- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
صناديق تُبدِّل الوجوه ولا تُبدِّل الأنظمة
حقيقة الوهم الديمقراطي في مصر والغرب
منذ أن فُرض النظام الديمقراطي على بلاد المسلمين بعد إسقاط دولة الخلافة، صُوِّرت صناديق الاقتراع على أنها التعبير الأسمى عن إرادة الشعوب، وأنها الطريق إلى الحرية والعدالة ومحاسبة الحكام. غير أن الواقع في مصر وسائر بلاد الأمة، بل وفي معاقل الديمقراطية نفسها في بريطانيا وفرنسا وأمريكا، يكشف أن هذه الصناديق لا تغيّر جوهر النظام، ولا تمسّ الأسس التي يقوم عليها الحكم، وإنما تُستخدم لإعادة إنتاج الطبقة السياسية نفسها، ضمن الإطار الرأسمالي ذاته.
الديمقراطية تقوم على مبدأ جوهري هو أن السيادة للشعب، بمعنى أن الشعب هو مصدر التشريع، يحلّ ويحرم، ويضع الدساتير ويعدلها وفق أهواء الأكثرية. وهذا الأساس يصادم أصل العقيدة الإسلامية التي تجعل السيادة للشرع، قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾. فالمسلم حين يُستدرج إلى صندوق الاقتراع ليختار من يشرّع له بغير ما أنزل الله، يُطلب منه عملياً أن يقرّ بمبدأ يناقض عقيدته. أما الحديث عن "اختيار الحاكم" في الإسلام، فهو بيعة على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، لا تفويضاً مطلقاً للتشريع وفق الأهواء والمصالح.
مصر... تداول وجوه لا تداول سلطان
في مصر، عرفت البلاد مراحل متعددة من الاستفتاءات والانتخابات، لكن هل تغيّر النظام؟ الدستور نفسه يقوم على مرجعية وضعية، والاقتصاد قائم على الرأسمالية والاقتراض الربوي، والسياسة الخارجية مرهونة بالاتفاقيات الدولية وموازين القوى العالمية. فحتى لو تغيّر الرئيس أو البرلمان، فإن الالتزامات مع المؤسسات المالية الدولية الاستعمارية، والارتباط بالنظم الاقتصادية العالمية، تظل ثابتة. صندوق الاقتراع لا يمكّن الأمة من تغيير النظام، بل يحدد فقط من يدير النظام القائم. وهكذا تُختزل السياسة في صراع على المقاعد، بينما تبقى السيادة للقوانين الوضعية، لا لشرع الله.
بريطانيا... مسرح الديمقراطية العريق
تُقدَّم بريطانيا بوصفها "أم البرلمانات"، حيث يعود النظام البرلماني فيها إلى قرون. غير أن المتابع يرى أن الناخب البريطاني يصوّت لحزب العمال أو المحافظين، لكن السياسة العامة لا تنقلب جذرياً. السياسة الخارجية، الالتزامات في حلف الناتو، العلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة، النظام الرأسمالي المالي في لندن... كلها ثوابت لا يمسّها التغيير الحزبي. بل إن السنوات الأخيرة شهدت تغيّر رؤساء الوزراء بوتيرة سريعة دون انتخابات عامة في كل مرة، حيث يُستبدل الزعيم داخل الحزب الحاكم ويُسلَّم الحكم له، في مشهد يكشف أن "إرادة الشعب" ليست دائماً هي الحاسمة، بل حسابات الحزب والنخبة السياسية.
فرنسا... احتجاجات بلا أثر جذري
في فرنسا، خرجت حركة السترات الصفراء لسنوات احتجاجاً على السياسات الضريبية والاقتصادية. لكن هل غيّرت صناديق الاقتراع المسار الاقتصادي الرأسمالي؟ الرؤساء يتغيرون، من يمين إلى وسط إلى يسار، غير أن فرنسا تبقى ملتزمة بالنظام الرأسمالي، وبالهيمنة في أفريقيا، وبالسياسات الأمنية ذاتها تجاه المهاجرين والمسلمين. فالناخب يختار بين برامج متقاربة في الجوهر، مختلفة في الشعارات. أما الإطار العام، أي الرأسمالية والعلمانية، فخارج نطاق التصويت أصلاً.
