Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

أن نصبح أمّةً تُحيي العالم

 

(مترجم)

 

لم يقتصر يوم 28 رجب 1342هـ، الموافق لـ3 آذار/مارس 1924م على هدم الخلافة واستبدال نظام حكم جديد بها، بل إن إزالة هذا النظام الإسلامي، مزّق كيان المسلمين الواحد إلى عشرات المزق؛ 57 مزقة اليوم. جعلهم ذلك عرضةً للظلم والاستغلال والقتل والاستعباد. ومع زوال الخلافة، أصبحت الأمة الإسلامية تُعاني من الخلافات والنزاعات، كما كانت تعاني منها الأمم السّابقة، ما جعلها عاجزةً عن الرؤية والفهم والتفكير والتخطيط ووضع الأهداف واتّخاذ الإجراءات والدفاع عن نفسها ضدّ الهجمات كما تفعل الأمة الواحدة. صحيحٌ أنّهم يشعرون بالتّرابط في مشاعرهم، إلا أن التباينات في أفكارهم وسياساتهم تُعيق تماسكهم. ويتزايد عدد المسلمين يوماً بعد يوم، لكنهم فقدوا ثرواتهم وسقفهم الآمن. نسمع ذلك خاصة من المسلمين في غزة، والمسلمين المضّطهدين في أماكن أخرى: "أين الأمة؟!"

 

صحيحٌ أن كلمة أمّة اليوم تتردّد على ألسنة الجميع، ولكن مع الأسف، لا يمكن أن يصبح الناس أمةً حقاً دون إدراك الفرق بين المفهوم البدائي للأمة والمفهوم الإسلامي الأسمى والحيوي.

 

كلمة أمة مشتقة من الجذر "أ م م"، الذي يحملُ معاني مثل: "النية، والهدف، والطلب، والقيادة، والرّيادة، والتقدم، والتحفيز، والإدارة". (سان العرب لابن منظور، القاموس المحيط).

 

وفي هذا السّياق، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾.

 

استخدم القرآن كلمة وسط مقرونةً بكلمة أمة، مؤكداً معناها وغايتها. في اللغة العربية، يمكن تلخيص كلمة وسط بأنها المركز الذي تجتمع فيه القيمة والقوة والجمال. فالمركز دائماً هو القمّة! وبالتالي، فإنّ القدرة على أن تكون الأمة الإسلامية هي الأثمن والأعدل والأكرم، هي العنصر الأساسي الذي يؤهلها لتكون شاهدة على البشرية جمعاء. فالأمة الإسلامية، كقمة الجبل البارزة التي تلفت الأنظار من بعيد، وهي الأبرز والأكثر تميزاً والأعلى شأناً، كانت ولا تزال حاضرةً أمام أعين البشرية جمعاء، وهي دليلها.

 

وبالمثل، يُطلق على الشخص أو الفرع الأكثر احتراماً وتكريماً في المجتمع أو القبيلة وَسَطُ قَوْمِهِ، وَاسِطُ قومه، أي الأنبل والأبرز. وقد جعل ربنا هذه الصّفة عنواناً خاصاً بالأمة الإسلامية بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ اُمَّةٍ اُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾. وفي تكملة الآية يربط سبحانه هذا التمييز بالشّرط: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ﴾ إلى واجب الإمام، وهو مشتق من نفس جذر كلمة الأمة.

 

بما أنّ الإمام هو القائد الذي يجمع الناس ويوحدهم، فإنّ الجماعة التي تتشكل حوله تُسمى أيضاً أمة. وفي هذا السّياق، تُعرَّف الأمة بأنها جماعة واعية اجتمعت حول قائد لغرض محدد.

 

إنّ الاجتماع الواعي حول قائد معين لغرض محدّد يعني التوحّد على فكرة أو عقيدة - دين - فيضمنُ التماسك والوحدة. وقد أوضح الله تعالى أنّ وحدة الأمة لا تتحقق إلا بالدين، أي بنظام حياة قائم على عقيدة.

 

وبناءً على ذلك، استخدم القرآن الكريم كلمة أمة كمرادف لكلمة دين. فعلى سبيل المثال، يقول ربنا سبحانه في الآيتين 22 و23 من سورة الزخرف: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلٰى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلٰى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ * وَكَذٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلٰى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلٰى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾.

 

أخبرنا الله سبحانه وتعالى أنّه على الرّغم من أنه خلق البشرية أمةً واحدة، إلا أن الناس وقعوا في اختلاف (انقسام) باتّباع أهوائهم، والانحراف عن الطريق الذي أراهم الله إياه، وإنكار الأنبياء الذين أُرسلوا إليهم منذرين وداعين إلى الحقّ من ربهم، وهكذا أصبحوا منقسمين ومتفرقين: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾.

