللفظ الفارسي "كيروان" ويعني المُعسكر أو مكان ذخيرة السلاح)، لتغدو منارة علم ورباط وجهاد قبل أن يواصل مسيرة جهاده غربا نحو الجزائر والمغرب.
وقد مضى عقبة يفتح الحصون ويفرق الجموع وينزل الهزائم بأعداء الله حتى وصل إلى شواطئ المحيط الأطلسي أو ما كان يعرف ببحر الظلمات. هناك، تقدّم بفرسه إلى الماء، واستل سيفه، ونطق بكلمته الشهيرة الخالدة التي اختصرت روحه وهمّته رحمه الله تعالى وتقبله عنده من الشهداء الكرام البررة، ليترك المشعل لحفيده حبيب بن أبي عبيدة الفهري الذي أصبح من قادة فتح الأندلس مع موسى بن نصير وطارق بن زياد. وقد نقلت عديد المصادر أن أرض الأندلس صارت منطلقا لرحلات المسلمين في بحر الظلمات لاستكشاف ما وراءه فعلا.
ولكن دارت الأيام وتقلبت الأحوال وتجلى قوله سبحانه: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾.
أمريكا بين الأمس واليوم
لقد اكتشف المسلمون وجود أراضي القارة الأمريكية زمن الخلافة العباسية على يد الرحالة الأندلسي الخشخاش بن سعيد بن أسود كما نقل ذلك المؤرخ والجغرافي أَبُو الحَسَنِ المَسْعُودِيُّ الهُذَلِيُّ في كتابه "مروج الذهب ومعادن الجوهر" وكانت تسمى عندهم بالأرض المجهولة، قبل أن يُنسب الاكتشاف لاحقا إلى كريستوفر كولومبس ثم إلى أمريكو فسبوتشي الذي اشتق من اسمه مصطلح أمريكا، بل قبل أن تتحول النعمة إلى نقمة فتتنافس القوى الأوروبية على الاستعمار وإفراغ الأرض الجديدة من سكانها الأصليين عبر إبادة عشرات الملايين من الهنود الحمر بأبشع الطرق والوسائل.
فبعد اكتشاف القارة الأمريكية، شاركت كل دول أوروبا تقريبا في حرب السنوات السبع (1756-1763م)، حيث حاربت بريطانيا فرنسا من أجل السيطرة على البحار والأراضي الواقعة في أمريكا الشمالية. وقد حسمت معاهدة باريس النزاع بين فرنسا وإسبانيا وبريطانيا في 10 شباط/فبراير عام 1763 لتفقد فرنسا معظم مستعمراتها هناك لصالح لاعب أوروبي صاعد، هي بريطانيا التي استطاعت لاحقا إشعال فتيل حربين عالميتين.
وفي المحصّلة، فإن أمريكا هي نتاج لصراع أوروبي على أرض مجهولة وامتداد لحضارة فاسدة معلولة ولعقيدة صليبية منقولة، حيث ولدت من رحم استعمار رأسمالي غاشم، يُروّج للديمقراطية في أوروبا ويمارس الإبادة الجماعية ضد سكان أمريكا وأفريقيا وآسيا، هذا إن سلمت أوروبا نفسها من الحروب والمعارك (على غرار حروب نابليون بونابرت التي أكلت الأخضر واليابس). وليس أدل على هذه الولادة القيصرية من رئاسة الجنرال البريطاني جورج واشنطن لهذا البلد، بعد قتاله ضد فرنسا في حرب السنوات السبع، وصار العرف العام في أمريكا أن ينحدر رؤساؤها بالأساس من إنجلترا، أسكتلندا، إيرلندا وهولندا، ولذلك لا يخفي ترامب اليوم احتقاره للأمريكان الذي ينحدرون من أصول أوروبية مغايرة.
ومع ولادة هذه الأرض الجديدة (أمريكا) انتهى عند الغزاة عهد "الضيق الجغرافي لأوروبا" وبدأ البحر رحلة الهيمنة على الأرض لتصبح الأراضي المغزوة نقطة انطلاق للأراضي الغازية، بل نقطة التقاء بين الرأسماليين الجدد وخبراء الجيوبوليتيك، ممّن نظّروا لكيفية حكم العالم وبناء ما صار يُعرف لاحقا بالنظام العالمي الجديد، كما سيأتي بيانه.
ومهما عظُمت أمريكا في عيون ناظريها، تبقى دولة استعمارية بامتياز، بلا جذور تاريخية أو حضارية على أرضها، وإنما صنعت لنفسها تاريخا حافلا بالجرائم في حق المسلمين وغير المسلمين، حيث بنت حضارتها المزيفة على جماجم الهنود الحمر، بعد أن كانت مجرد مستعمرة بريطانية إلى حدود سنة 1776، بل كانت أمريكا تدفع الجزية للجزائر العثمانية في عهد جورج واشنطن نفسه بمقتضى اتفاقية عام 1796. أما سياستها الخارجية فتقوم منذ نشأتها على صناعة الحروب وافتعال الأزمات وإشعال النيران، والقتل والدمار. والاستعمار ليس صفة لاحقة بها، بل جزء من تكوينها الجيني وثقافة متأصلة فيها تستمد منها أسباب هيمنتها وبقائها، تحركها في ذلك عقلية الكاوبوي الأمريكي.
