Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

الإعلام كقوة سياسية واقتصادية

من يملك المنصة يملك جزءاً من القرار

 

 

لم يعد الإعلام في عالم اليوم مجرد ناقل للأخبار، أو وسيط بين الحدث والجمهور. لقد تجاوز ذلك بكثير، وأصبح قوة قائمة بذاتها؛ قوة قادرة على صناعة الرأي العام، وتوجيه النقاش السياسي، والتأثير في الاقتصاد، وإعادة تشكيل قيم المجتمع، بل المساهمة في تحديد صورة الإنسان عن نفسه، وعن مجتمعه، وعن العالم الذي يعيش فيه.

 

ولهذا، لم تعد المعركة في عالمنا المعاصر تدور فقط حول من يمتلك السلاح، أو من يملك المال، أو من يسيطر على الأرض، وإنما أصبحت أيضاً تدور حول سؤال أكثر عمقاً: من يملك القدرة على صناعة الرواية التي يصدقها الناس؟ فمن يملك المنصة لا يملك بالضرورة الحقيقة، لكنه يملك قدرة كبيرة على تحديد ما يصل إلى الناس من معلومات، وكيف تصل إليهم، وما الذي يوضع في المقدمة، وما الذي يُدفع إلى الهامش. وهنا تبدأ القوة الحقيقية للإعلام.

 

حين تقع حادثة سياسية أو اقتصادية أو عسكرية، فإن الحدث في ذاته شيء، والطريقة التي يُقدَّم بها هذا الحدث شيء آخر. فالحدث قد يكون واحداً، لكن الروايات حوله يمكن أن تكون متعددة. فقد ترى وسيلة إعلامية أن ما حدث انتصار، بينما تراه أخرى هزيمة. وقد تصف وسيلة ما شخصاً بأنه إصلاحي، بينما تصفه أخرى بأنه مفسد. وقد تقدم جهة سياسية باعتبارها ممثلة للشعب، بينما تقدمها جهة أخرى باعتبارها سبباً في الأزمة.

 

فأين تكمن الحقيقة؟ الحقيقة لا تختفي بالضرورة، لكنها قد تُحاصر داخل طريقة تقديمها. وهنا تظهر إحدى أخطر وظائف الإعلام: صناعة الإطار الذي يرى الناس من خلاله الحدث. فقد يموت مليون شخص، ثم تُختزل القصة كلها في صورة طبيب واحد، فتتجه الأسئلة والاستغراب نحو هذا الطبيب: لماذا فعل؟ وكيف فعل؟ ومن المسؤول؟ بينما يغيب عن المشهد السؤال الأكبر: ماذا حدث لهؤلاء الملايين؟ وما الأسباب التي أدت إلى موتهم؟ ومن يتحمل المسؤولية عن المأساة كاملة؟

 

فالإعلام لا يقول للناس دائماً ماذا يفكرون، لكنه يستطيع، بدرجة كبيرة، أن يحدد لهم في ماذا يفكرون، ومن أي زاوية ينظرون إلى ما يفكرون فيه.

 

"من يكتب الرواية يملك نصف المعرفة" ليست مجرد عبارة أدبية. فالذي يملك الرواية يستطيع أن يختار الشخصيات، ويحدد البداية والنهاية، ويحدد من يتحدث ومن يصمت، ومن يظهر في الصورة ومن يختفي منها. يمكنه أن يروي القصة من لحظة معينة، ويتجاهل ما سبقها، ويمكنه أن يركز على نتيجة معينة، ويتجاوز الأسباب التي أدت إليها. ويمكنه أن يكرر مشهداً واحداً حتى يصبح المشهد في ذهن الجمهور هو القصة كلها.

 

ولهذا فإن الصراع على الرواية ليس صراعاً على الكلمات فقط، وإنما هو صراع على المعنى. ومن ينجح في فرض معناه على الحدث، ينجح في التأثير في مواقف الناس تجاهه.

