- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
تبني الرؤية الحقيقية للتغيير في عصر المدينة الفاسدة
(مترجم)
يقول الله عزّ وجل: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ﴾.
يصوّر عصرٌ بائسٌ مجتمعاً مستقبلياً قاتماً يعجّ بالمعاناة والظلم والفوضى. ومع الأسف، أصبح هذا المجتمع واقعنا في هذا العقد: مجتمعٌ خالٍ من الحرية وغارقٌ في الخوف. وقد أدّى ذلك إلى إحباط معظم الناس، بمن فيهم المسلمون، من التطلّع إلى أحلامٍ كبيرة، وحصرهم في مجرد البقاء على هامش المجتمع.
في هذا العصر الذي تُقيّد فيه الحياة، غالباً ما يفتقرُ المسلمون إلى فهمٍ عميقٍ لغاية الحياة وكيفية السّعي وراء الطموحات الحقيقية. وقد أدّى تهميش نور الإسلام إلى انغماس الكثيرين في الحياة بلا هدف، متجنبين الرؤى العظيمة ليصبحوا مجرد أتباعٍ عاديين للظروف، أو على العكس، منغمسين في السعي وراء المكاسب المادية السطحية وملذات الدنيا.
يقول ابن القيم الجوزية: "إنّ قيمة الإنسان تُحدَّد بما يسعى إليه". لذا، فإن مساعينا تعكس جوهرنا ومكانتنا الحقيقية، سواء أكانت نبيلة أم دنيئة. وتختلف رؤية المسلم وتطلعاته اختلافاً جذرياً عن الطموحات الدنيوية التي تركز فقط على المكاسب المادية والجاه. ترتبط هذه الرؤى دائماً بجانبين أساسيين من جوانب الحياة: الهوية الذاتية ومعنى النجاح، وكلاهما يقود في نهاية المطاف إلى غاية الحياة؛ عبادة الله تعالى.
لكن في هذا العصر المضطرب، المليء بالشكوك والأزمات المتلاحقة، حيث تُخيّم طبقات من الغموض والالتباس على رؤية المسلمين كالمتاهة، تحتاج الأمة الإسلامية إلى نور الإسلام الهادي ليرشدها نحو مستقبلها الحقيقي، في الدنيا والآخرة.
بناءُ رؤية الأمة
غالباً ما تُفهم الرؤية لغوياً على أنها البصر أو القدرة على الرؤية. ويقدمُ القرآن الكريم شرحاً وافياً لهذه الرؤية، ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾، في هذه الآية، يقدم القرآن مصطلح البصير كأول مفهوم لرؤية المسلم. وهذه البصيرة هي القدرة على إدراك الحقيقة، وتمييز طريق الصواب، والتمييز بين الصواب والخطأ. لا تُنمّى هذه القدرة إلا بالتقوى، فالنفس النبيلة ذات المُثل العليا لا تُولد، بل تُصقل بالعقيدة الإسلامية.
والمفهوم التالي الذي يُشكّل رؤية أمة محمد ﷺ هو الفراسة، أو البصيرة، استناداً إلى قول النبي ﷺ: «اِتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ، فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ» رواه الترمذي. تُبنى الفراسة على البصيرة، فتمنح البصيرة أو الحدس لتقييم الحاضر بدقة، واختيار الطريق الصحيح، واستشراف المستقبل، كل ذلك بنور الإيمان. تُمكّن هذه البصيرة الاستراتيجية من اتخاذ قرارات سليمة مع الاستعاذة بالله سبحانه وتعالى.
هذان المفهومان - البصيرة والفراسة - ينمّيان البصيرة والقدرة على استشراف المستقبل في أمة محمد ﷺ، مانحين إياهم فهماً عميقاً ورؤية ثاقبة تمتدُ إلى الآخرة. ولذلك، لا يساورهم أي قلق بشأن المستقبل، إذ يُهيّئون حياتهم لاستقبال الدنيا والآخرة.