فبالأمس ظهرت عقيدة مونرو (وهي سياسة خارجية أمريكية أعلنها الرئيس جيمس مونرو عام 1823، تنص على أن الأمريكتين (نصف الكرة الغربي) لم تعد مفتوحة لاستعمار القوى الأوروبية، وتعتبر أي تدخل أوروبي فيها تهديداً لأمن الولايات المتحدة، فأرست العقيدة مبدأ "أمريكا للأمريكيين"، مفصلةً مناطق النفوذ لتقسيم العالم القديم عن الجديد، رغم أصول مونرو البريطانية)، وصدرت في البداية كبيان أحادي الجانب، ولم تكن الولايات المتحدة قوية بما يكفي لفرضها، ولكن مع ازدياد قوتها، استخدمت المبدأ كذريعة للتدخل في شؤون أمريكا اللاتينية وتوسيع نفوذها، فضمت أرض التكساس سنة 1845 وأخضعت كاليفورنيا سنة 1847 بعد إبادة جماعية لأهلها، ولم تردعها أية قوة عسكرية على ضم بقية أراضي المكسيك، لتصبح جزء مما صار يُعرف لاحقا بالولايات المتحدة الأمريكية.
ثم لم تتربع أمريكا على عرش السياسة الدولية إلا بعد حربين عالميتين، أُنهكت خلالهما قوى بقية الدول الاستعمارية، وراح ضحيتهما أكثر من 100 مليون قتيل، فلم تجد من يمنعها من استعمال القنبلة الذرية سنة 1945 ضد اليابان، ضمن ما يعرف بهجوم هيروشيما وناجازاكي النووي. ثم انتهزت أمريكا هذا التقدم وحافظت عليه بفرض التداول العالمي لعملة الدولار وربط اقتصاديات أوروبا المدمرة بخطة مارشال سنة 1948 وإنشاء ما بات يعرف بحلف شمال الأطلسي سنة 1949 وبالتالي ربط القارة العجوز بقيادتها العسكرية فضلا عن نشر القواعد العسكرية وأوكار التجسس عالميا، ومع ذلك فقد استطاع الاتحاد السوفيتي أن يشغلها لفترة عن استكمال مشروع الهيمنة الأمريكية على العالم رغم ضعف فكرته ومبدئه ومخالفة عقيدته لفطرة البشر، ما مهد لسقوطه في تسعينات القرن الماضي.
أما اليوم، وبعد بروز لوبي الطاقة في التكساس ولوبي التكنولوجيا في كاليفورنيا (حيث اصطفت شركات التكنولوجيا وراء ترامب في عهدته الثانية وانضمت بذلك إلى شركات النفط)، فها نحن نشهد عودة مبدأ مونرو للواجهة مع تصريحات للرئيس ترامب في 2025-2026، مستخدماً إياه لتبرير استعادة نفوذ الولايات المتحدة في الأمريكتين ضد منافسين مثل الصين وروسيا على غرار ما حدث في فنزويلا ويُراد حدوثه في كوبا، في الوقت نفسه الذي يلوح فيه بوضع يده على غرينلاند الدنماركية وضم كندا لأمريكا، بكل ما يعنيه ذلك من صلف وتسلط وغرور.
أمريكا وفلسفة الهيمنة: من دولة وراء البحر، إلى دولة فوق الدول
من زاوية نظر جيوسياسية، فإن ما وراء بحر الظلمات (المحيط الأطلسي) أرض لا تمثل سوى 6.5 بالمائة من مساحة اليابسة في العالم، هي أرض الولايات المتحدة، وتقع ضمن قارة تمثل ثلث مساحة اليابسة في العالم تقريبا، وهي أرض تقع بين محيطين، المحيط الأطلسي شرقا والمحيط الهادي غربا، ولكن الانتباه إلى فكرة التوسع والسيطرة عن طريق البحر باعتبار أن أكثر من ثلثي سطح الأرض مغطى بالماء، جعل من الاستراتيجية الأمريكية للسيطرة البحرية فكرة محورية في التاريخ العسكري الأمريكي.
فهذه الفكرة جعلتها تندفع نحو بناء أسطول بحري متطور (سفن حربية، حاملات طائرات، غواصات)، وتعمل على تقوية قوات المارينز حتى صارت قوة تدخل سريع للإنزال البرمائي في الأراضي الأجنبية، تؤمن دعم التدخلات العسكرية القصيرة المدى وحماية القواعد البحرية.
كما جعلتها تعمل على إنشاء قواعد استراتيجية عالمية بهدف تمكين الأسطول من التحرك بسرعة والتحكم في طرق الملاحة العالمية، مع السيطرة على الممرات البحرية الحيوية على غرار قناة بنما التي وضعت يدها عليها في 1914، من أجل السيطرة البحرية على كلا المحيطين الأطلسي والهادي.
