- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
التطور الرقمي ونظام السيطرة العالمي الجديد
على مدى تاريخها، لم تشهد البشرية تطوراً تكنولوجياً بهذه الوتيرة والنطاق الواسع كما هو الحال اليوم. من المسلّم به أن الإنجازات العلمية والعملية تُسهّل حياة الإنسان، وتُسرّع تبادل المعلومات، وتُعزّز الروابط بين المجتمعات، إلا أن مسألة من يستخدم هذه العمليات وكيف، تستدعي تحليلاً سياسياً محددا.
أدى ظهور الإنترنت في نهاية القرن الماضي وانتشاره العالمي السريع إلى جمع الدول والمجتمعات في فضاء افتراضي واحد. في التصريحات الرسمية، فُسّر هذا الوضع على أنه "شفافية" و"ابتكار" و"تنمية عامة". ولكن في الواقع، يستخدم النظام الرقمي بالدرجة الأولى الطبقة السياسية التي تسعى للهيمنة العالمية. في هذه المرحلة، تبلورت القدرة على التحكم بالأخبار والأنباء، وجمع المعلومات، وتحويلها إلى أداة إدارية. وقد جعلت القيود وإجراءات التباعد المجتمعي التي فُرضت منذ عام 2020، جعلت السيطرة الإلكترونية، والمراقبة الرقمية، والتحكم في شؤون الناس أمراً شائعاً تحت ستار الحفاظ على الصحة. ورغم أن هذه الإجراءات قد تبدو وكأنها تُخفف من حدة الخوف (التهديد) على المدى القصير، إلا أنها في الواقع أرست أساساً متيناً لنظام مراقبة رقمية مركزي.
سيبدأ المنتدى الاقتصادي العالمي اجتماعه السنوي في دافوس، سويسرا، في 19 كانون الثاني/يناير. وسيعقد اجتماع هذا العام تحت شعارٍ براق "روح الحوار"، وهو شعارٌ بعيدٌ كل البعد عن الواقع. سيجمع المؤتمر رؤساء البنوك الكبرى، ومحافظي البنوك المركزية، ورؤساء الدول، وقادة الشركات متعددة الجنسيات. العامل الرئيسي الذي يجمعهم هو الحفاظ على الهيمنة المالية والتكنولوجية القائمة وتعزيزها. مؤتمر دافوس ليس منبراً للأفكار والتأمل، بل هو مكانٌ تُعتمد فيه خارطة طريق؛ هناك، لا تتصادم الآراء المتباينة، بل يُفرض اتجاهٌ سياسي اقتصادي عالمي واحد من القطب المهيمن. الاجتماع الحالي مُنظّمٌ لتبني مفهوم "النظام الرقمي العالمي"، أو بالأحرى لبدء المرحلة التالية، مشروع بنية تحتية للتحكم المطلق مُخصصة للفترات المستقبلية.
يُعدّ المنتدى الاقتصادي العالمي بمثابة "تجمع النبلاء" للطبقة المسيطرة، حيث يتفق رؤساء أكبر البنوك ورؤساء الدول ومحافظو البنوك المركزية على التوجه الرسمي للعام. إلا أن المستلزمات هذا العام مختلفة، وتبلغ ذروتها على أعلى مستوى في التاريخ، إذ أصبحت التقنيات التي طالما حلموا بها جاهزة للتطبيق العملي. في هذا المؤتمر سيناقش إنشاء نظام عالمي للمراقبة الرقمية والهويات الرقمية (Digital ID) والعملات الرقمية (Fiat) والأصول المالية الرقمية (Digital Financial Assets) ورقمنة الأصول المادية وتنظيم وكلاء الذكاء الاصطناعي (Ai Agent). بالإضافة إلى الهويات الرقمية والعملات الرقمية والأصول المالية الرقمية ورقمنة الأصول المادية وتنظيم وكلاء الذكاء الاصطناعي (وكلاء الذكاء الاصطناعي). وبعبارة أخرى يبنون نظام مراقبة رقمياً عالمياً، أي السجون الرقمية التي سيُسيطرون بها على حقوقنا المتبقية في الخصوصية والاستقلال وحرية التنقل التي ما زلنا نتمتع بها.
