Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

سراج المؤمن في الظلمة بصيرته

وسراج الغافل عنها هو العمى

 

إن الله سبحانه هو نور السماوات والأرض، وكل نور فيهما هو قبس من نوره، وكتابه هو نور حسِّي معنوي، ﴿يَهْدِيبِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾.

 

وهذا الوحي هو سبيل الهداية للحيارى والتائهين، ودليل نجاة من مكائد الشيطان الذي كانت حربه علينا منذ أن رفض السجود لسيدنا آدم في الجنة. فمن استمسك به نجا، ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً. قال نبينا ﷺ: «اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ».

 

وفي هذه الدنيا هناك عنوانان عريضان لفخاخ الشيطان للمسلم: الشبهات، والشهوات. وهذه تستلزم من المؤمن وعياً وإخلاصاً وتقوى. فلا سلامة لمجاهد يجهل طبيعة أرض المعركة، أو لم يتدرب كفايته ويتحصل قوَّة تمكنه من دفع العدو، أو ركن لنفسه واغترَّ ولم يُسلم قلبه لمولاه.

 

وحال المسلم في الدنيا حال مجاهد يجاهد نفسه وشيطانه وشبهات الدنيا وشهواتها. فعليه إذاً أن يكون على بصيرة، أي وعيٍ يدرك معه أحوال الدنيا ومآلاتها، ومنازل العدو: مبادئه وأفكاره وطريقته في الحرب علينا، وطريقة تفكيره، وقبل ذلك نواياه وأساليب حربه التي نحن هدفها. والوعي بكل هذه الأمور ومعرفة حقائقها الخفيَّة والجليَّة، هو نظرة عميقة لن تستنير إلا بنور الوحي.

 

المسألة ليست مسألة علم بما يجري، فالكل يدري وينظر ويشاهد، لكن الوعي هو رؤية ما لا يراه الكل، ومعالجة الأحداث من زاوية المبدأ، والحكم على الوقائع لأجل التعامل معها بما يناسب من منطلق العقيدة الإسلامية. وهذا ما يميز صاحب البصيرة من غيره من الناس.

 

والمسلم حين يحقق الوعي والإخلاص لله والتقوى، يحصِّل البصيرة التي هي ثمرة لهذه التقوى يمن الله بها على عباده المُخلَصين. وهي كما يُعَرِّفها ابن القيم رحمه الله: "نورٌ يقذفه الله في القلب، يرى به حقيقة ما أخبرت به الرسل، كأنه يشاهده رأي عين". وإن موضع البصيرة القلب، فهو محل نظر الله، وفيه الخير والشر، وهو المضغة التي عوّل رسول الله ﷺ صلاح الجسد أو فساده عليها.

 

وقال الأخفش في قوله سبحانه: ﴿قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾، أي علمت ما لم يعلموا به، من البصيرة [أي بسببها]. وقال اللّحيانيّ: والبصيرة: عقيدة القلب. قال اللّيث: البصيرة اسم لما اعتقد في القلب من الدّين وتحقيق الأمر، وقيل: البصيرة الفطنة، تقول العرب: أعمى اللّه بصائره أي فِطَنَهُ، عن ابن الأعرابيّ: وفعل ذلك على بصيرة: أي على عمد، وعلى غير بصيرة: أي على غير يقين.

 

أما الفِراسة فإنما هي ثمرةٌ للبصيرة الصادقة، ومرتبة عالية من مراتبها، لا ينالُها إلا أهلُ التوحيد الخالص، والقلبِ السليم، والسريرة النقية، والنفس الطاهرة، واللسان الصادق، ومع ذلك التقوى والورع، والمعرفة والفهم. ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾، تأمل قوله تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾، فهذا قسم محقق لا شرط فيه، وذلك أن ظهور ما في قلب الإنسان على لسانه أعظمُ من ظهوره على وجهه، لكنه يبدو بُدوّاً خفيّاً يراه الله، ثم يقوى حتى تصير صفةً في الوجه يراها أصحاب الفراسة، ثم يقوى حتى يظهر لجمهور الناس.

 

وحسَب قوة البصيرة وضعفِها تكونُ الفِراسة، وفراسة الصادقين العارفين بالله وأمره، فإن همَّتَهم لَمَّا تعلَّقت بمحبةِ الله ومعرفته وعبوديته، ودعوة الخَلق إليه على بصيرة، كانت فراستُهم متصلةً بالله، متعلقة بنُور الوحيِ مع نور الإيمان، فميَّزَتْ بين ما يُحبه اللهُ وما يُبغضه من الأعيان والأقوال والأعمال، وميَّزت بين الخبيث والطيب، والمُحِقّ والمُبطِل، والصادق والكاذب، وعرفت مقاديرَ استعداد السالكين إلى الله، فحملت كلَّ إنسان على قدرِ استعداده، عِلماً وإرادةً وعملاً" [مدارج السالكين لابن القيم الجزء 1 ص 123].