صحيح أن البريطاني ماكيندر استطاع أن يفجر الحروب والصراعات حول قلب الأرض بنظريته الشهيرة، التي يرى من خلالها العالم بوصفه كيانا منقسما إلى قلب قاري صلب عصي على الاختراق تمثله الكتلة الأوراسية، وأطراف بحرية لينة تتأرجح دوما بين ضغط القوى البرية من الداخل والقوى البحرية من الخارج. فلم يكن مجرد أستاذ جغرافيا في جامعة أوكسفورد، وإنما كانت تحركه فكرة تأثير الجغرافيا على السياسة التي جعلته يحذر من خطر الداخل الأوراسي على القوة الأطلسية، فيجد لكلامه وأفكاره صدى عند صناع القرار، ممن اقتنعوا أن قلب الأرض (heartland) هو مفتاح السيطرة الجيوسياسية.
ولكن ذلك كله، ورغم صعود الاتحاد السوفيتي وبروز نظرية الاحتواء، لم يغير من قناعة الخبراء الاستراتيجيين في أمريكا حول أهمية سلطة البحر، وأثرها في بسط النفوذ على دول العالم، ما مهد لبناء دولة نجحت من وراء البحار والمحيطات في اختطاف العالم وإلغاء دور أوروبا كشريك لها في رسم السياسة الدولية، لتحرمها من التأثير الدولي كما حرمت روسيا والصين.
إن ألفريد ماهان هو أكثر من تكلم وكتب عن سلطة البحر، وهو صاحب مصطلح "الشرق الأوسط"، وباعتباره استراتيجيا وسياسيا دعا إلى تقوية الأسطول البحري الأمريكي، لا كضامن لسرعة التحرك والرد وحصار الأعداء، بل كضامن لانسياب التجارة العالمية باعتبارها ركيزة النظام الرأسمالي العالمي الذي تحرسه أمريكا، وظل يفكر ويكتب عن "قوة البحر" كخبير جيوسياسي لا كمجرد ضابط في البحرية. كان ماهان من أنصار الرئيس مونرو الذي فتح طرق التجارة أمام الأمريكيين، وقد رأى أن مصير أمريكا هو مصير بحري بامتياز.
أما مهندس "المسيرة الأمريكية الظافرة"، فهو عالم الجيوبوليتيك نيكولاس سبيكمان وهو خبير استراتيجي مشبع بأفكار الأميرال ماهان، وكان أساس تصوره يقوم على تشابه مميز بين البحر المتوسط في تاريخ أوروبا وشمال أفريقيا، وبين المحيط الأطلسي بالنسبة للحضارة الغربية في التاريخ المعاصر، ليصبح المحيط الأطلسي بحرا متوسطا لقارة أطلسية بضفتيها الأمريكية والأوروبية، ويسبق بذلك إلى تركيب الحلف الأطلسي قبل أن يفكر فيه أحد. غير أنه يختلف عن ماهان في نقطة جوهرية شكلت منعطفا في تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية ودافعا قويا لمشروع الهيمنة الأمريكية على العالم.
فبينما كان ماهان يعتبر الأساس هو السيطرة على البحار والمحيطات، كان سبيكمان ينظر للسيطرة على شريط الساحل (Rimland) مؤكدا على الوزن الجيوسياسي للحافة الأرضية التي تعطي نفوذا على البر الرئيسي الساحلي، وبالتالي الولوج إلى الأرض واختراقها، ولذلك كان سبيكمان لا يرى أن القوة العالمية تأتي من البحار في حد ذاتها، وإنما من السيطرة على النقاط الاستراتيجية البحرية بوضع اليد على الممرات المائية على غرار قناة بنما، قناة السويس، مضيق جبل طارق، مضيق هرمز، باب المندب، وهكذا...
فإذا كان من يسيطر على قلب اليابسة يحكم العالم (ماكيندر)، ومن يسيطر على الحواف يمنع ذلك (سبيكمان)، والأداة لتحقيق السيطرة هي البحر (ماهان)، فإن الفكرة العملية التي صاغت استراتيجية التوسع والهيمنة الأمريكية ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، هي منع أوراسيا (التي هي قلب العالم) من التوسع عبر تطويقها في "الريملاند" باستخدام القوة البحرية. هذه الفكرة ببساطة، جعلت من أمريكا أقوى دولة في العالم، وأكثر الدول قدرة في التاريخ الحديث على بسط هذا النفوذ العالمي، متجاوزة حدود جميع المحاولات الأوروبية، وهو ما احتفى به بريجنسكي سنة 1997 في كتابه (رقعة الشطرنج الكبرى) الذي اعتبر فيه أن السيطرة على القارة الأوراسية هو أساس السيطرة على العالم وأن أوراسيا هي رقعة الشطرنج التي يستمر فيها الصراع على السيطرة العالمية بل أهم بقعة في العالم لممارسة اللعب، حيث جاء فيه: "إن الولايات المتحدة الأمريكية هي دولة غير أوراسية، تتمتع بسيطرة دولية مع وجود قواتها منتشرة على ثلاثة حدود محيطية للقارة الأوراسية، والتي تمارس منها نفوذا على الدول التي تشغل المنطقة الخلفية الأوراسية".
