Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

ميونيخ 2026: سقوط أقنعة الغرب الفكرية وزوال التحالفات الرأسمالية

 

مؤتمر ميونيخ للأمن الذي أسسه إيفالد-هنريش فون كلايست عام 1963 تم تنظيمه في البداية باعتباره "اجتماع الدول المدافعة"، وكانت استراتيجيته الأولية تتمثل في إنشاء منصة خاصة لتنسيق الخطط العسكرية بين الحلفاء الغربيين وحماية مصالح الدول الرأسمالية في فترة الحرب الباردة بعد الحرب العالمية الثانية. على مدى عقود كان هذا المؤتمر بمثابة "بوصلة استراتيجية" عالمية للأفكار الغربية. لكن من المهم أن نفهم أن مثل هذه المؤتمرات لم تخدم أبداً المصالح الحقيقية للبلاد الإسلامية أو بعضها مثل آسيا الوسطى. بل على العكس كانت آلية تسمح للغرب بإخفاء هيمنته وفرض سيطرته على الشعوب الأخرى.

 

أظهر مؤتمر ميونيخ الثاني والستون الذي عقد في فندق بايريشير هوف في شباط/فبراير 2026 هذه الحقيقة بشكل أوضح من أي وقت مضى. هذا العام أصبح هذا التدبير منصة للغرب لكي يخلع قناع "المحبة للسلام" الذي ارتداه على مر السنوات الطويلة ويعلن صراحة عن رغبته في إقامة نظام عالمي جديد بالقوة وحل نزاعاته الداخلية على حساب الآخرين. من على هذا المنبر بالذات ألقى وزير الخارجية الأمريكي مارك روبيو خطاباً يعد من أكثر الخطب حدةً وغنىً بالاعترافات الفكرية في تاريخ المؤتمر. لقد كشف روبيو النقاب عن اللباقة الدبلوماسية تماماً واعترف صراحةً بأن عصر خداع العالم بأحلام زائفة عن "سيادة السلام والقانون الدولي إلى الأبد" قد انتهى، وأن فكرة استبدال المصالح الوطنية بنظام عالمي لم تبرر نفسها وأنها كانت خطأً فادحاً. فكلماته: "لقد ارتكبنا خطأً بتجاهلنا تاريخ البشرية وافتراضنا أن القانون الدولي والسلام سيكونان دائماً سائدين هو وهم خطير". وهذا يعتبر نزع وتمزيق قناع الديمقراطية وحقوق الإنسان بيديه، والذي استخدمه الغرب لسنوات لإخضاع الشعوب الأخرى.

 

روبيو مارس ضغوطاً علنية على أوروبا قائلاً إن أمريكا لم تبق لديها طاقة بـ"الحلفاء الضعفاء" لأن ذلك سيضعف واشنطن أيضاً. وأوضح أن أمريكا ليست مهتمة بمجرد مشاهدة "انحدار الغرب المنظم" كمراقب سلبي. وحسب رأيه فإن الحضارة الغربية تنهار بسبب هوسها الأعمى بالسياسة المناخية والهجرة الجماعية وأن إنقاذها يتطلب قيادة أمريكية قائمة على القوة وحدها. هذا الاعتراف يعني أن واشنطن لن تراعي بعد الآن القواعد الدولية أو مصالح حلفائها بل ستكون مستعدة لاتخاذ أي إجراءات قاسية في سعيها في سبيل مصالحها الخاصة. لكن في ردها على ذلك عارضت الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي كايا كالاس، الاستراتيجية الجديدة للأمن القومي الأمريكي قائلة إن "أوروبا التي استيقظت لا تهددها انقراض الحضارة".

 

وصف وزير الخارجية الإيراني عراقجي نزاعات الغرب الداخلية هذه بـ"سيرك ميونيخ" وأعلن صراحة أن الاتحاد الأوروبي لا يتمتع بأي وزن جيوسياسي في الشرق الأوسط وأصبح "محيطاً" (أي قوة ثانوية لا تحل شيئاً). وفقاً لعراقجي أصبح الاتحاد الأوروبي عديم الوزن تماماً. فقد أصبحت القوى الإقليمية أكثر فعالية من "الثلاثي الأوروبي" الذي ليس لديه ما يقدمه. ووصف الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي غياب أوروبا عن طاولة محادثات السلام بأنه "خطأ كبير". وحسب رأيه لا يريد بوتين التحدث مع أوروبا، وواشنطن تسمح بذلك. وهذا يدل على أن أوروبا مضطرة إلى إعادة بناء نظامها الأمني بالكامل.

 

على خلفية هذه المناقشات العالمية كشفت مشاركة الوفد الأوزبيكي عن حقيقة مريرة. على الرغم من أن أوزبيكستان ليست دولة قادرة على التأثير على مصير العالم على الساحة الدولية فإن مشاركتها في هذا المؤتمر تعكس الاهتمام الاستراتيجي للغرب بمنطقة آسيا الوسطى وسعي دول المنطقة للبقاء على قيد الحياة في ظل الصراعات بين القوى العظمى. تصريحات وزير الخارجية بختيار سعيدوف بأن دول آسيا الوسطى تقدم نموذجاً للحل السلمي للمشاكل تظهر مدى عدم وزن هذه التصريحات أمام تهديدات روبيو بأن "القانون الدولي هو وهم". هذه المشاركة تعني أنه إذا لم يكن لدى البلاد الإسلامية مشاريع أيديولوجية مستقلة خاصة بها، فإنها ستظل مجرد أدوات في الألعاب الاستراتيجية للقوى العظمى.

