- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
سدّ النهضة سلاحٌ استراتيجي على نهر النيل
وامتحان وجودٍ للأمة وجيوشها
سدّ النهضة ليس مجرّد مشروعٍ هندسي لتوليد الكهرباء، ولا خلافاً فنّياً حول حصص المياه، بل هو سلاحٌ استراتيجي مائي موجه مباشرة إلى قلب مصر والسودان، إلى حياة الناس وزراعتهم وغذائهم وأمنهم. فحين يُمسك طرفٌ ما بمفاتيح النهر الذي تقوم عليه حياة أكثر من مائة وخمسين مليون إنسان، فإن الأمر يتجاوز الاقتصاد والبيئة إلى سؤال الوجود ذاته: من يملك قرار الحياة والموت؟ ومن يملك التحكم في شريان الأمة؟
لقد أثبتت السنوات الماضية أن السد لم يكن يوماً مشروعاً بريئاً، وأن مسار بنائه وفرضه وتشغيله خارج أي اتفاق ملزم يكشف عن نية استخدامه أداة ضغط وابتزاز وتهديد، لا سيما في ظل نظام دولي يجعل من المياه والغذاء أدوات حرب لا تقل خطورة عن السلاح العسكري.
يقع سدّ النهضة على النيل الأزرق، الذي يمدّ مصر بنحو 85% من مواردها المائية. وأي تحكّم في تدفّق هذا النهر، سواء عبر الملء أو التشغيل أو حتى التهديد بهما، يعني عملياً القدرة على خنق الزراعة، وتعطيش المدن، وضرب الأمن الغذائي، وخلق اضطرابات مجتمعية واقتصادية هائلة.
والخطر لا يتوقف عند التشغيل المتعسّف، بل يتفاقم عند الحديث عن احتمالات الانهيار أو التدمير الجزئي أو الكلي. فالسدّ يخزّن عشرات المليارات من الأمتار المكعبة من المياه، وانهياره لأي سبب كان سيُطلق موجة مائية مدمّرة تجتاح السودان أولاً، مدمّرة المدن والقرى والسدود، ثم تُحدث فوضى مائية قد تصل آثارها إلى مصر، مع خسائر بشرية واقتصادية لا يمكن حصرها. وهكذا يصبح السد قنبلة مائية موقوتة، وجوده خطر، وتشغيله خطر، وانهياره خطر، وكل ذلك يُفرض على الأمة فرضاً دون قدرة حقيقية على المنع أو الردع.
الدور الأمريكي صانع الأزمة لا وسيطا فيها
في خضم هذا الخطر، تخرج أمريكا لتعرض الوساطة، متقمّصة دور الحَكَم الحريص على الاستقرار. لكن الوقائع تُظهر بجلاء أن أمريكا هي المحرّك الرئيسي للأزمة، لا المتفرّج عليها.
فأمريكا كانت حاضرة في كل المراحل المفصلية للمفاوضات، وضغطت لإبقاء الملف ضمن مسارات تفاوضية عقيمة بلا نتائج ملزمة، ومنعت أي تحرك حاسم يغيّر ميزان القوى. فأمريكا في الواقع تستخدم السد كورقة ضغط دائمة على مصر والسودان، لإبقائهما في دائرة التبعية السياسية والأمنية.
إن ادّعاء الوساطة الأمريكية ليس إلا إدارة للأزمة لا حلّاً لها، وإبقاءً للسيف مسلطاً فوق رقاب الشعوب، بحيث يُستدعى عند الحاجة، ويُجمّد عند الحاجة، وفق المصالح الأمريكية وحدها. وهذا الأسلوب معروف في السياسة الدولية: صناعة الخطر ثم عرض الحماية منه.
إن أخطر ما في ملف سدّ النهضة ليس السد ذاته فحسب، بل العجز السياسي المفروض على الأمة، والتعامل مع قضية وجودية بعقلية المفاوضات المفتوحة إلى ما لا نهاية، وكأن الزمن ليس عاملاً قاتلاً!
فالمياه في الإسلام ليست سلعة ولا ورقة ضغط، بل حق وملك عام، ومنعها أو التحكم بها لإيذاء الناس يُعدّ عدواناً صريحاً. وقد قرر الإسلام أن ما تقوم به حياة الناس من ضروريات كالماء والغذاء تجب حمايته بالقوة إن لزم الأمر، لأن التفريط فيه تفريطٌ بالأنفس. كما أن القاعدة الشرعية تقرر أن (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب). وحفظ النفس والأمة لا يتم هنا إلا بامتلاك القوة والقدرة والقرار الحقيقي، لا بالاستجداء السياسي ولا بالارتهان للوسطاء.
لقد أثبت الواقع أن السدود الكبرى تحوّلت في العصر الحديث إلى أسلحة جيوسياسية؛ فهي تتحكم في تدفّق المياه، وتُستخدم لفرض الشروط السياسية، وتشكّل تهديداً وجودياً عند النزاعات، كما تُعد أهدافاً عسكرية شديدة الحساسية.
ومن هنا، فإن وجود سدّ معادٍ على شريان حياة أهل مصر والسودان ليس مسألة سيادة إثيوبية داخلية كما يُروَّج، بل مسألة أمن استراتيجي إقليمي، بل مسألة حرب وسلام. والتاريخ العسكري يشهد أن الجيوش تحرّكت مراراً لمنع أخطار أقل من ذلك بكثير.