والحدود البحرية الثلاثة لأوراسيا التي يتحدث عنها بريجنسكي، هي التالية:
أولا: الحد الغربي لأوراسيا - المحيط الأطلسي / أوروبا، حيث تتواجد أمريكا في أوروبا الغربية والبحر الأبيض المتوسط، من خلال قواعد بحرية في إيطاليا تشكل الأسطول السادس، فضلا عن حضور في النرويج وبريطانيا وإسبانيا، وتعزيز النفوذ البحري من خلال حلف الناتو. وذلك بهدف تطويق روسيا من الغرب، ومراقبة أوروبا الغربية ومحاولة التأثير في سياساتها، فضلا عن تأمين طرق التجارة عبر الأطلسي.
ثانيا: الحد الجنوبي لأوراسيا - الشرق الأوسط / الخليج العربي، من خلال الأسطول الخامس في البحرين فضلا عن 19 قاعدة عسكرية متمركزة في دول الخليج، وهذا يعزز النفوذ الأمريكي في الخليج والبحر الأحمر ومضيق هرمز، الذي يعتبر أخطر ممر طاقة في العالم، ولذلك تعمل في هذه المنطقة على حماية النفط والطاقة العالمية ومنع أي قوة إقليمية من السيطرة على المضائق الحيوية مع ضمان السيطرة على الريملاند الجنوبي لأوراسيا.
ثالثا: الحد الشرقي - المحيط الهادئ / شرق آسيا، حيث يتمركز الأسطول السابع في اليابان يوكوسوكا، فضلا عن قواعد بحرية في كوريا الجنوبية، سنغافورة، وأستراليا جزئياً. والهدف من ذلك تطويق الصين ومنعها من التوسع البحري، تحت غطاء حماية تايوان، اليابان، وكوريا الجنوبية، وهذا يمكنها في الحقيقة من السيطرة على الريملاند الشرقي.
وهكذا، وحين تدقيق النظر في فلسفة وجود الأساطيل البحرية الأمريكية عبر العالم، نجد أن الفكرة الرئيسية هي منع أي منافس دولي من التوسع نحو المحيطات المفتوحة وإشغاله بنفسه عن ذلك، وهي الفلسفة نفسها التي يمكن أن نفسر من خلالها دعم أوكرانيا ضد روسيا وإشغالها بالحرب عن التوسع، وضم السويد وفنلندا إلى الناتو أو التلويح بضم جزيرة غرينلاند الدنماركية كي لا تجرؤ روسيا على التفكير في التوسع في أوروبا الغربية، وكذلك ضخ المساعدات العسكرية لتايوان لمنع الصين من ضمها.
وبالعودة إلى غرينلاند كمثال حي لتطبيق هذه الفلسفة، فإن هذه الجزيرة التي تقع في أقصى المحيط الأطلسي هي بوابة شمالية لتأمين الريملاند الغربي لأوراسيا، تمكن أمريكا من السيطرة على ممرات المحيط الأطلسي الشمالي، ما يجعلها مكانا استراتيجيا للمراقبة المبكرة للأنشطة العسكرية الروسية القادمة من الشمال وربما قاعدة للصواريخ والدفاع الجوي ونظام الإنذار المبكر. وهو ما لم يخفه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضمن تصريح له مطلع العام 2026، حيث قال: إن سيطرة الولايات المتحدة على غرينلاند "ضرورية" لمنظومة "القبة الذهبية" للدفاع الجوي والصاروخي التي يخطط لإنشائها.
وكتب ترامب، الذي تعهد بالسيطرة على الجزيرة القطبية الشمالية من حليفته الدنمارك، على وسائل التواصل الإلكتروني: "تحتاج الولايات المتحدة إلى غرينلاند لأغراض الأمن القومي. إنها ضرورية لنظام القبة الذهبية الذي نبنيه". وأضاف: "يصبح حلف الناتو أكثر قوة وفعالية بكثير إذا كانت غرينلاند تحت سيطرة الولايات المتحدة. وأي شيء أقل من ذلك غير مقبول". (سكاي نيوز، 2026/01/14).
ولذلك فإن القاسم المشترك بين كوبا، والبحر الكاريبي، والخليج العربي، وسواحل أوروبا الشرقية وجزيرة غرينلاند، أنها جميعها ممرات ومواقع حيوية تمنح أمريكا نفوذا عالميا ظلت تحلم به طوال القرن الماضي.