 

وفقاً لتحليل البروفيسور ألكسندر وولف إذا كانت "رياح التغيير" في عام 1989 قد بثت الأمل فإن رياح عام 2026 تدمر الغرب من الداخل وتهزّ استقراره في مجال الأمن. أقر المستشار فريدريش ميرتس في كلمة ألقاها في ميونيخ وتحدث فيها عن "القيادة التي ضاعت وتم إسرافها" بأن النظام الذي أعقب الحرب العالمية الثانية الآن غير موجود وأن العالم دخل في مرحلة "منافسة قاسية وغير متوقعة بين القوى العظمى". وأكد أن حرية أوروبا لم تعد أمراً معروفا. إن زيادة نفقات ألمانيا على الدفاع إلى 5 في المائة وسعي الرئيس الفرنسي ماكرون إلى إيجاد "مظلة نووية" جديدة لأوروبا يدلان على أن الغرب يحاول الآن البقاء على قيد الحياة "بقوة السلاح" فقط. أظهرت تصريحات رئيسة وزراء الدنمارك ميت فريدريكسن بأن تهديدات الولايات المتحدة بشأن غرينلاند تشكل "خطاً أحمر" مدى تدهور العلاقات بين الحلفاء. سعي ترامب للاستيلاء على غرينلاند بالقوة دون تغيير أدى إلى عدم الثقة بين الحلفاء تماماً.

 

قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أن الوقت قد حان لإحياء المادة 42(7) المتعلقة بـ"الدفاع المتبادل" لأوروبا، ودعت أوروبا إلى وضع برنامج دفاعي بقيمة 800 مليار يورو. وهذه محاولة يائسة من أوروبا للتخلص من تبعيتها الاستراتيجية للولايات المتحدة.

 

لطالما كانت التحالفات بالنسبة للغرب قناعاً أيديولوجياً لكنهم اليوم تخلوا عن كل ستار وتحولت هذه التحالفات إلى صفقات مؤقتة قائمة على مصالح باردة. في الماضي كان الغرب يقدم أهدافه الجيوسياسية تحت شعار "الوعود المقدسة" و"القيم المشتركة". أما الآن فقد سقطت هذه الأقنعة وظهرت الطبيعة التجارية المحضة والبراغماتية للتحالفات. الأفكار التي تم طرحها في ميونيخ تعنى أن كل شريك سيتم النظر إليه الآن وفقاً لمعيار "ما الفائدة التي يمكن أن تقدمها لنا؟" فقط. وحيثما تنتهي المصلحة تفقد عبارة "الوعد المقدس" معناها تلقائياً. وقد كشفت هذه الحالة عن نقطة الضعف الرئيسية في المبدأ الرأسمالي وهي أنه لم يكن أبداً قائما على أساس أخلاقي ثابت بل كان مبنيا حصراً على الربح المادي. وعلى الرغم من أن نظام التحالفات كان يُروّج له في السابق على أنه ضمانة للحماية إلا أنه يظهر اليوم وجهه الحقيقي باعتباره وسيلة للدولة القوية لاستعمار أو قمع شريكها. كما قال البروفيسور وولف "الحنين إلى الماضي ليس مفهوماً من مفاهيم السياسة الأمنية". تواجه أوروبا حالياً منطقاً لا يرحم مفاده أن "أمريكا هي القوة المطلقة".

 

من وجهة نظر التحليل الأيديولوجي المقدم في كتاب "نظام الإسلام" لمؤسس حزب التحرير، الحزب السياسي الإسلامي، الشيخ تقي الدين النبهاني واعتماد روبيو على القوة واعتراف ميرتس بنهاية النظام وحديث عراقجي عن "السيرك" واضطراب أوروبا النووي، فإنها كلها مظاهر مختلفة لأزمة النظام الرأسمالي. في هذا الكتاب أثبت بشكل قاطع أن المبدأ الرأسمالي يتعارض مع الفطرة البشرية وأن أساسه يقوم حصرياً على المنفعة المادية. كما نرى اليوم في ميونيخ فإن "الأمن" في الرأسمالية يعني تجاهل حقوق أي طرف آخر غير أنفسهم واستغلال الدول الأخرى لمصالحهم الخاصة. في حين يسعى البعض إلى الحفاظ على هيمنتهم بالقوة يكشف آخرون إفلاس أيديولوجية الغرب.

 

إن العالم اليوم بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى مبدأ إسلامي حقيقي، قائم على وحي الخالق، يحرر البشرية من عبودية النفوس وديكتاتورية الأقوياء. في الوقت الذي تبدي فيه الرأسمالية في ميونيخ عدم الثقة لحلفائها وتمزق العالم بحروب جديدة ومغامرات نووية يصبح من الواضح أكثر من أي وقت مضى أن الخلاص الحقيقي لا يكمن إلا في نظام إلهي قوي وعادل، ألا وهو نظام الإسلام... فإن هذه الاعترافات والاتهامات المتبادلة في ميونيخ تدل على اعتراف الباطل بضعفه وعلى اقتراب انتصار الحق. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾.

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

صلاح الدين الأوزبكي

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.