إن ما يجب تجاه قضية سدّ النهضة لا يقتصر على البيانات ولا المفاوضات، بل يتمثل في مسار واضح يعتبر السد تهديداً استراتيجياً مباشراً للأمة، لا ملفاً فنياً، ويرفض أي دور للوسيط الأمريكي الذي ثبت أنه جزء من المشكلة، ويعلنها صريحة أن التحكم بمياه النيل عدوانٌ على الأمة، يُعامل معاملة العدوان العسكري. ومن ثم تهيئة الأمة وجيوشها نفسياً وسياسياً لفهم أن حماية المياه كحماية الأرض والعِرض. وتحريك الجيوش، لأنها وُجدت لحماية الأمة، لا لحراسة حدود رسمها المستعمر، ولا للانشغال بالسياسة الداخلية. فالإسلام لا يقرّ أن يُترك عشرات الملايين تحت تهديد التعطيش أو الغرق أو الابتزاز، بينما تُكبّل الجيوش بقيود السياسة الدولية.
إن سدّ النهضة ليس اختباراً لمصر والسودان فحسب، بل اختبارٌ للأمة كلها: هل تقبل أن تُدار شؤون حياتها من خارجها؟ وهل ترضى أن يكون الماء أصل الحياة أداة إخضاع؟
لقد آن الأوان للخروج من وهم الوساطات، وفهم حقيقة الصراع، والعودة إلى ميزان القوة والشرع معاً. فالأمة التي لا تحمي ماءها، لا تحمي وجودها، والجيوش التي لا تتحرك لحماية حياة شعوبها، تفقد معناها وشرعيتها. فما بين نهرٍ يُخنق، وسدٍّ يُفرض، ووسيطٍ يخادع، يبقى الحكم لله، ويبقى الواجب على الأمة أن تأخذ بأسباب القوة، حتى تُصان الدماء، وتُحفظ الحياة، ويُقطع الطريق على كل سلاح يُرفع في وجهها، ولو كان من ماء.
كيف تتعامل دولة الخلافة مع قضية سدّ النهضة والسدود؟
إن دولة الخلافة، حين قيامها على منهاج النبوة، لن تتعامل مع قضية سدّ النهضة بوصفها نزاعاً فنياً أو ملفاً تفاوضياً طويل الأمد، بل تنظر إليها من زاوية حفظ الضروريات التي جاءت الشريعة بحمايتها، وفي مقدمتها حفظ النفس، وما لا تقوم النفس إلا به من ماء وغذاء وأمن.
فالمياه في الإسلام ملك عام، لا يجوز احتكاره ولا التحكم به لإيذاء الناس أو ابتزازهم، وقد جعل الشرع وليّ الأمر مسؤولاً مباشرة عن ضمان وصولها للرعية ومنع أي اعتداء عليها. ومن هنا، فإن دولة الخلافة تعتبر أي سدٍّ يُقام على أنهار الأمة ويُستخدم أو يُحتمل استخدامه للإضرار بها، عدواناً يجب منعه أو إزالته، ولا يُترك رهينة نوايا الخصوم أو تطمينات الوسطاء.
وتتعامل دولة الخلافة مع ملف سدّ النهضة عبر مسارات واضحة وحاسمة:
أولاً: تجريد القضية من الهيمنة الدولية، فلا تقبل بدور أمريكا ولا غيرها من القوى الاستعمارية كوسيط، لأنها أطراف متدخلة تسعى لإدارة الصراع لا حله، وتستخدمه أداة ضغط سياسي دائم.
ثانياً: فرض الحل الملزم شرعاً، وهو ضمان التدفق الآمن للمياه ومنع أي تحكم أحادي بها، فإن لم يتحقق ذلك بالاتفاق العادل الواضح، انتقلت الدولة إلى استخدام ما تملكه من قوة سياسية وعسكرية، لأن إزالة الضرر واجبة، ولا يُشترط فيها رضا المعتدي.
ثالثاً: التعامل مع السدود كسلاح استراتيجي، فتخضع لتقدير عسكري دقيق، وتُدرج ضمن حسابات الأمن القومي للأمة، كما تُدرج القواعد العسكرية والأسلحة الثقيلة، لأن أثرها قد يكون أوسع وأشد فتكاً.
رابعاً: حماية الشعوب لا الأنظمة، فدولة الخلافة لا تسمح بقيام منشآت تهدد حياة الملايين في السودان أو مصر أو غيرهما، سواء عبر التعطيش أو عبر خطر الانهيار والغرق، وتتحرك لمنع ذلك قبل وقوع الكارثة، لا بعدها.
خامساً: إعادة تعريف وظيفة الجيوش، فالجيوش في دولة الخلافة وُجدت لحماية الأمة ومقدراتها، لا لحراسة اتفاقيات الاستعمار ولا للانكفاء خلف حدود مصطنعة، وتُستعمل حين يتعين استعمالها شرعاً، بلا تردد ولا ارتهان.
وبهذا، تُغلق دولة الخلافة باب الابتزاز المائي نهائياً، وتُسقط استخدام السدود كسلاح سياسي، وتعيد للنيل ولغيره من أنهار الأمة مكانته كنعمةٍ، لا كسيفٍ مسلط.
إن قضية سدّ النهضة، في ميزان الإسلام، ليست أزمة تفاوض، بل مسألة سيادة ووجود وعدل، ولن تُحل جذرياً إلا بدولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة التي تحكم بالإسلام، وتملك قرارها، وتحمل همّ رعاياها، وتعلم أن التفريط بالماء تفريط بالحياة، وأن السكوت عن العدوان ولو كان باسم التنمية جريمة لا يقرّها الشرع ولا ينساها التاريخ.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾
كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
محمود الليثي
عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر