Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

سلسلة مواقف مضيئة في تاريخ الإسلام

الحلقة الثالثة

النصرة ليست شعاراً

بيعة العقبة الثانية

 

لم تكن بيعة العقبة الثانية حدثاً عابراً في سيرة تُروى، ولا لحظة وجدانية اختلطت فيها الدموع بالتكبير ثم انفضّ الجمع، بل كانت لحظة فاصلة بين الاستضعاف والتمكين وهذا المشروع الذي يبحث عن أرض يقف عليها وسلطانا يتكئ عليه. كانت إعلاناً صريحاً أن الفكرة، مهما كانت نقية وعظيمة، تحتاج سلطاناً يحميها حتى تتحول إلى واقع.

 

في موسم الحج، حيث تتقاطع القبائل وتتعدد الولاءات، كان النبي ﷺ يعرض نفسه على الناس: «مَنْ يُؤْوِينِي؟ مَنْ يَنْصُرُنِي حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّي؟» لم يكن طلباً للحماية الشخصية، بل بحثاً عن بيئة سياسية تحتضن مشروعاً كاملاً. الدعوة في مكة صمدت عقداً من الزمن، كوّنت رجالاً ونساءً على مستوى عالٍ من الإيمان والوعي، لكنها ظلت بلا كيان سياسي يحميها. وكلما اشتد الأذى، ظهر بوضوح أن التضحيات الفردية وحدها لا تكفي لتغيير ميزان القوى.

 

حين التقى النبي ﷺ بوفد الأنصار من يثرب، لم يكن اللقاء عاطفياً محضاً. في بيعة العقبة الأولى كان التركيز على الإيمان والأخلاق. أما في بيعة العقبة الثانية، فكان التركيز على النصرة والحماية الكاملة: «أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ نِسَاءَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ». هذا تعريف واضح للنصرة، لا مجرد التعاطف. الأنصار فهموا أن الأمر سيجر عليهم حرب العرب كافة، وأنهم لن يستضيفوا واعظاً، بل قائد مشروع سيغير خريطة الجزيرة العربية بل والعالم كله.

 

البراء بن معرور، وسعد بن عبادة، وغيرهما من الأنصار، لم يترددوا. قالوا بوضوح: نعم، لكم ما لنا وعليكم ما علينا. لكنهم كانوا يدركون أن البيعة تعني دماً وسيوفاً وصداماً مع قريش. لذلك سألوا عن الثمن: "فما لنا إن نحن وفّينا؟" فجاء الجواب: «الْجَنَّةُ». لم يكن وعداً بمكاسب سياسية ودنيوية عاجلة، بل ربطاً بين النصرة والمآل، في معادلة تُظهر أن المشروع ليس سلطة لذاتها، بل إقامةً لحقّ.

 

من تلك الليلة، تغيّر المسار. لم تعد الدعوة تبحث فقط عن حماية أفراد، بل أصبحت على أعتاب كيان. الهجرة التي تلت البيعة لم تكن فراراً، بل انتقالاً مدروساً إلى أرض أُعدّت لاستقبال الدولة، وانحيازاً لأهل القوة والمنعة فيها الذين وضعوا أنفسهم ورقابهم جسرا لتعبر عليه الدعوة وتقام به الدولة. لو بقي المسلمون في مكة بلا نصير، لاستمر الاستنزاف. ولو كانت النصرة ناقصة أو مشروطة، لتعثر المشروع عند أول اختبار. لكن النصرة كانت كاملة؛ حماية، وطاعة، واستعداداً للتضحية.

 

حين ننظر إلى واقعنا، نلمس الفرق بين التعاطف والنصرة. كثيرون يتألمون لقضايا الأمة، يتفاعلون، يتبرعون، يرفعون شعارات. هذا مهم، لكنه ليس بالضرورة نصرة بالمعنى الذي جسدته العقبة. النصرة هناك كانت التزاماً سياسياً واضحاً: استعداد لتحمل تبعات المواجهة، وتوفير الحماية الفعلية، والانخراط في مشروع تغيير شامل. لم تكن هتافاً موسمياً، ولا موجة حماس تنتهي بانتهاء الحدث.

 

الدرس الأعمق أن أي فكرة تريد أن تتحول إلى نظام ومنهج حياة تحتاج إلى قوة تحميها. ليست القوة بالمعنى العنيف المجرد، بل بمعنى السلطان القادر على تنفيذ الأحكام، ورد العدوان، وإدارة المجتمع وفق الرؤية التي يحملها. من دون هذا السلطان، تبقى الفكرة معلّقة في الهواء، عرضة للاحتواء أو القمع. وهذا ما عمل عليه النبي ﷺ بوضوح؛ لذلك لم يستعجل الصدام في مكة قبل أن تتوفر بيئة حاضنة.

 

في واقع الدول المعاصرة، نرى كيف تُجهض مشاريع كثيرة لأنها لا تمتلك سنداً حقيقياً في مراكز القوة. قد تكون الفكرة صحيحة في ذاتها، لكن غياب النصرة يجعلها عاجزة عن التحول إلى مؤسسات وقوانين. وقد يحدث العكس: تتوفر القوة بلا فكرة واضحة، فيتحول السلطان إلى أداة مصالح ضيقة. العقبة تعلّمنا أن التوازن مطلوب: فكرة واضحة + نصرة كاملة.

 

كما أن البيعة كانت فعلاً واعياً من الأنصار. لم يُخدعوا بشعارات، ولم يُدفعوا بعاطفة عابرة. سمعوا، وفهموا، ووزنوا المخاطر، ثم اختاروا. في واقعنا، كثير من القرارات المصيرية تُتخذ تحت ضغط اللحظة، أو بدافع الانفعال، دون إدراك لتبعاتها. العقبة نموذج لوعي جماعي يتحمل مسؤولية اختياره.

 

رمضان يعيد إحياء معنى البيعة على مستوى الفرد أيضاً. البيعة ليست مصافحة يد، بل التزام عملي. حين يقول الإنسان سمعنا وأطعنا، فهو يربط نفسه بطريق له كلفة. كذلك النصرة في معناها الأوسع ليست شعاراً، بل استعداد لتحمل أعباء التغيير.

 

بين مكة ويثرب، وبين الاستضعاف والتمكين، كانت ليلة العقبة الثانية الجسر الحقيقي. لم تُبنَ الدولة بخطاب فقط، ولا بسيف فقط، بل ببيعة واعية تُحوّل الإيمان إلى التزام سياسي كامل. ومن يفهم هذه اللحظة، يدرك أن النهضة لا تصنعها العواطف وحدها، ولا الشعارات العالية، بل نصرة صادقة تتحمل تبعاتها حتى النهاية، حتى تقام في الأرض الدولة الموعودة؛ الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة.

 

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية مصر

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.