لقد كان واضحا منذ عقود، دخول العالم في مرحلة أخطر وأنكى من وجود تكتلات دولية وتحالفات عسكرية لأكثر من دولة، على غرار حلف شمال الأطلسي. وهي مرحلة صعود دولة مارقة تعطي نفسها وظيفة الشرطي الدولي، بحيث تحولت أمريكا من مجرد دولة وراء البحار إلى سلطة دولية تعطي صلاحية إصدار العقوبات على من لا ينصاع لرأيها في حل المشاكل، من خلال هيئاتها ومنظماتها ومجلس أمنها. وهذا لا يعني إلا وجود دولة فوق كل الدول، وفوق القانون الدولي نفسه، وبذلك تكون هي صاحبة الرأي في تقرير المشاكل أو تقرير حل المشاكل أو تبرير المشاكل أنها ليست بمشاكل. والأفظع من ذلك أنها تتظاهر أمام العالم أجمع بالسعي لحل المشاكل الدولية وإنهاء الحروب وإحلال السلام، في الوقت نفسه الذي تتعمد فيه إيجاد المشاكل الدولية وإشعال الحرائق، ثم تجعل من حلها وسيلة لكسب المنافع واستغلال الشعوب وإيجاد السيطرة والنفوذ، وهذا يعني إيجاد المشاكل وتراكمها وتعقيدها دون أن تجد هذه الدولة رادعا يقف أمام جرائمها. فوجود العالم الآن على هذه الحال هو مشكلة في حد ذاته لا بد من حله، وحلها هو من مهمات دولة الخلافة الراشدة القادمة قريبا بإذن الله، وما لم تحل هذه المشكلة فإن الحروب والقلاقل والشقاء والتعاسة ستظل هي المسيطرة على بني البشر في ظل هذا النظام العالمي الذي أرسته أمريكا.
صورة لأمريكا، زمن الدولة الإسلامية
طبعا حين كان للمسلمين دولة، لم تنجح أمريكا في بسط نفوذها على أراضي الإسلام، حيث خاضت الدولة العثمانية حرباً ضد الولايات المتحدة، خلال الفترة من 1801 إلى 1804، انتهت بهزيمة الأمريكان وإذلالهم في أول حرب لهم خارج حدود البلاد، وذلك بعد رفضهم دفع الجزية للحاكم العثماني يوسف قرة مانلي، نظير دخول الأسطول الأمريكي إلى البحر المتوسط.
أثار رفض الأمريكان دفع الجزية للدولة العثمانية، غضب الوالي الذي أمر بتكسير سارية العلم الأمريكي في سفارة الولايات المتحدة بمدينة طرابلس الليبية، وإهانة السفير الأمريكي وطرده، وعلى خلفية ذلك، أرسل الرئيس الأمريكي حينها، توماس جفرسون، أسطول بلاده لتأديب والي طرابلس يوسف قرة مانلي، رداً على إهانته للولايات المتحدة، لتبدأ الحرب البحرية التي سرعان ما انتهت بكارثة على أمريكا حيث تمت محاصرة الأسطول الأمريكي وأُسرت أكبر سفنها "فيلادلفيا".
وفي سنة 1805، جهّز الأمريكيون جيشاً لغزو مدينة درنة شرق ليبيا، والثأرِ من الهزيمة الأولى، ودرنة كما نعلم هي عروس بُرقة أو درة المتوسط، وهي التي احتضنت أولى سرايا عقبة بن نافع رضي الله عنه، كما سبق ذكره، لكن سرعان ما استنجد والي طرابلس بقوات من المغرب والجزائر وتونس والدولة العثمانية التي أرسلت قواتها من عاصمة آخر خلافة للمسلمين، وانتهت المعركة بهزيمة شنيعة أخرى للجيش الأمريكي الذي خسر في يوم واحد قرابة 1800 من جنوده وأسر 700 آخرين، فيما حوصر الباقي.
وأدت هذه الهزيمة بأمريكا إلى توقيع اتفاقية مذلة لها مع ولاة تونس وطرابلس والجزائر والمغرب، بموجبها تدفع أمريكا تعويضاً للولايات الإسلامية عن كل جندي قُتل، وتدفع أيضاً الجزية مضاعفة عن السابق، والاعتذار للولايات الإسلامية الثلاث.
وإلى هذا اليوم، نجد "طرابلس" في نشيد البحرية الأمريكية (المارينز) الذي لم يتغير منذ ذلك الوقت، حيث يقول مطلعه "من قاعات مونتيزوما إلى شواطئ طرابلس نحن نحارب معارك بلادنا في الجو والأرض والبحر"، وذلك تخليدا لهذه المعركة التي يُراد لها أن تكون حاضرة في أذهان القوات البحرية أساسا، حيث دائما ما يلاحظ تعويل أمريكا على قوات المارينز المتخصصة في الإنزال البرمائي، تحت شعار: "الوصول أولا، القتال أولا".
ولم يكن من باب الصدفة أن يتصدر اسم السفينة الهجومية الأمريكية يو إس إس طرابلس (USS Tripoli) عناوين الأخبار العالمية مؤخرا، بعد التقارير التي كشفت عن تحركها نحو منطقة الشرق الأوسط ضمن تداعيات الحرب على إيران، لأن هذا التحرك لا يحمل دلالات عسكرية ورؤية استراتيجية للشرق الأوسط الكبير فحسب، بل يحيي اسما ارتبط بصراع طويل بين مشاة البحرية الأمريكية "المارينز" والأسطول الليبي في العهد القرمانلي فوق الأراضي الليبية منذ أكثر من قرنين.
دخلت السفينة الخدمة رسميا في تموز/يوليو 2020، وهي واحدة من أكثر السفن الهجومية تطورا في العالم. وهي مصممة لتكون قاعدة طيران عائمة حيث يبلغ طولها 844 قدماً، وتزن حوالي 44,000 طن، وعلى عكس السفن البرمائية التقليدية، تم تصميم سفينة "طرابلس" لتركز بشكل مكثف على العمليات الجوية، حيث تضم الوحدة الاستكشافية البحرية الـ31 المكونة من 3500 بحار ومشاة البحرية، إضافة إلى طائرات النقل والمقاتلات الهجومية، كما تستوعب أحدث مقاتلات الجيل الخامس من طراز إف 35. بعبارة أخرى، هي بمثابة قاعدة عسكرية جوية متنقلة داخل البحر.