يُظهر تحليل التقارير المنشورة خلال الأشهر الستة الماضية أن كريستين لاغارد، باستخدامها عبارات رنانة مثل "الاستقلال"، تُفسّر اليورو الرقمي على أنه مشروع متكامل يهدف إلى ترسيخ الهيمنة المالية لأوروبا. ووفقاً لها، تحتاج أوروبا إلى عملتها الرقمية الخاصة لتحرير نفسها من أنظمة الدفع الأمريكية والصينية، فضلاً عن فيزا وماستركارد وشركات التكنولوجيا الكبرى. يهدف هذا النظام أيضاً إلى إنشاء اتصال مباشر بين المؤسسات المالية الحكومية والنظام المصرفي، المخوّلين بإدارة جميع المعاملات النقدية - كالعقارات، ودفع فواتير الخدمات، وشراء السلع الأساسية. وتُفسّر البيانات الرسمية هذا النظام بمكافحة غسل الأموال غير المشروع، وتعزيز الأمن والشفافية. إلا أن هذا النظام يسمح عملياً للمؤسسات الحكومية والمالية بمراقبة وتحليل كل عملية دفع يقوم بها الناس، وتقييدها عند الضرورة. وهنا، يُحفظ مفهوم "الخصوصية" فقط فيما يتعلق بالآخرين أي الزعماء؛ إذ سيتمكن النظام الرقمي الحكومي من الوصول إلى جميع المعلومات. العملة الرقمية هي عملة قابلة للبرمجة تخضع لسيطرة البنك المركزي بشكل كامل. وعلى عكس النقد، لا تتحرك العملة الرقمية بحرية؛ إذ يمكن تقييد استخدامها أو تغييره أو إيقافه بموجب لوائح تنظيمية. وقد صرّحت لاغارد علناً بأن العملة الرقمية للبنك المركزي، مثل اليورو الرقمي، ضرورية لإدارة حالات الطوارئ، بما في ذلك ضوابط رأس المال. فعلى سبيل المثال، إذا أفلس أحد البنوك وحاول الناس سحب أموالهم لحماية أنفسهم، فلا داعي لإغلاق البنوك. يكتفي البنك المركزي الأوروبي بفرض قيود، كإيقاف سحب الأموال مثلاً. أو، على الأرجح، عند إعلان حالة الطوارئ في بلد ما، تُجمّد أموال الراغبين في مغادرة البلاد، فلا يجدون سبيلاً للفرار. ببساطة، تُمنع جميع الوسائل اللازمة لمغادرة البلاد.
لفهم هذه العمليات، لا حاجة إلى افتراضات نظرية، بل يكفي مثال عملي. يُعدّ نظام الثقة الافتراضية في الصين مثالاً واضحاً على كيفية عمل المراقبة الرقمية. فمنذ عام ٢٠١٤، يُقيّم هذا النظام سلوك الناس ويمنحهم أو يقيّد فرصاً معينة. ونشهد اليوم تقارير عن فئة جديدة من الناس في الصين، وهم الفقراء مالياً. لا يقتصر الأمر على من نفدت أموالهم، بل يشمل أيضاً من مُنعوا من استخدام أموالهم بسبب نظام الثقة الافتراضية الصيني.
ما هو نظام الثقة الافتراضي؟ يراقب هذا النظام الأفراد ويتحكم بهم ويعاقبهم أو يكافئهم بناءً على معايير سلوكية تحددها الدولة، ويقيّمهم بناءً على أفعالهم ويحدد ما يمكنهم استخدامه.