 

بينما تدل كلمة أمة على الوحدة والتماسك والتجانس وبنية اجتماعية ذات صراع داخلي محدود، فإنّ مصطلح اختلاف يدلُّ على الانفصال والصّراع والتّباعد. ولهذا السبب، حدّد الله سبحانه وتعالى، وهو ربنا وربّ العالمين، الغاية الواعية للأمة الإسلامية بعبادته وحده، ﴿إِنَّ هٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُون﴾.

 

ولكي يمنعها من الانقسام بالابتعاد عن عبادته، كما فعل البشر في البداية، أمر الله سبحانه وتعالى بما يلي: ﴿وَاِنَّ هٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾.

 

أليست هذه الآية هي التي تُبين بوضوحٍ تامٍّ الظلام الذي يُعاني منه المسلمون اليوم؟ ينبغي للمسلمين، مهما بلغ عددهم، أن يعيشوا كأمةٍ واحدة، كجسدٍ واحد، وأن يتصرفوا كجسدٍ واحد. ليس هذا مجرد ضرورةٍ للبقاء، بل هو أمرٌ من الله. وأي شيءٍ غير ذلك يُؤدي إلى الذلّ في الدنيا والآخرة. لا شكّ أن هناك رباً واحداً فقط (الله) قادراً على تنظيم البشرية وهدايتها. فالله هو الجّبار، والملك، والحاكم، والمالك والمصلح، والحاكم، والسّلطة المطلقة، هو الربّ الوحيد! ربُّ السماوات والأرض والعوالم جميعها، هو القادر على تنظيم البشرية جمعاء؛ لأنه القوي. هذا ما شهدنا به حين أقسمنا "لا إله إلا الله". لكن بدل أن نضع ثقتنا في الله رب العالمين، الذي يُنظم ويُدبّر جميع قواعد وأنظمة الحياة، فقد حُكم علينا بالتفتت على يدّ حكّامٍ عملاء لا يخشون قدرة الله ولا عظمته ولا غضبه، بل يخشون القوانين والأنظمة والقوى الدولية التي تحافظ على الحدود الوطنية التي رسمتها قوى استعمارية كافرة عابرة من أجل بقائها الرأسمالي. هؤلاء العملاء هم من يتركون المسلمين اليوم منفصلين، مُجرّدين من أجسادهم، مهجورين، وبلا شعور بالانتماء. فبدلاً من التقوى، أي خشية الله، يخشون كل شيء وكل شخص إلا الله: أمريكا، أوروبا، الصين، وما إلى ذلك. هؤلاء القادة الجبناء عديمو المبادئ يُقسّموننا إلى أجزاء يسهل هضمها للوحوش الجشعة المتعطشة للدّماء. ومع ذلك، فقد حذّرنا رسول الله ﷺ من هذه النتيجة بالذات؛ حيث قال النبي ﷺ: «يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا»‏.‏ فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهَنَ»‏.‏ فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهَنُ؟ قَالَ: «حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ» رواه ‏أبو داود

 

عندما قدّم المسلمون الخوف من العباد على الخوف من الله (التقوى)، أزال الله الخوف منهم من قلوب الكفار. والآن، يمارسون الظّلم في أي مكان في العالم كما يحلو لهم، ويرتكبون الإبادة الجماعية، ولا يرحمون حتى أبناء جلدتهم. يشعلون الحروب في أرجاء المعمورة متى شاؤوا، ويثيرون العداوات تحت راية القومية، وكأن ذلك لم يكن كافياً، فهم يزرعون الفتنة بين البشر من خلال العنصرية. ولأنّه لا توجد أمة إسلامية تقف في وجههم أو تكسر شوكتهم، فهم قادرون على إظهار وحشيتهم في أي مكان في العالم وفي أي وقت. أولئك الذين يفرضون القومية كقيمة عُليا، بات بإمكانهم الآن عبور حدود الدول الأخرى وشنّ عمليات عسكرية، بل واختطاف قادة الدول متى شاؤوا واستبدال من يختارون بهم. لا يملك الكفار المستعمرون شيئاً في أيديهم يمكن أن يوحد البشرية في وئام وسلام ورخاء وعدل، ولا يسعون إلى ذلك أصلاً، لأن أي شكل من أشكال الوحدة يُعد تهديداً لبقائهم. ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتّٰى ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾.

 

لكنّ الله ربّ العالمين هو القادر على توحيد جميع الأديان واللغات والأعراق تحت سقف آمن وعادل ومزدهر! هو الله الذي وحّد بالإسلام قلوب الأعداء ليصبحوا قادة في العالم على العدل والأخلاق، وليكونوا الأمة الوسط. ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّٰهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللّٰهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَاَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلٰى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ اللّٰهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.