والحقيقة أن هذه السفينة هي الثالثة في تاريخ البحرية الأمريكية التي تحمل اسم "طرابلس" والذي كان يطلق قديما على ليبيا الحالية. فقد بدأت هذه السلالة مع السفينة الأولى (USS Tripoli CVE-64)، وهي حاملة طائرات مرافقة دخلت الخدمة عام 1943 إبان الحرب العالمية الثانية حيث استخدمت في المحيط الأطلسي لمواجهة الغواصات الألمانية، ثم جاءت السفينة الثانية (USS Tripoli LPH-10)، وهي سفينة هجومية برمائية خدمت بين عامي 1966 و1995، وبرز اسمها في حرب فيتنام، لكن محطتها الأبرز كانت في مياه الخليج العربي عام 1991 فخلال العمليات العسكرية ضد العراق، تلقت السفينة ضربة مباشرة بلغم بحري عراقي، وصولا إلى السفينة الثالثة والأحدث (USS Tripoli LHA-7)، التي ينظر إليها الأمريكيون على أنها ذروة التطور التكنولوجي في السفن الحربية.
أمريكا وأمواج السيطرة البحرية على اليابسة
ثم بالعودة إلى نظرية سبيكمان التي ظلت مصدر إلهام للساسة والقادة في أمريكا (باستثناء قرار الحرب على أفغانستان تقريبا أين تاه جنود أمريكا بين الجبال الوعرة)، نجد أن كل الحروب والمعارك التي خاضتها الولايات المتحدة وحتى العمليات العسكرية المحدودة، كانت موجهة ضد دول ساحلية بالأساس، أي ضد الحافة الأرضية للدول المستهدفة (الريملاند)، أو بالأحرى ضد دول لديها منفذ بحري أو أكثر:
فمن الحروب البربرية مطلع القرن التاسع عشر، وحروب المكسيك (1846-1848) وحرب إسبانيا (1898)، إلى حروب أوائل القرن العشرين على غرار الحرب مع الفلبين (1899-1902) وعملية تمرد الملاكمين ضد الصين في 1900 والعمليات العسكرية المتعددة في نيكاراغوا (1912-1933)، واحتلال هايتي (1915-1934)، إلى الحرب العالمية وما بعدها، كمهاجمة ألمانيا واليابان في الحرب العالمية الثانية، ثم الحرب ضد كوريا الشمالية (1950-1953)، إلى الحرب الباردة ومعارك فيتنام (1955-1975) وكمبوديا (1969-1973) إلى حرب الخليج في تسعينات القرن الماضي وحرب الصومال (1992-1994) وقصف مصنع الشفاء في السودان (1998) وقصف صربيا في 1999 بغطاء أطلسي، وحتى غزو العراق في 2003 والتدخل العسكري في ليبيا (2011) والضربات الجوية على كل من سوريا والعراق واليمن، ثم استهداف إيران المطلة على بحر قزوين شمالا والخليج العربي جنوبا والحرص على وضع اليد على مضيق هرمز وجزيرة خرج، نجد أن كل من على هذه القائمة من الدول يمتلك شريطا ساحليا أو منفذا بحريا يجعله عرضة للهجوم والاعتداء من قبل أمريكا بغض النظر عن اختلاف أهداف كل عملية عسكرية وعن اختلاف مددها الزمنية (حروب طويلة، أو عمليات قصيرة المدى). ولذلك نجد أمريكا تركز في غالب الأحيان على تحشيد السفن الحربية والقيام بعمليات نوعية تحقق لها مبتغاها في الحواف الأرضية، وبخاصة تلك التي تمكنها من وضع يدها على الرقعة الأوراسية ومحاصرتها من كل جانب. أما الحروب البرية التقليدية فلا يبدو أنها من اختصاصها، ولا المواجهة المباشرة من شيم جنودها لأنهم ببساطة ليسوا أهل قتال. فالحروب البرية ليست كبسة زر، والتكنولوجيا والطائرات لا تغنيان عن صعوبات الأرض، ولا عن إرادة الشعوب الصامدة ولذلك تفقد العقيدة العسكرية الأمريكية فاعليتها كلما اقتربت أرض المعركة.
الخلافة في عيون أمريكا هي الخطر الحقيقي
ومع ذلك، لا ينبغي فهم هذه الاستراتيجية العسكرية عند المسلمين بمعزل عن الحرب الصليبية المعلنة منذ عهد بوش الابن وعن الدور الذي تحاول أمريكا لعبه إثر سقوط الاتحاد السوفياتي، والذي أصبح اليوم حجر الزاوية في سياستها التوسعية التي قد تضطرها إلى التلويح بحروب برّية أو حتى التورط فيها من أجل إزاحة التهديد الحضاري والوجودي المتمثل في صعود الإسلام وإمكانية عودة دولته الجامعة. بل إن الانجرار وراء كيان يهود ودعم عربدته في المنطقة والتورط وراء الحروب في غزة ولبنان وإيران وإعلان الحرب ضد كل ما هو إسلامي سنياً كان أم شيعيا، لهو دليل ساطع على أن البديل الحضاري الإسلامي الذي قد يفتكّ منها قيادة المنطقة بشكل نهائي لهو الخطر الداهم والصداع الحقيقي الذي يؤرق الإدارة الأمريكية، أكثر من خطر روسيا والصين مجتمعتين. وهو ما يجعلها تفقد جزءاً من العقلانية والبراغماتية التي دعا إليها بريجنسكي على سبيل المثال لمواجهة الصحوة السياسية العالمية التي يغذيها (التطرف الإسلامي) على حد تعبيره.
هذا الخطر المتنامي لتراكم الوعي الإسلامي وسرعة انتشاره عالميا أمام تراجع الحضارة الغربية وإفلاسها الفكري والقيمي والأخلاقي، جعل مديرة الاستخبارات الوطنية الأمريكية تولسي غابارد تطلق صيحة فزع خلال كلمة لها في مؤتمر لمؤسّسة Turning Point USA اليمينية نهاية العام 2025، حيث صرحت قائلة: "هناك تهديد لا نتحدث عنه بما يكفي: أعظم تهديد قريب وبعيد المدى لحريتنا وأمننا. إنه الأيديولوجيا الإسلاموية، لأنها تسعى إلى إنشاء خلافة عالمية تحكمنا حتى هنا في أمريكا، وتهدّد الحضارة الغربية، من خلال الحكم بالشريعة، والحكم بما يسمّونه مبادئهم الإسلامية، وإذا فشلت في الامتثال سيستخدمون العنف أو أيّ وسيلة يرونها ضرورية لإسكاتنا".
مثل هذه التصريحات العدائية ليست جديدة في حقيقة الأمر، إنما هي تأكيد على سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه العالم الإسلامي ونظرتها للإسلام، والتي تلخصها مقولة الجنرال السابق ونائب وكيل وزارة الدفاع لشؤون الاستخبارات في عهد جورج دبليو بوش، ويليام بويكن: "لا يوجد تهديد أكبر لأمريكا من الإسلام". وذلك في كلمة له ضمن مؤتمر بعنوان "كيف نستعيد أمريكا؟" في سانت لويس، ولاية ميزوري، الذي نظمته منظمة إيجل فوروم (Eagle Forum) سنة 2009. قال تعالى: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾.
لقد جاهرت أمريكا ولا تزال بعدائها الواضح للإسلام والمسلمين في كل مكان، وغيرت اسم وزارة الدفاع لتصبح وزارة الحرب. ثم جاءت بمن يعتبر نفسه أحد قادة الحملة الصليبية الجديدة على الإسلام والمسلمين، بيت هيغسيث، وعينته على رأس هذه الوزارة، ليعلن بنفسه الحرب الصريحة ضد النبوءات الإسلامية رأساً، ويناطح الإسلام دينا ووحياً فيعتبر النبوة وهماً، ويبرر كل جرائم أمريكا الداعمة لكيان يهود والمحاربة للمسلمين كافة. ولهذا الوزير نظراؤه وأمثاله بلا شك في التيار اليميني المحيط بالرئيس ترامب، ممن يعتقدون بأن تأسيس دولة (إسرائيل) "جزء من خطة إلهية تنتهي بمجيء المسيح". ويكفي أن نستشهد في هذا السياق بما كتبه هيغسيث في كتابه "الحروب الصليبية الأمريكية"، حيث قال حرفيا: "كما فعل الصليبيون المسيحيون الذين صدّوا الجحافل المسلمة في القرن الثاني عشر، سيتعين على الصليبيين الأمريكيين إظهار الشجاعة نفسها في مواجهة الإسلاميين". بل وصلت به الحالة العدائية إلى التصريح في مؤتمر صحفي بالقول: "إن أمريكا حاليا تحارب العدو الإسلامي سواء كان من السنة أو الشيعة".
خاتمة:
إن عقبة بن نافع رحمه الله، لم يكن يعلم زمن الخلافة الراشدة أن وراء بحر الظلمات أرضاً، ستكون حاضنة لدولة صليبية مارقة مثل أمريكا، ولكن أمة الإسلام اليوم صارت ترى أمام أعينها حجم الاستعلاء ومدى العنجهية التي تميز سلوك هذه الدولة المتوحشة في علاقتها ببقية سكان الأرض، والمستمدة مما يمكن تسميته بـ"أمان المحيطيْن" في التفكير الأمريكي.
نعم، هناك بالفعل عنصر استراتيجي نفسي وجيوسياسي يزيد من حجم الغرور الأمريكي ويصنع شعورا بالغطرسة الاستراتيجية أو الثقة المفرطة لدى صناع القرار الأمريكيين، ويعود هذا إلى موقع الولايات المتحدة الفريد بين المحيط الأطلسي والمحيط الهادئ، وبُعدها عن المراكز البرية لنفوذ أوراسيا أو مناطق الصراع الإسلامي المباشر.