 

اعتاد الناس أن يسموا الإعلام "السلطة الرابعة"، إلى جانب السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، لكن تأثير الإعلام اليوم تجاوز، في كثير من الأحيان، هذا التصنيف التقليدي. فالإعلام يستطيع أن يضغط على الحكومة، وأن يحرج المسؤول، وأن يرفع قضية إلى مقدمة المشهد، وأن يدفع المجتمع إلى النقاش حولها، وأن يخلق حالة شعبية قد تؤثر في القرار السياسي. وفي المقابل، يمكنه أن يفعل العكس تماماً؛ يمكنه أن يصمت عن قضية مهمة، وأن يقلل من شأنها، ويغرقها في تفاصيل ثانوية، فيجعل الجمهور ينتقل إلى قضية أخرى قبل أن تتشكل حول القضية الأولى حالة وعي حقيقية. وهذا ما تمارسه أغلب القنوات العالمية والإقليمية بدرجات وأشكال مختلفة.

 

وهنا ندرك أن الصمت الإعلامي قد يكون أحياناً موقفاً سياسياً بحد ذاته.

 

عندما نحلل الإعلام، غالباً ما نسأل: ماذا قال؟ لكن السؤال الأهم أحياناً هو: ماذا لم يقل؟ لماذا تصدرت هذه القضية نشرات الأخبار؟ ولماذا اختفت قضية أخرى؟ ولماذا استُضيف هذا الخبير عشر مرات؟ ولماذا لم يُستدعَ خبير آخر؟ ولماذا أُعطيت قضية معينة ساعات من النقاش؟ ولماذا لم تحصل قضية تمس حياة الملايين إلا على دقائق؟

 

إن تحديد مساحة الاهتمام جزء من صناعة الوعي. فالإنسان لا يستطيع أن يهتم بكل شيء في الوقت نفسه، ولذلك فإن من يملك القدرة على جذب انتباه الملايين يستطيع أن يشارك في تحديد أولويات المجتمع.

 

فالسلعة الأساسية في الإعلام الحديث ليست الورق، ولا الشاشة، ولا الميكروفون... إنها الانتباه. فوقت الإنسان أصبح مورداً اقتصادياً. والمنصة التي تستطيع أن تحصل على انتباه ملايين البشر تستطيع أن تحول هذا الانتباه إلى إعلانات، وأرباح، وبيانات، ونفوذ، وتأثير... ولهذا أصبحت المنافسة الإعلامية، في كثير من الأحيان، ليست على تقديم أفضل محتوى، وإنما على تقديم المحتوى القادر على إبقاء الإنسان أطول فترة ممكنة أمام الشاشة.

 

وهنا تظهر المشكلة؛ لأن ما يجذب الانتباه ليس دائماً ما يبني الوعي. فالخبر الصادم يجذب والفضيحة تجذب والخلاف يجذب والغضب يجذب والمشاجرة تجذب والمعلومة السريعة تجذب... لكن الكتاب، والتحليل العميق، والبحث العلمي، والنقاش المتزن، وفهم جذور المشكلات، تحتاج إلى وقت وصبر وتركيز. وهكذا قد يصبح الأكثر إثارة أكثر ربحاً من الأكثر فائدة.

 

عندما تتحول التفاهة إلى صناعة! التفاهة هنا لا تعود مجرد ظاهرة مجتمعية عابرة، بل يمكن أن تتحول إلى صناعة متكاملة. شخصية مثيرة للجدل تجذب المشاهدات، والمشاهدات تجذب الإعلانات، والإعلانات تمول المزيد من المحتوى، والمحتوى يخلق شخصية أكثر شهرة، والشهرة تجلب المزيد من المشاهدات، وهكذا تدور الدائرة. فيصبح الإنسان الذي يمتلك القدرة على إثارة الجدل أكثر قيمة في سوق الانتباه من الإنسان الذي يمتلك معرفة عميقة ولا يعرف كيف يحولها إلى مادة جذابة. وهنا تكمن المفارقة: قد يصبح الجهل قابلاً للتسويق، بينما تصبح المعرفة عاجزة عن المنافسة إذا لم تجد وسيلة جيدة للوصول إلى الجمهور. وهذه ليست مشكلة الإعلام وحده؛ إنها مشكلة مجتمع بأكمله.