 

لم تُسفر النزعات القومية والتعصّب والعنصرية والطائفية إلا عن عداوة الناس بعضهم لبعض. ولهذا السّبب، فإنّ مجرد كون المرء مسلماً لا يكفي. كما أن عدد المسلمين، سواء أكان قليلاً أم كثيراً، لا يُعتد به في حد ذاته. ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّٰهِ﴾

 

وهذا يعني أنّ أهم معيار للخروج من الظلام هو أولاً أن يكون المرء مسلماً، ثم أن يتّحد مع المسلمين الآخرين في جسد واحد، ألا وهو الأمة الإسلامية. ولكن لتحقيق ذلك وفقاً لمعنى كلمة أمة وأمر الآية الكريمة التالية، لا بدّ من وجود جماعة ترشد الآخرين وتقتدي بهم في الطريق الذي رسمه الله وتجسده في سيرة رسوله ﷺ. ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ اُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُو۬لٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.

 

هذا يعني أنّه لتحقيق الخلاص الذي وعد به الله، لا بدّ من وجود جماعة خاصة تقود المجتمع الإسلامي بأسره. وأبرز ما يميّز هذه الجماعة هو دعوتها إلى الخير (الإسلام وأوامر الله)، وأمرها بالمعروف، ونهيها عن المنكر، أي أنها تدعو إلى أحكام الشريعة. ويجب أن يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر موجهين في المقام الأول إلى الحكام. فتوحيد أمة محمد ﷺ والحفاظ عليها على دين الله وحده، وتدبير شؤون المسلمين وفقاً لأحكام الإسلام، وإيصال كل خير الإسلام إليهم، وحمايتهم من أعداء الإسلام والمسلمين، ونشر عدل الإسلام ونوره في جميع أنحاء العالم، كل ذلك هو من مسؤوليات الحاكم.

 

إنّ أول واجب يجب على أي جماعة ملتزمة بالإسلام أن تؤديه اليوم هو اختيار قائد للأمة، فالإمام هو من يوحّد ويجمّع، وبدونه لا تتحقق الوحدة. المسلمون الذين لا يستطيعون التوحّد لا يستطيعون أداء واجباتهم كأمة، ولا ينالون اللقب والشرف اللذين استحقوهما من الله. اسم قائد الأمة هو الخليفة. وقد ورد هذا في حديث رسول الله ﷺ المذكور آنفاً، وفي أحاديث أخرى كثيرة، كما عمل به الصحابة الكرام، ومن بعدهم المسلمون لقرون. يحكم الخليفة بنظام الله وحده، لعلمه أن أي نظام آخر يفصل الأمة عن حبل الله، ولذلك لا يفسح المجال لأي شيء خارج عن الإسلام. ولا خليفة إلا واحد! فلا يجوز بتاتاً أن تنقسم الأمة الواحدة، ولا يجوز تقسيمها بالقومية أو الطائفية، تحت حكم أكثر من خليفة، حتى لو ادّعوا الحكم بالإسلام. روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أنّ النبي ﷺ قال: «إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الآخَرَ مِنْهُمَا»‏‏ (رواه مسلم)

 

لذا، وبصفتكم جماعة من المسلمين وعلى الإسلام، يدعو حزب التحرير جميع المسلمين إلى إقامة هذه القيادة التي ستجلب الكرامة للمسلمين والفلاح للبشرية جمعاء. ويدعو جميع المسلمين إلى توحيد جهودهم في هذه الدعوة النبيلة، التي تُعدّ تاج الواجبات.

 

أيها المسلمون: كما أننا في أمسّ الحاجة إلى الخلافة، فإن البشرية جمعاء في أمسّ الحاجة إلى قيادتنا. إذا توحدنا من جديد، وإذا تمسكنا بحبل الله مرةً أخرى، فسنكون الأمة التي تُحيي العالم. إذا عملنا فقط على النّهج الذي أرشدنا إليه رسول الله ﷺ، نهج النبوة، دون خوف من أحد إلا الله، وأقمنا الخلافة الراشدة، فإنّ كل شيء؛ نحن، والبشرية جمعاء، والسحاب في السماء، والتّراب على الأرض، والجبال والصخور، والمياه العذبة والمالحة، سيعود إلى الحياة.

 

قال رسول الله ﷺ: «لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَلَا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ عِزّاً يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ وَذُلّاً يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ» (رواه أحمد في مسنده، والطبراني في  الكبير)

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

زهرة مالك

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.