أمريكا... المال يحكم
أما أمريكا، فتُعد النموذج الأبرز للديمقراطية الليبرالية. لكن الحملات الانتخابية فيها تُدار بمليارات الدولارات، وتتحكم بها الشركات الكبرى وجماعات الضغط (اللوبيات). فالمرشح يحتاج إلى تمويل ضخم، ما يجعله أسيراً للممولين. وهكذا تصبح السياسات خاضعة لمصالح الشركات العملاقة ومجمع الصناعات العسكرية، بغض النظر عن الحزب الفائز. ويتناوب الحزبان الجمهوري والديمقراطي على الحكم، لكن دعم كيان يهود، والهيمنة على الاقتصاد العالمي، وحماية مصالح الشركات العابرة للقارات، تبقى خطوطاً حمراء لا يجرؤ أحد على تجاوزها. فهل هذه سيادة شعب أم سيادة رأس المال؟
وهم الأكثرية
يُقال إن الديمقراطية تعبر عن حكم الأكثرية. لكن الواقع أن نسبة المشاركة في كثير من الانتخابات الغربية لا تتجاوز نصف الناخبين أحياناً، والفائز قد يحصل على نسبة ضئيلة من مجموع السكان. ومع ذلك يُقال إنه يمثل الشعب! ثم إن الأكثرية نفسها قد تُضلَّل عبر الإعلام الموجَّه، واستطلاعات الرأي المصنوعة، وصناعة الصورة. فالإعلام في الغرب مملوك في معظمه لشركات كبرى، تشكل وعي الناخبين وتحدد أولوياتهم، فيصوّتون ضمن إطار مرسوم سلفاً.
يخلط البعض بين الشورى في الإسلام والديمقراطية الغربية. غير أن الشورى ليست نظام حكم وإن كانت من نظام الحكم وتعني أخذ الرأي بينما الرأي الحقيقي والنهائي للخليفة صاحب الصلاحية والسلطان في الأمة، وله وحده الحق في تبني الأحكام الشرعية وتنزيلها على الواقع، أي أنه لا يشرع من تلقاء نفسه وﻻ من رأي غيره من البشر.
فالحاكم في الإسلام مُلزَم بالشرع، وتُحاسبه الأمة إن خالفه. أما في الديمقراطية، فهي في ذاتها نظام حكم والحاكم يملك حق اقتراح القوانين، والبرلمان يملك حق إقرارها، ولو خالفت شرع الله، ما دام ذلك يحظى بأغلبية الأصوات.
الفارق جوهري: في الإسلام، الإنسان عبد لله، وفي الديمقراطية، الإنسان مشرّع لنفسه.
لماذا يُصرّ الغرب على تصديرها؟
لأن الديمقراطية صارت وسيلة لاستعمار البلاد ونهب ثرواتها واستعباد شعوبها فهي جزء من النظام الرأسمالي الذي يكرّس سيادة البشر على التشريع، ويُبقي الاقتصاد خاضعاً لحرية السوق. وهي أداة لإدارة الصراع الداخلي دون تهديد جوهر النظام. أما حين تتعارض نتائج الانتخابات التي تقام في ظل الديمقراطية مع مصالح القوى الكبرى، فإن التدخل السياسي أو الاقتصادي أو حتى العسكري يصبح وارداً، كما شهد العالم في تجارب متعددة.
الأمة الآن لا تحتاج إلى تبديل وجوه في ظل نظام فاسد، بل إلى تغيير جذري يعيد السيادة للشرع، ويجعل السلطان للأمة تُنيبه لمن يحكمها بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ. فالمشكلة ليست في نزاهة الصندوق أو شفافية الفرز، بل في الأساس الذي تقوم عليه ويقوم عليه النظام كله.
إن الرأسمالية، سواء ألبست ثوب الديمقراطية في الغرب، أو قُدّمت بنسخة هجينة في بلاد المسلمين، تظل نظاماً يجعل التشريع للبشر، ويجعل المصالح المادية هي المعيار الأعلى.
لقد أثبتت التجربة في مصر وسائر بلاد الأمة، كما في بريطانيا وفرنسا وأمريكا، أن صناديق الاقتراع لا تغيّر جوهر النظام، بل تعيد إنتاجه. فالسيادة تبقى للقوانين الوضعية، والاقتصاد يبقى رأسمالياً، والسياسة الخارجية تبقى خاضعة لموازين القوى.
وما لم تستعد الأمة وعيها بحقيقة هذا الوهم، وتدرك أن التغيير لا يكون بتجميل النظام، بل باقتلاعه من جذوره وإقامة نظام يقوم على العقيدة الإسلامية، فإنها ستبقى تدور في حلقة مفرغة، تنتظر من الصندوق ما لا يمكن أن يمنحه.
﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَـئِكَ هُمُ الْكَـافِرُونَ﴾
كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
سعيد فضل
عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر