- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
سلسلة مواقف مضيئة في تاريخ الإسلام
الحلقة الأولى
دار الأرقم: كيف تُبنى الأمة قبل أن تُقام الدولة؟
دار الأرقم ليست مجرد دار صغيرة في زقاقٍ من أزقة مكة، وليست تفصيلاً عابراً في سيرةٍ نرددها في مواسم السيرة ثم نمضي. دار الأرقم كانت مركز بناء، مرحلة إعداد عميق، ومختبراً حقيقياً صاغ الجيل الذي غيّر وجه التاريخ. ومن يفهم دور دار الأرقم جيداً، يفهم كيف تبدأ التحولات الكبرى، ولماذا تتعثر محاولات كثيرة في واقعنا اليوم.
في مكة، كان ميزان القوة مختلاً تماماً. قريش تملك المال، والقبيلة، والسلاح، والهيبة. والمسلمون قلّة مستضعفة، يُعذَّبون ويُضطهدون، ولا يملكون حماية سياسية. في مثل هذا الواقع، كان من الممكن أن تُفرض حلول سريعة: مساومات، تنازلات، أو اندماج تدريجي داخل البنية القائمة. لكن ما حدث كان مختلفاً تماماً. لم يلجأ النبي ﷺ إلى استرضاء القوم أو الخضوع للواقع، ولم يقفز فوق مراحله، بل التزم بخطة دقيقة: بناء الرجال حملة الدعوة ورجال الدولة الذين يحملون الفكرة قبل أن يحملوا السيف، وبناء الجماعة التي تقوم على أكتافها الدولة.
اختيار دار الأرقم لم يكن عشوائياً. الأرقم بن أبي الأرقم رضي الله عنه كان شاباً، وبيته لا يثير الشبهات، ومن قبيلة بني مخزوم التي كانت في خصومة مع بني هاشم، ما يقلل احتمال مراقبته. هذا الاختيار يكشف وعياً عميقاً. الدعوة في مرحلتها الأولى لم تكن مجرد وعظ روحي، بل كانت عملاً منظماً، محسوب الخطوات.
داخل تلك الدار، لم يكن التعليم أخلاقياً مجرداً، ولم يكن انصرافاً عن الواقع إلى عزلة روحية. كان تكويناً عقائدياً يرسّخ المبدأ ويجعل العقيدة أساس التفكير بوصفها تحرراً كاملاً من كل سلطان بشري، وتكويناً سياسياً يعرّف بطبيعة الصراع مع الجاهلية، وبأن الإسلام ليس طقوساً تُضاف إلى النظام القائم، بل مشروعاً مغايراً في أساسه. القرآن الذي نزل في تلك المرحلة كان يبني الأفكار ويصوغها كمفاهيم ويحولها إلى مقاييس وقناعات: من هو الإنسان؟ ما معنى العبودية؟ من يملك التشريع؟ ما هو العدل؟ في تلك الدار كانت تُصاغ رؤية كاملة للحياة، وفكرة حقيقية لنمط عيش جديد لا مجرد وصايا فردية.
هذا الجيل الذي تخرّج من دار الأرقم هو نفسه الذي صبر في شِعب أبي طالب، وهاجر إلى المدينة، وحمل السيف في بدر، وأدار الدولة في المدينة. لم يكن انتقالاً مفاجئاً من الاستضعاف إلى الحكم، بل كان نتيجة إعداد طويل. لذلك لم يُؤذن بالقتال في مكة، رغم شدة الأذى، لأن القتال دون كيان سياسي منظم كان سيعني نزيفاً بلا ثمرة. الدم حينها كان سيُهدر، ولن يغيّر ميزان القوى. كان لا بد أولاً من تكوين جماعة واعية، مرتبطة بفكرة واضحة، ثم البحث عن أرض تقبل هذا المشروع وتحميه، كما حدث في بيعة العقبة الثانية.
إذا انتقلنا إلى واقعنا، فسنجد مفارقة مؤلمة. هناك من يدفع الشباب إلى الانفجار غير المنضبط، دون رؤية واضحة أو مشروع جامع، فيتحول الغضب إلى فعل معزول ينتهي سريعاً أو يُستثمر ضد أصحابه. وهناك من يختزل الإسلام في تدين فردي معزول، صلاة وصيام وأخلاق شخصية، دون أي اهتمام بالشأن العام أو بمسألة الحكم والعدل. بين هذين الطرفين تضيع الفكرة المنهجية التي تجسدها دار الأرقم.
دار الأرقم تقول بوضوح: لا تغيير بلا بناء. ولا بناء بلا عقيدة حاكمة تضبط الاتجاه. ولا عقيدة حاكمة تبقى حية إن لم تتضمن مشروعا ينظم حياة الناس. التغيير ليس اندماجاً في الجاهلية مع محاولة تجميلها، وليس ثورة عاطفية تشتعل ثم تخبو. هو عمل طويل النفَس، يبدأ بتصحيح الأفكار والمفاهيم، وبناء وعي سياسي على أساس الوحي، وتشكيل كتلة مؤمنة بمشروعها، تدرك طبيعة الصراع ولا تنخدع بالشعارات.
حين ننظر إلى أزماتنا اليوم؛ من تمزق سياسي، وتبعية اقتصادية، وصراعات داخلية، نجد أن كثيراً منها يعود إلى غياب مرحلة دار الأرقم في وعينا المعاصر. نريد نتائج سريعة، ونبحث عن تمكين، ونظن أن التغيير يمكن أن يُشترى بخطاب حماسي أو تحالف عابر. لكن السنن لا تتغير. الجيل الذي حمل الدولة في المدينة، تكوّن في مكة، في بيت صغير، بعيداً عن الأضواء، يتلقى الوحي ويعيد تشكيل نفسه على أساسه.
رمضان يعيد إحياء هذا المعنى. هو شهر البناء الداخلي، وإعادة ترتيب الأولويات، وتغذية الروح بالعقيدة الصافية. لكنه يجب أن يكون أيضاً شهر وعي، نراجع فيه مفهومنا عن التغيير. هل نبحث عن حلول ترقيعية داخل منظومات مختلة؟ أم نفكر في إعادة تأسيس حقيقية تبدأ من الفكرة والإنسان؟
دار الأرقم لم تكن انسحاباً من الواقع، بل كانت إعداداً لمواجهته. لم تكن هروباً من الصراع، بل فهماً عميقاً له. ومن يدرك هذا، يفهم أن النهضة لا تولد في لحظة غضب، بل في مرحلة تأسيس هادئة، عميقة، قد لا يلتفت إليها كثيرون في بدايتها، لكنها تصنع المستقبل.
وهكذا، بين بيتٍ صغير في مكة وعالمٍ تغيّر لاحقاً، تتجلى القاعدة: الأفكار حين تُبنى في صدور الرجال، تتحول إلى دول، وتعيد رسم خرائط التاريخ، وتوجد في حياة الناس دولة نسأل الله أن تكون بنا وبأيدينا؛ خلافة راشدة على منهاج النبوة.
المكتب الإعلامي لحزب التحرير
في ولاية مصر