يضاف إلى هذا العنصر عناصر أخرى، أهمها تحكّمها العالمي في قطاع الطاقة، وطفرة الذكاء الصناعي وتفوقها التكنولوجي الذي يضمن لها التجسس على الشعوب والحكومات واختراق الخصوصيات والسيطرة على البنية التحتية الرقمية عالميا، والقدرة على التأثير السياسي وفن التجسس كجزء أصيل من فن الحكم (كما جاء في مقالة مدير وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) ويليام ج. بيرنز مطلع العام 2024)، فضلا عن التفوق العسكري الذي يضمن القدرة على التحرك بسرعة في أي بقعة في العالم.
إلا أن تسلط هذه الدولة عالميا، وافتعالها للأزمات، وإهراقها للدماء وإشعالها للحرائق في كل مكان، وغرورها المتنامي، سيجعلها بلا شك تحترق بالنار التي تشعلها، فتعجل بانهيارها وتراجع نفوذها ودفع ضريبة استكبارها، ﴿اسْتِكْبَاراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾.
كما أن ضعف قيادتها الفكرية وخسارة تحالفاتها الاستراتيجية وتسببها في الأزمات الاقتصادية العالمية، كلها عوامل تعجل من سقوط ولايات الشر الأمريكية المتحدة.
والأهم من هذا وذاك، أنها دقت بنفسها ساعة النهاية لتكتب فصول زوالها كإمبراطورية، فهرولة السفن الحربية إلى الشرق الأوسط وخسارة النفوذ في البحار، والهزائم في ساحات الفكر والسياسة، والتصدع في البنية الداخلية، وتخبط السياسة الخارجية وفقدان الثقة الدولية، ثم الانكسارات العسكرية البحرية، ليست مجرد انتكاسات متفرقة، بل هي دقات أولى في ساعة تراجع أعظم قوة اعتمدت على إرث ماهان وسبيكمان. ففي غياب السيطرة على الممرات البحرية، وضعف الهيمنة على الأطراف الساحلية الحيوية، وفشل الحلول الدبلوماسية والعسكرية، يبدأ العالم في إعادة رسم خارطته، وتبدأ أمريكا، ببطء وبتؤدة، في سحب جناحيها من السماء التي اعتادت أن تحلق فيها بلا منازع.
اليوم وقد كشرت عن أنيابها وأعلنتها حربا صليبية، وتحالفت فيها مع الصهيونية، ضد النبوءات الإسلامية، واتخذت من الخلافة الإسلامية عدوا لها، وجيشت من أجل قتل المسلمين عدتها وعتادها، فإن ردعها وإلزامها حجمها هو واجب شرعي على عاتق الأمة الإسلامية، لأنها الوحيدة القادرة على تخليص البشرية من شرها، ولا سبيل لذلك إلا بإقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة.
نعم، لقد آن أوان استعادة أمجاد عبد الله بن أبي سرح في أول وأعظم معركة بحرية، معركة ذات الصواري، حيث يُكتب التاريخ بماء البحر وسيوف الرجال. آن أوان أن تُصنع ملاحم جديدة على نهج القادسية واليرموك، ملاحم لا يعرفها الزمان إلا عن عزيمة الأبطال. آن أوان أن يتجدد صدى بطولات طارق بن زياد فاتح الأندلس، حين أطل بخطبته الخالدة: "البحر من ورائكم، والعدو أمامكم"، ليحرك القلوب قبل أن تحرك الجيوش. آن أوان تحقيق بشارة رسول الله ﷺ بفتح رومية بعد القسطنطينية، وأن تُرفع راية الحق فوق المدى. بل آن أوان استكمال مسيرة عقبة بن نافع رضي الله عنه، حيث تستمر خطوات الفتوحات على دروب العظمة، متوهجة بإرادة الرجال وعزمهم الذي لا يلين، آن أوان إتمام مشواره العسكري وتحقيق رجائه في غزو البحر الأطلسي، فيتحقق للمسلمين فتح أمريكا ورفع راية العقاب فوق البيت الأبيض، ليدرك العالم أجمع أن أمريكا هذه ليست سوى نمر من ورق، وما هزائمها وتمريغ أنفها في التراب في العراق وأفغانستان والصومال واستهداف قواعدها وبوارجها وطائراتها من قبل إيران التي كانت حليفة لها في غزو العراق وأفغانستان إلا مقدمات للنصر الذي ستحرزه الدائرة الحربية لدولة الخلافة القادمة قريبا بإذن الله. ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾.
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «غَزْوَةٌ فِي الْبَحْرِ خَيْرٌ مِنْ عَشْرِ غَزَوَاتٍ فِي الْبَرِّ، وَمَنْ أَجَازَ الْبَحْرَ (عبره في سفينة)، فَكَأَنَّمَا أَجَازَ الْأَوْدِيَةَ كُلَّهَا، وَالْمَائِدُ فِيهَا (الذي يصيبه الدوار والقيء) كَالْمُتَشَحِّطِ فِي دَمِهِ (المتمرغ في دمه)» رواه الحاكم في المستدرك.
كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
المهندس وسام الأطرش