- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
التوتُّرُ الأمريكي الإيراني.. هل ينتهي إلى اتفاقٍ؟
أم إلى حربٍ تُغيِّرُ أوضاعَ المنطقة وتقلبُ الموقفَ الدولي فيها رأساً على عَقِب؟
منذ منتصف العام 2025 والتحركات العسكرية للولايات المتحدة على قدمٍ وساقٍ في منطقة الخليج العربي، حيث تحشد مختلف أنواع الطائرات الحربية كالإف 22 الشبحية، والإف 35، وطائرات الإنذار المبكر، وطائرات الحرب الإلكترونية، تحشدها في قواعد برية، وفي المياه القريبة من الخليج، وفي الجزء الغربي من المحيط الهندي الذي تملؤه بحاملات طائراتها وما يرافقها من مدمرات وطرادات وغواصات وسفن. وقد ازدادت وتيرة هذه الحشود بشكل جنوني منذ كانون الثاني الفائت، ما زاد أجواء المنطقة توتراً، تشحنه تهديدات أمريكا لإيران لتخضع لشروطها بشأن برنامجها النووي وتسلحها العسكري. وتواجه إيران هذه التهديدات برفض يبدو كأنه ثابت وعنيد، وتهديدات مضادة تزيد التوتر. الأمر الذي يُنذر بحرب كبيرة وخطيرة بنتائجها وتداعياتها. ويقف المراقبون ما بين محرض وخائفٍ ومتربِّص، ومتسائل: هل تندلع الحرب أم يتوصلون إلى اتفاق؟
يختلف المراقبون في النتيجة التي ستؤول إليها هذه الحشود والتهديدات والسياسات المتضادة في المنطقة، فمنهم من يذهب إلى أنها محكومة بأن تنتهي إلى التفاوض والاتفاق، لأن الحروب الكبيرة مكلفة وكبيرة الأضرار بكل أطرافها، فلا أحد من أطرافها يريدها، ويفضلون التفاوض بشأنها مهما طال أمدها. وهذا القول له وزنه ولكنه منطقي وحسب. ومنهم من يذهب إلى أن الصدام العسكري في المحصلة حتمي، لأن الخلاف هو حول مصالح حيوية واستراتيجية، وأطراف المشكلة تراها قضية مصيرية. وهذا القول أيضاً له وزنه ولكنه منطقي فقط. لذلك لا يمكن ترجيح أي من الرأيين إلا بأدلة من الواقع. فالحشود والتهديدات والتهديدات المضادة لا تحسم الأمر، كما أن حصول التفاوض بين أمريكا وإيران والتصريحات المتفائلة أحياناً لا تحسمه أيضاً. وإذا كانت الحرب رهناً بأن تبدأها أمريكا، فيبدو أن الإدارة الأمريكية نفسها لم يتقرر لديها بعد أن تقوم بذلك.
إن مجريات الأحداث من حشود أمريكية تقابلها استعدادات إيرانية، وتهديدات أمريكية تنقضي مددها مرَّةً بعد مرة وتقابلها تهديدات إيرانية مضادة، مع جمود الطرفين عند مواقف ثابتة، وفي الوقت نفسه استمرار جلسات التفاوض لعلها تسفر عن شيء يُبعد شبح الحرب، لَيدلُّ على أنهما كليهما يخشيان الحرب.
وإذا كانت إيران تفضل عدم وقوع الحرب، فهذا يرجع إلى فروق القوى بينها وبين أمريكا، وما قد تؤول إليه الحرب من أضرار تؤدي إلى تدمير كبير في إيران، وتغيير النظام فيها وتحويلها إلى دولة ضعيفة وفاشلة كالعراق وسوريا وليبيا والسودان وغيرها. فهذا احتمالٌ قائم ولا يمكن إغفاله، وهو يدفع إلى سؤال: لماذا إذن هذا الإصرار الإيراني والتهديد بدخول حرب مفتوحة مع أمريكا وضرب قواتها ومصالحها في المنطقة؟ لماذا لا تذعن لمطالب أمريكا وتوفر على نفسها هذا المصير؟
والجواب هو أن هذا المصير هو مجرد احتمال منطقي. وإذا كان وارداً فعكسه وارد أيضاً، وهو أن تتمكن إيران من استيعاب الهجمات الأمريكية، وبخاصة أن لها امتدادات وأذرعاً في المنطق. والجواب الأهم هنا هو أن مطالب أمريكا أخطر على إيران ونفوذها في المنطقة من نتائج الحرب. فالذي تريده أمريكا بالمفاوضات هو نفسه الذي تريده بالحرب، وهو استسلام بمثابة انتحار. وسياسة أمريكا هي أن تخضع المنطقة لها بشكل وقح وعلني، لتقتلع الإسلام السياسي منها اقتلاعاً نهائياً، وتنصب كيان يهود شرطياً عليها، بما فيها إيران ومنطقة الخليج، لتصول فيها وتجول، وتضرب وتدمر وتقتل بلا رقيب ولا حسيب، كما تفعل في لبنان وسوريا. وهذا يتطلب القضاء على قوة إيران، وإلحاقها بالدول الضعيفة والتابعة. ولذلك تقف إيران بهذا العناد لأنها تدرك أن أصعب مآلات هذه الحرب أسهل عليها من الخضوع لمطالب أمريكا.
هذا بالنسبة لإيران، فماذا عن أمريكا، وهي الدولة الأولى في العالم، والأقوى عسكرياً، وسيدة النظام العالمي؟ كيف تقبل بهذا العناد الذي وصل حدَّ التحدي والاستفزاز، كيف تقبله من دولة سارت عقوداً في فلكها، وتمددت في كنفها، وحفظت لها مصالحها في لبنان وسوريا والعراق واليمن وغيرها؟ بل كيف تتجاهل تهديداتها بضرب أهم مصالحها في المنطقة سواء في منطقة الخليج أو بضرب كيان يهود؟!
إن مكانة أمريكا الدولية وقوتها وسوابقها في انتهاك القوانين الدولية، واعتمادها على يدها الضاربة كيان يهود، يبعث على إعادة النظر في هذه المكانة وفي فوارق القوة، وهل تتراجع قدرة أمريكا على فرض سياساتها في العالم. وذلك أنها لم تكن لتقبل هذا التحدي الإيراني لولا خوفها هي أيضاً من عواقب مهاجمتها لإيران لإكراهها على تنفيذ ما تريده منها. وبخاصة أن لها تجربة معها في حرب الــ12 يوماً في حزيران 2025. وبتعبير آخر: لولا خوف أمريكا من ردّ إيران، لما تأخرت في ضربها والقضاء على كل عقبة تحول دون تنفيذ استراتيجيتها. وهذا مما تؤكده حقائق الواقع العسكرية والجيوسياسية. فالصواريخ الإيرانية تثير الرعب في كيان يهود وأمريكا أيضا. سواء الفرط صوتية التي جُربت واشتهرت قوتها، أو التي ما زالت في إطار الدعاية الصاخبة.
فإذا استعرض المراقب ما يستعرضه المسؤولون الأمريكان عن المآلات الخطرة لهذه الحرب عليهم، كما تقدم استعراض خطرها على إيران، فمن المحتمل أن أذرع إيران في العراق واليمن ولبنان تمتلك قوى صاروخية قادرة على توسيع دائرة إشعال المنطقة، وخصوصاً ضد كيان يهود. أضف إلى ذلك ضرب القواعد العسكرية الأمريكية في منطقة الخليج ودول الطوق، وضرب المصالح الاقتصادية عبر مضيقَي هرمز وباب المندب، وطرق التجارة والملاحة الدولية. ناهيك عن خطر إغراق كل أو بعض قوات أمريكا العسكرية البحرية. ومهما تضاءلت هذه الاحتمالات فهي موجودة. والجهل بما لدى إيران من قوى عسكرية يزيد مخاوف أمريكا من إشعال هذه الحرب. وإذا استطردنا أكثر وعلى عجَل، فإن دولاً مثل روسيا والصين لها مصلحة في إغراق أمريكا في رمال الخليج ومياهه. فهذا الهجوم الذي تهدد به أمريكا إيران، قد يكون سببا لاستنزافها في المنطقة. وهو استنزاف أخطر من استنزافها لروسيا في أوكرانيا. وذلك أن روسيا تحارب دولة حدودية، بخلاف أمريكا التي ستشكل المسافات عبئاً كبيراً عليها. كما أن روسيا وجدت دولة كبرى تنقذها وتدعمها، وجدت الصين ومعها كوريا الشمالية. أما أمريكا، فإذا أُغْرِقت بعض سفنها ودمرت بعض قواعدها، واحتاجت لأي نوع من أنواع الدعم، فمن الذي سيدعمها، وهي تقطِّع نسيج علاقاتها والثقة بها مع حلفائها الأوروبيين. وإذا وقع هذا الأمر فهو - مع تداعياته الاقتصادية على الولايات المتحدة، ومع الأوضاع الداخلية بين الحزبين - نذير بتراجع نفوذها في المنطقة، وخروجها التدريجي منها، وبتغيُّر الموقف الدولي في المنطقة ثم في العالم.
وهذا ما يفسر تكرار تهديدات أمريكا لإيران من غير طائل. وهو أيضاً ما يشجع إيران على عدم الخضوع لطلبات أمريكا وتهديداتها. ولهذا الأمر شواهده الكثيرة والمتراكمة، لأنه ليس حديثاً، فقد بدأ بغرور ترامب خلال رئاسته الأولى عام 2018 بعد إلغائه الاتفاق النووي مع إيران، ولكن لا يتسع المقام لمزيد شواهد.
وبناء على هذه الرؤية، هل ينتهي هذا التوتر الأمريكي الإيراني حالياً إلى اتفاق بينهما أم إلى حرب تغيِّر أوضاع المنطقة وتقلب الموقف الدولي رأساً على عقب. والجواب: إن ما تقدم بيانه من عواقب خطيرة لهذه الحرب على أمريكا يجعل قيامها بها مغامرةً خطرة، مقامرة بجلِّ ما تملك. ولما كانت أمريكا محكومة لدولتها العميقة، وهي دولة براغماتية ذكية، فإنه ليس من الحكمة أن تقدم في الأوضاع الحالية على الهجوم الذي تهدِّد به. وهذا يجعلها في مأزق لأنه ضارٌّ بمكانتها الدولية. فالتهديدات والضغوط من غير طائل يبعث على السخرية.
فهذا الخلاف والتوتر الجاري حالياً بين أمريكا وإيران، كيفما قلّبتَ وجوهه، هو مأزقٌ معقدٌ لأمريكا، يضاف إلى مآزقها المتزايدة مع أوكرانيا حيث تعجز عن فرض شروطها عليها لوقف إطلاق النار، ومع كندا حيث فشلت في محاولات ترامب ضمها إلى الولايات الأمريكية، ومع الدنمارك وأوروبا حيث فشلت في ضم جزيرة غرينلاند، ويتعمق الخلاف بينهما. وتكاثر المآزق واشتدادها هو سبيل النقص والتلاشي.
﴿أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ﴾
كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
الدكتور محمود عبد الهادي