في العصر الذهبي للإسلام، برز جيل مسلم تزخر أرواحه بالمثل العليا، جيل لم تثنه مغريات الدنيا، بل غلبها لتحقيق انتصارات في الدنيا والآخرة. أسقط صحابة النبي محمد ﷺ أعظم الإمبراطوريات، وهزموا قوتين عظميين (الروم وفارس)، ووسعوا فتوحاتهم إلى الهند والمغرب وإسبانيا وغيرها. كذلك، في عصور مجد المسلمين وحماستهم - كما في زمن صلاح الدين الأيوبي - أذلوا أعداء الله، فكانوا يربطون كل عشرة أسرى نصارى بحبل واحد ويستبدلون بهم زوجاً من النعال. وعندما سُئلوا عن السبب، أجابوا: "إننا نخلد إذلالهم باستبدال الأحذية بمحاربيهم". وهكذا، استمر عارهم إلى الأبد.
الرؤية الجماعية للتغيير في أمة محمد
بالنسبة للمسلم، حتى العصر الكئيب لا يستطيع أن يُخفت الرؤية العظيمة للتغيير في الإسلام. ولا يمكن للشك أن يُضعف عزيمته، فإيمانه يُنير له الطريق، وهو يثق في الغيب، في اليقين المُعطي. يطمح بشجاعة إلى العظمة وينخرط في شؤون أمة محمد ﷺ النبيلة، كما يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيْمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. يُقدّم الله الإيمان بالغيب على أداء الصلاة وإنفاق المال، لأن الإيمان بالغيب هو مفتاحها. إنّ الإيمان بالغيب هو ما يُقوّي المسلم، إذ يقوم على يقين أنه مخلوق يحتاج إلى خالقه. هذا الإيمان يُفعّل البصيرة والفراسة لإحداث تغيير جوهري في الإسلام.
بالبصيرة والفراسة، يُدرك المسلم أنّ السبيل الوحيد للخروج من هذا العصر الكئيب هو العودة إلى الحياة الإسلامية. فالعقيدة الإسلامية ليست مجرد عقيدة روحية، بل هي قناعة روحية وسياسية. وعليه، يُفهم أنّ الأمة لا تنال الكرامة والتقدم إلا في عهد الخلافة، لأنّ الإسلام لا يُطبّق كمبدأ شامل إلا في ظلّ نظام الخلافة.
من جهة أخرى، من مظاهر الفراسة وضع استراتيجيات نجاح مُفصّلة ومستدامة، حيث يُفضي الوعي السياسي إلى إدراك أنّ التغيير الحقيقي لا يتحقق إلا بالعمل الجماعي، لا بالعمل الفردي، وأنّ عملية التغيير تكمن في العمل الجماعي، لا في الأعمال الفردية فحسب.
قال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ، وَيَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَة» رواه الترمذي. يحمل هذا الحديث دلالة عميقة على أهمية تضامن الأمة الإسلامية كقوة جماعية موحدة. إنّ يد الله مع الجماعة. وقد بيّن ﷺ بنفسه أنّ أعظم قوة في التغيير هي جماعة الدعوة التي بناها على مدى أكثر من عقد في مكة، حتى تحقّق النصر والتأييد الإلهي في المدينة المنورة.
وفي الختام، فلنواصل شحذ بصيرتنا وفراستنا بالإسلام، كما في رسالة الآية التالية: ﴿قَالُوا۟ أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾.
العبارة في الآية ﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾، أي فيرى كيف تعملون، تأتي بعد أن يمنحكم الله النصر بتدمير أعدائكم. ومعنى هذه الآية من سورة الأعراف هو أنه يجب علينا جميعاً أن نستعد لتمهيد الطريق واتباع خطا تطبيق الإسلام في المستقبل، بعد أن نتعلم من تطبيقه في الماضي. لذا، استعدّوا لعالم آخر في ظلّ الإسلام، وتوكّلوا على الله تعالى وحده.
كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
د. فيكا قمارة
#رؤية_حقيقية_للتغيير
#TrueVision4Change