 

قال ابن رجب رحمه الله: "فإذا كان القلب صالحاً ليس فيه إلا إرادة الله وإرادة ما يريده لم تنبعث الجوارح إلا في ما يريده الله، فسارعت إلى ما فيه رضاه، وكفت عما يكرهه، وعما يخشى أن يكون مما يكرهه" يقول سبحانه: ﴿واتقوا الله ويعلِّمكم الله﴾.

 

ويتفاوت الناس في عمى البصيرة، قوة وضعفاً بقدر ما لديهم من توفيق الله تعالى أولاً، ثم بما لديهم من علم ومعرفة وتقوى وإخلاص واجتهاد في عبادة الله تعالى، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾. قال المراغي رحمه الله: "إن الأمة في العمل أقسام ثلاثة: مقصّر في العمل بالكتاب مسرف على نفسه، ومتردد بين العمل به ومخالفته، ومتقدم إلى ثواب الله بعمل الخيرات وصالح الأعمال بتيسير الله وتوفيقه".

 

فأصحاب الفراسة يرون ما لا يظهر لجمهور الناس، وهذا حال المؤمن الواعي المستبصر، الذي يعالج مجريات الأحداث وفق رؤية القرآن والسنة. فيرى ما يُحاك للأمة قبل وقوعه، ويُبصر ما لا يبصرون من مخططات ونوازل يستهدف فيها العدو أمته، فيكون ممن يحذّر أمته منها ويصدع بالحق لا يخاف في الله لومة لائم.

 

في سورة البروج يذكرنا الله أن غاية العدو ليست القتلَ فحسب، بل فتنةُ المؤمنين عن دينهم، فالمعركة في الميدان في السلاح، وفي بلاد الإسلام بوسائل الإعلام، فهي معركة وعي وبشكل أخص وعي سياسي على الأفعال وردّات الفعل، وإذا ضَعُفَت البصيرةُ انكسرتِ النفوسُ قبل الجبهات.

 

فإذاً المعركة تستلزم إخلاصاً وصدقاً وثباتاً. كلها مجموعة في التقوى والتمسك بحبل الله، ومعهما: وعي سياسي منبثق من الإسلام، فالوعي السياسي ضرورة شرعية حتى لا يقع المسلم في فخاخ عدوه، ولا يكون أداة ينفذ عبرها الغرب مكائده للأمة. ومن الوعي السياسي أن ندرك أن الفوضى التي نعيشها لا حلَّ لها إلا بإيجاد رأي عام يفرض نفسه في الأمة على ضرورة تطبيق الإسلام تطبيقاً انقلابياً شاملاً، بالطريقة التي طبقه بها رسول الله ﷺ، ورأي عام على ضرورة وجود قوة تحمي هذا الرأي العام وتمنع وأده أو الانقلاب عليه أو تمييعه في الناس.

 

ومن صور البصيرة أن يدرك المسلم مهلكة الركون لغير الله فلا يركن للنظام الدولي، ولا يستجدي مجلس الأمن أو غيره، وطبعاً مما يستلزمه الوعي على نتائج الركون للنظام الدولي هو نبذ الأنظمة في بلاد المسلمين جملة وتفصيلاً فكلها أدوات بيده. وأن الحل هو في وحدة الأمة وتوحيد مقدراتها وجهودها.

 

ومن فراسة حزب التحرير العامل لاستئناف الحياة الإسلامية: تحذيره للفصائل المجاهدة في الشام من خطورة الركون للنظام التركي والقبول بالدعم السياسي أو المال السياسي القذر. ومن فراسته: تحذيره من أن إيجاد منظمة التحرير في فلسطين هو خطوة لبيع قضية فلسطين. وقد أثبتت الأيام صدقه، وفضحه لخيانة عرفات والسادات وعبد الناصر قبل أن تكتشف الأمة وتصدق. ومنه أيضاً فضحه لأردوغان وارتباطه بأمريكا وخدمته لها، وهو ما كشفته ثورة الشام، وفضحته غزة.

 

ولنا في سيدنا رسول الله ﷺ الذي كان النذير العريان، قدوة، وأبي بكر الذي أسلم على يده عدد من العشرة المبشرين بالجنة، وهو الذي به ثبت المسلمون حين تلقوا مصيبة موت رسول الله ﷺ، فرأى الفتنة التي كادت تهلك الأمة حين ارتدت قبائل العرب وأنكروا الزكاة فقال: "لو منعوني بعيراً كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه"، وقال: "لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة"، رغم مصابه بفقد حبيبه وخليله ورسوله ﷺ، وإنجازه لبعث أسامة وحال الضعف الذي كانت تمر به المدينة.. لكنه ببصيرته أدرك أن المسألة مسألةُ صدق مع الله وثبات على شرعه، ولو تضعضعت عزيمته لهلك المسلمون واندثر دين الله، وبصيرته حين استخلف عمر بن الخطاب على المسلمين. وقدوته سيدنا عمر الذي كان يقول: "لست بالخِبِّ ولا الخِبُّ يخدعني".

 

قال تعالى: ﴿قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

بيان جمال

 

#رؤية_حقيقية_للتغيير

 

#TrueVision4Change

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.