تستخدم الصين نظام الثقة الافتراضي لمعاقبة من لا يفرزون القمامة بشكل صحيح، أو يقودون السيارة بتهور، أو يعبرون عن آراء معارضة للنظام، أو يحتجون على الظلم، أو يعبرون الطريق في أماكن غير مخصصة، أو يتواصلون مع أشخاص ذوي سلوك سيئ، بل وحتى يستخدمون شبكات الإنترنت المحظورة. هذه مجرد بداية كارثة كبرى. أولاً، يُحرمون من القدرة على إنفاق المال، ثم يُحرمون من حرية التنقل، وفي النهاية يُزجّ بهم في براثن الفقر المدقع. هؤلاء الناس في الشوارع، ليس لأن الاقتصاد قد لقّنهم درساً، بل لأن برنامج قاعدة البيانات الافتراضية (نظام الثقة الافتراضي) قد سجنهم. هذا هو مبدأ "المتهم مذنب حتى تثبت براءته"، أي "إذا شكّك النظام فيك، فأنت مُقيّد". هذا هو تسليح النظام المالي الرقمي. تتيح العملة الرقمية للبنوك المركزية إنشاء نظام رقابي كهذا، ويتجه هذا النظام نحو تطبيقه عالمياً.
ومن القضايا الرئيسية الأخرى المطروحة على جدول أعمال النقاش بطاقة الهوية الرقمية. هذه الوثيقة ليست نسخة إلكترونية من جواز سفر عادي أو رخصة قيادة، بل هي مفتاح افتراضي واحد يضمن مشاركة الفرد في الحياة الرقمية. تربط بطاقة الهوية الرقمية، أي تُركّز الوصول إلى الإنترنت، واستخدام الخدمات المصرفية، وتخزين العملة الرقمية، وإجراء المدفوعات. ورغم أن هذا يُقدّم على أنه تسهيل، إلا أن المنطق الكامن وراءه بسيط: بدون بطاقة هوية رقمية، أنت غير موجود. هذا النظام، بطبيعة الحال، يُلغي حرية اختيار الشخص ويُجبره على الانضمام إليه. بعبارة أخرى، مفهوم النظام الرقمي العالمي ليس إلا مصطلحاً مُنمّقاً يُستخدم للتحكم الكامل. تذكر أن هويتنا تستند فقط إلى بطاقة هويتنا الرقمية، ولا سبيل لرفضها. بدون هوية رقمية، لا يُمكن المشاركة في أي نظام افتراضي (رقمي).
ومن القضايا الأخرى التي برزت على جدول الأعمال رقمنة الملكية. إذ يُخطط لتحويل العقارات والأوراق المالية وغيرها من الأموال والثروات إلى رموز رقمية. ووفقاً للتفسيرات الرسمية، سيزيد هذا من الشفافية والكفاية. مع ذلك، بمجرد أن تصبح الملكية رمزاً رقمياً، فإنها تصبح أيضاً كائناً قابلاً للبرمجة. وسيكون تجميدها أو تقييدها أو سحبها مسألة أجزاء من الثانية من الناحية التقنية. وهنا، يصبح حق الملكية حقاً مشروطاً مربوطا، خاضعاً لقواعد النظام. وقد حُدد تحويل الممتلكات إلى رموز رقمية في جدول أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي كموضوع رئيسي لعام 2026.
في عالمنا الرقمي اليوم، يُعدّ استخدام الأصول في أنظمة لامركزية وشفافة ومفتوحة السلسلة، لا تخضع لسيطرة أي فرد أو شركة أو حكومة، أمراً مثالياً. مع ذلك، تسعى الاحتكارات الاستعمارية إلى فرض استخدام أنظمتها الخاصة والمركزية والمغلقة. فهي تُسيطر سيطرة كاملة على هذه الأنظمة، ولها القدرة على تغييرها في أي وقت. وإذا لم يُعجبها ما نقوله أو نعتقده أو ننشره أو نفعله، فبإمكانها تجميد أصولنا أو مصادرتها فوراً. ستؤثر النقود الرقمية للبنوك المركزية ورقمنة الأصول على جميع جوانب حياتنا الشخصية والعامة.
أما القضية التالية على جدول الأعمال فهي تنظيم وكيل الذكاء الاصطناعي (Ai Agent). يُعتبر وكيل الذكاء الاصطناعي وكيلاً مستقلاً يمتلك محفظة رقمية خاصة به. قد يُحسّن هذا الكفاءة الاقتصادية، ولكنه يُثير أيضاً تساؤلات حول إمكانية السيطرة عليه. نحن ندخل عالماً يمتلك فيه وكلاء الذكاء الاصطناعي محافظهم الخاصة وأموالهم الرقمية الشخصية للإنفاق. ووفقاً للنهج المطروح في المنتدى، يجب أن يمتلك وكلاء الذكاء الاصطناعي هوية رقمية مرتبطة بكل فرد لإجراء المعاملات المالية. سيؤدي هذا إلى استبعاد أنظمة الذكاء الاصطناعي المستقلة مفتوحة المصدر، وإعطاء الأولوية للأنظمة المعتمدة من الشركات الكبرى. وفي هذه العملية، من المرجح أن تصبح مؤسسات مثل بلاك روك وجوجل ومايكروسوفت لاعبين رئيسيين. إن وكلاء الذكاء الاصطناعي ليسوا مجرد "ChatGPT" أو أداة نحتاجها من حين لآخر، بل هم بمثابة خدم رقميين يعملون باستقلالية تامة. لديهم محافظهم الخاصة، وأهدافهم الخاصة، ويمكنهم إجراء تحويلات مالية دون إذننا. ينظر قادة المنتدى الاقتصادي العالمي إلى هذا الوكيل المعرفي الاصطناعي باعتباره قوة عاملة ثالثة. لذلك، فهم لا يسعون فقط إلى تنظيمنا نحن البشر، بل يبذلون جهوداً حثيثة لتنظيم ملايين الروبوتات المستقلة التي ستنتشر قريباً في الاقتصاد.
لفهم حجم ما يحدث وتأثيره على حياتنا، علينا أن ندرك أننا نتجه نحو المدفوعات بين الآلات (M2M). تخيلوا نظام ذكاء اصطناعي في ثلاجتنا يدفع مباشرةً لنظام ذكاء اصطناعي آخر في متجر إلكتروني مقابل المنتجات التي نحتاجها. أو تخيلوا لو أن عملنا يتطلب سفراً مستمراً، ولدينا نظام ذكاء اصطناعي شخصي يحجز ويدفع لنظام الذكاء الاصطناعي في شركات الطيران. قد يبدو هذا ضرباً من الخيال، لكن في السنوات القادمة، سيشكل جزء كبير من الناتج المحلي الإجمالي مدفوعات بين أنظمة الذكاء الاصطناعي. هنا، يكمن التهديد لهويتنا في تطبيق بطاقة الهوية الرقمية عبر النظام الرقمي العالمي. يسعى المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن تمر جميع هذه المدفوعات عبر بنوكه المركزية وأنظمة الدفع الخاصة.
هذا يعني أنه إذا انفصلنا عن النظام المصرفي أو انخفضت معنوياتنا، فسيتم تخفيض مستوى نظام الذكاء الاصطناعي الخاص بنا وحظره. أي أن وصولنا إلى الذكاء الاصطناعي سيُحد، وسيبدأ هو نفسه باستخدام الذكاء الاصطناعي لمراقبة المخاطر وإدارتها. إنهم بصدد إنشاء نظام ذكاء اصطناعي خاص سيراقبنا على مدار الساعة طوال أيام السنة. فبدلاً من أن يقوم موظف البنك بتصنيف حسابنا على أنه مشبوه، سيقوم نظام ذكاء اصطناعي مستقل بذلك فوراً وبطريقة غير شفافة يستحيل الطعن فيها. هذا يخلق نظاماً مالياً فاسداً يُسيطر عليه برنامج مغلق، قائم على مبدأ "المتهم مذنب حتى تثبت براءته". إنها حرب معلنة على مستقبلنا، على هويتنا. إنهم يريدون السيطرة ليس علينا فحسب، بل على كل ما يتعلق بنا؛ بأموالنا وحريتنا وحقنا في الحياة.
﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَـاكِرِينَ﴾
كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
حياة الله الأوزبيكي