 

كيف تتحول التفاهة إلى إضعاف للوعي؟ المشكلة ليست في أن يشاهد الإنسان محتوى ترفيهياً؛ فالإنسان يحتاج إلى الراحة والترفيه. المشكلة تبدأ عندما تصبح التفاهة هي المحتوى الغالب، وعندما يصبح المحتوى الجاد استثناءً. فالإنسان الذي يستهلك يومياً ساعات طويلة من المحتوى السريع والمتقطع قد يفقد تدريجياً قدرته على التركيز الطويل، وذلك في جوانب مختلفة من حياته، وهذه هي الطامة الكبرى. فيصبح الكتاب ثقيلاً، والتحليل مملاً، والنقاش المعقد مزعجاً، والقضية التي تحتاج إلى قراءة وفهم تبدو أقل جاذبية من مقطع مدته ثلاثون ثانية. وهنا لا يكون الإعلام قد منع المعرفة، بل فعل شيئاً أكثر نعومة: جعل الإنسان غير راغب في بذل الجهد الذي تحتاجه المعرفة.

 

الإعلام قوة اقتصادية: لا يقتصر تأثير الإعلام على السياسة والمجتمع؛ فالاقتصاد أيضاً يتأثر بالصورة الإعلامية. فالاستثمار يحتاج إلى ثقة، والأسواق تتأثر بالتوقعات، والشركات تتأثر بسمعتها، والدول تتأثر بصورتها أمام المستثمرين والسياح والمؤسسات الدولية. ومن هنا يمكن أن تصبح الصورة الإعلامية ذات قيمة اقتصادية حقيقية. يمكن أن تساعد حملة إعلامية في بناء الثقة ببلد أو شركة، ويمكن لحملة سلبية أن تضر بسمعة بلد أو مؤسسة. وهكذا تتحول المعلومات إلى قوة اقتصادية، والصورة إلى أصل اقتصادي، والرواية إلى أداة يمكن أن تؤثر في القرارات الاقتصادية.

 

من يدفع ثمن الإعلام؟ إنشاء مؤسسة إعلامية كبيرة يحتاج إلى المال. والقنوات تحتاج إلى استوديوهات وموظفين وتقنيات وبث، والصحف تحتاج إلى تمويل، والمنصات الرقمية تحتاج إلى بنية تقنية ضخمة، والإعلانات أصبحت مصدراً أساسياً من مصادر تمويل المحتوى. ومن هنا تنشأ علاقة معقدة بين الإعلام ورأس المال. ولا يعني وجود هذه العلاقة بالضرورة أن كل مؤسسة إعلامية خاضعة لمالكها أو لمعلنها، لكن تجاهل تأثير المال على الإعلام سيكون تبسيطاً شديداً للمشهد. فمن يدفع تكلفة المؤسسة يمتلك بالضرورة قدرة على التأثير في بيئتها، بدرجات مختلفة وبأشكال متعددة. وأحياناً لا يحتاج صاحب النفوذ إلى أن يقول للصحفي: "اكتب هذا"، بل يكفي أن تكون هناك حدود غير مكتوبة يعرف العاملون داخل المؤسسة أنهم لا ينبغي عليهم أن يتجاوزوها. وهذا النوع من التأثير قد يكون أكثر تعقيداً من الرقابة المباشرة.

 

كثرة المعلومات... هل تعني زيادة الوعي؟ قد يكون أمام الإنسان اليوم ملايين الساعات من المحتوى، لكنه لا يعرف بالضرورة كيف يميز بين المعرفة والدعاية، وبين التحليل والتضليل، وبين الخبر والرأي. بل إن كثرة المعلومات نفسها قد تتحول إلى وسيلة لإغراق الإنسان. وهنا تظهر إحدى أخطر نتائج الإعلام عندما يتحول إلى صناعة للفرجة. فبدل أن يكون المرء مشاركاً في الشأن العام، يصبح متفرجاً عليه. يتابع الانتخابات كأنها مباراة. يتابع الأزمات السياسية كأنها مسلسل. يتابع الصراعات بين السياسيين بدل أن يناقش السياسات التي تؤثر في حياته. يناقش الأشخاص بدل المؤسسات. وينشغل بالتصريحات بدل القرارات. وفي النهاية تتحول السياسة إلى مسرح للمشاهدة بدل أن تكون مجالاً للمشاركة والمسؤولية.

 

الأمة التي لا تملك روايتها: وهنا نصل إلى القضية الكبرى؛ إذا كانت الرواية تصنع جزءاً من الوعي، فمن الطبيعي أن يكون امتلاك أدوات إنتاج الرواية مسألة استراتيجية. الأمة التي لا تنتج كتبها وأبحاثها وأفلامها ووثائقها وبرامجها وتحليلاتها ومحتواها المعرفي، ستظل تعتمد على الآخرين في تفسير العالم لها.

 

 

وقد لا تكون المشكلة في أن تقرأ ما ينتجه الآخرون؛ فالاستفادة من تجارب الأمم أمر طبيعي ومطلوب. المشكلة أن تصبح رواية الآخرين هي المصدر الوحيد لفهم الذات والعالم. فإذا تركت الأمة للآخرين مهمة تعريفها، فقد يأتي اليوم الذي تبدأ فيه الأجيال الجديدة بالنظر إلى تاريخها من خلال عيون غيرها، وإلى حاضرها من خلال تفسير غيرها، وإلى مستقبلها من خلال الخيارات التي يرسمها الآخرون.

 

استعادة الإعلام تعني استعادة القدرة على صناعة الوعي: إن استعادة الدور الحقيقي للإعلام لا تعني تحويله إلى منبر للدعاية، ولا أن يصبح صوتاً واحداً يكرر خطاباً واحداً، بل تعني بناء إعلام يحترم عقل الإنسان؛ إعلام يقدم الحقيقة بقدر ما يستطيع، ويفصل بين الخبر والرأي، ويعترف بالتعقيد، ويتيح النقاش، ويكشف التلاعب، ويعطي القضايا الكبرى حقها من البحث والتحليل. إعلام لا يرى الإنسان مجرد مشاهد، وإنما يراه إنساناً ينبغي أن يخرج من أمام الشاشة أكثر فهماً للعالم، لا أكثر تشوشاً فيه.

 

امتلاك الرواية... واستعادة الإنسان: في النهاية، لا يمكن أن نفصل الإعلام عن معركة الأمة على مستقبلها. وفي نهاية المطاف، لا يمكن للأمة أن تستعيد قوتها وهي تترك عقلها لغيرها، ولا يمكنها أن تستعيد دورها وهي تكتفي باستهلاك الأفكار والروايات التي ينتجها الآخرون.

 

لقد آن الأوان أن ندرك أن معركتنا الحقيقية ليست فقط في امتلاك الاقتصاد، وبناء المؤسسات، وتطوير التكنولوجيا، وإنما في امتلاك الإنسان الذي هو أصل كل ذلك، وهو الذي يقود كل ذلك. فإذا غاب المبدأ، أصبحنا ننتقل من فكرة إلى فكرة، ومن نموذج إلى نموذج، ومن تقليد إلى تقليد، نبحث كل يوم عن إجابة عند الآخرين، ونستعير منهم حتى الطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا. أما حينما نعود إلى مبدئنا، ونفهمه فهماً واعياً، ونجعله أساساً للتفكير والعمل، وأن يكون شرع الله هو الذي يُطبَّق على هذه الأمة، فإننا نستعيد هويتنا، ونمتلك الرواية، ونمتلك التعليم، ونمتلك كل الأدوات التي حُرمنا منها، والتي عُبث بها في أجيالنا.

 

إن العمل لإقامة دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، كما نراه، هو الطريق الذي سيعيد لنا كرامتنا وعزنا وفهمنا وقوتنا، وأن نبني أجيالاً تقود العالم، وأن نخرج من هذه التفاهة التي أُقحِمنا فيها، وسُرقت منا أجيالنا.

 

اللهم عجّل لنا بها، اللهم عجّل لنا بها.

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

 

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.