Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

سلسلة رمضان وبناء الأمة من جديد

الحلقة السابعة

مصر قبل وبعد غياب الحكم بالإسلام

 

 

عندما يُقال إن مصر حين كانت جزءاً من دولة الإسلام كانت فاعلاً مركزياً في القرار ومورداً للقوة، لا ساحة للاستنزاف، فالمقصود ليس رسم صورة مثالية خالية من الأخطاء، بل توصيف طبيعة الدور الذي لعبته ضمن إطار سياسي أوسع. فمصر، منذ فتحها في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لم تكن إقليماً معزولاً، بل أصبحت جزءاً من كيان سياسي ممتد، يربط بين أطراف متعددة بعقيدة ونظام حكم مشتركين.

 

في العهد الراشدي ثم الأموي والعباسي، كانت مصر من أهم البلاد إنتاجاً للغذاء والموارد. خراجها كان عنصراً أساسياً في بيت المال، لكنه لم يكن يُستنزف، بل كان يُعاد توظيفه ضمن شبكة مترابطة من الولايات. حين احتاجت المدينة المنورة أو الكوفة إلى إمدادات، كانت مصر تمدّها. وحين تعرضت أطراف الدولة لتهديد خارجي، كانت موارد الولايات ومنها مصر تُسخّر ضمن رؤية واحدة.

 

حين واجهت المنطقة الحملات الصليبية، لم تكن مصر مجرد متلقٍ للأحداث، بل تحولت إلى قاعدة انطلاق استراتيجية. صلاح الدين الأيوبي، الذي وحّد مصر والشام تحت قيادة واحدة، لم يكن يتحرك ضمن حدود وطنية ضيقة، بل ضمن تصور لوحدة الأمة، حتى استعاد سيادة الأمة وحرر الأقصى بجند مصر والشام، فمصر كانت درع الأمة وحاميتها.

 

وبعد سقوط بغداد على يد المغول، أصبحت القاهرة مركز الثقل السياسي في دولة الخلافة. معركة عين جالوت لم تكن حدثاً عسكرياً محلياً، بل لحظة فارقة أوقفت الزحف المغولي غرباً. مصر لم تكن ساحة مستباحة، بل مركز قرار يحدد مصير المنطقة. هذه المكانة لم تنبع فقط من القوة العسكرية، بل من كونها جزءاً من كيان سياسي يرى نفسه ممثلاً لوحدة أوسع.

 

حتى في العهد العثماني، ورغم ما شابه من ضعف إداري في مراحله المتأخرة، بقيت مصر ضمن إطار سياسي جامع. صحيح أن بعض الفترات شهدت استبداداً أو فساداً، لكن السيادة ظلت للشرع، وكانت العلاقة بين الولايات محكومة بمنطق الانتماء لدولة واحدة، لا لعلاقات دول متنافسة.

 

المفارقة الكبرى ظهرت مع تشكل الدولة القُطرية الحديثة. بعد الحرب العالمية الأولى وهدم الخلافة العثمانية سنة 1924م، دخلت المنطقة مرحلة إعادة رسم الحدود. أصبحت مصر دولة ضمن نظام دولي جديد. من حيث الشكل، بدا ذلك تقدماً نحو الاستقلال الوطني، لكن من حيث البنية العميقة، دخلت في شبكة معقدة من العلاقات الاقتصادية والسياسية التي حدّت من هامش قرارها المستقل.

 

في المجال الاقتصادي، لم تعد الموارد تُدار ضمن رؤية تكاملية مع أقاليم أخرى، بل ضمن منطق سوق عالمي تحكمه مراكز مالية كبرى. مع توسع الاقتراض الخارجي في العقود الأخيرة، أصبح جزء معتبر من الموازنة يُوجَّه لخدمة الدين. هنا يتجلى الفرق بين إدارة الثروة بمنطق داخلي قائم على موارد ذاتية، وإدارتها بمنطق ارتباط مستمر بالدائنين. حين ترتفع أسعار الربا عالمياً، تتأثر الموازنة محلياً؛ وحين تتغير شروط الإقراض، تُعاد صياغة السياسات.

 

مثال ذلك برامج الإصلاح الاقتصادي المرتبطة باتفاقات تمويلية، والتي غالباً ما تتضمن إعادة هيكلة الدعم أو تحرير أسعار. هذه القرارات قد تُقدَّم باعتبارها ضرورات مالية، لكنها تعكس أيضاً درجة الارتباط بمنظومة مالية دولية تحدد الإطار العام للحركة. هنا يتحول الاقتصاد من عنصر قوة سيادي إلى مجال تأثر دائم بعوامل خارجية.

 

أما في البعد الأمني والسياسي، فقد تغير مفهوم "الحماية". في الكيان السياسي الجامع، كان التهديد يُنظر إليه باعتباره تهديداً للأمة ككل، فتعبأ الموارد المشتركة. أما في الدولة القُطرية، فلكل دولة حساباتها وتحالفاتها. الأمن قد يُدار أحياناً بمنطق داخلي يركز على الاستقرار السياسي على حساب الرعاية، ما يخلق توتراً بين السلطة والمجتمع.

 

إن غياب السيادة الحقيقية للشرع يعني أن النظام السياسي حين يفقد الأساس العقدي الجامع، يصبح أكثر عرضة للتأثر بالتوازنات الدولية. فحين تكون التشريعات وسن القوانين خاضعة بالكامل لإرادة بشرية ضمن إطار وطني ضيق، تتبدل القوانين وفق تغير الحكومات أو الضغوط. أما في نظام أساسه الوحي ويجعل السيادة للشرع، فإن مساحة التبدل إن لم تنعدم فإنها تكون أضيق في القضايا الأساسية.

 

رمضان، يعيد تسليط الضوء على هذا السؤال: هل العلاقة بين النص والواقع علاقة تلاوة وشعور روحي فقط، أم علاقة تشريع نمط عيش وتنظيم حياة؟ حين يُقرأ التاريخ في ضوء هذا السؤال، لا يكون الهدف البكاء على ماضٍ مضى، بل فهم السنن التي تحكم صعود الأمم وهبوطها. فالوحدة تعزز الوزن الاستراتيجي، والاستقلال في القرار الاقتصادي يعزز المناعة، والأساس الواضح المبني على أساس العقيدة الصحيحة كرابطة مبدئية وسيادة الشرع، يعزز الانسجام الداخلي.

 

لكن من الضروري أيضاً الاعتراف بأن أي نموذج تاريخي أو معاصر لا ينجح بمجرد رفع الشعارات. فالقوة ليست مجرد وحدة جغرافية، بل قدرة على إدارة الموارد بعدل وفاعلية.

 

إن المقارنة بين مرحلتين ليست مجرد سرد تاريخي، بل نقاش حول طبيعة المرجعية، وحدود السيادة، وكيف تتحول الدولة من فاعل مؤثر إلى ساحة تأثر. والسؤال المفتوح أمام الأجيال المعاصرة ليس كيف تستعيد صورة الماضي حرفياً، بل كيف تبني إطاراً سياسياً واقتصادياً يعيد للقرار استقلاله، وللمجتمع انسجامه، وللدولة دورها كراعية لا كمدير أزمة دائم.

 

نسأل الله أن يعيد لنا الدولة الراعية دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.

 

 

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية مصر

 

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.