Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

سلسلة رمضان وبناء الأمة من جديد

الحلقة الحادية عشرة

الجيش لمن يجب أن يكون ولاؤه؟

حمل الإسلام للعالم رسالة هدى ونور

 

الجيش في أي أمة ليس مجرد مؤسسة عسكرية تحمل السلاح، بل هو عنوان سيادتها وترجمة إرادتها وحارس كرامتها. لذلك فإن السؤال الحقيقي عن أي جيش لا يكون عن عدد دباباته ولا عن تنوع طائراته، بل عن عقيدته: لمن يقاتل؟ ولماذا يقاتل؟ ومن يحدد له عدوه وصديقه؟ هذه الأسئلة هي التي تصنع الفارق بين جيشٍ يحمل رسالة، وجيشٍ يتحرك داخل حدود مرسومة له سلفاً لا يتجاوزها.

 

في التصور الإسلامي، لم يكن الجيش كياناً منفصلاً عن الأمة، ولا أداة بيد سلطة تبحث عن تثبيت حكمها. كان جيشاً منبثقاً من عقيدة، يتحرك بدافع حمل الإسلام للعالم وحماية الدين ورعاية الناس وصون الأرض. ولذلك حين خرجت الجيوش الأولى من المدينة، لم تكن تبحث عن نفوذ قومي ولا عن مجدٍ عرقي، بل كانت تتحرك ضمن رؤية واضحة: إزالة العوائق التي تحول بين الناس وبين سماع رسالة الإسلام، وحماية الكيان السياسي الذي يحتضنها.

 

انظر إلى جيش بدر. لم يكن جيش دولة عظمى، بل بضع مئات من الرجال، بلا عدة مكتملة ولا استعداد كامل. ومع ذلك، صنع لحظة فارقة في التاريخ. لماذا؟ لأن القضية كانت واضحة: دفاع عن كيان ناشئ، وعن عقيدة تتعرض للاستئصال. لم يكن الجيش يومها يحرس نظاماً منفصلاً عن أمته، بل كان هو الأمة نفسها.

 

ثم انظر إلى القادسية واليرموك. الجيوش التي واجهت إمبراطوريتين عظميين، لم تكن تقاتل لتوسيع حدود دولة قومية، بل لحمل الإسلام إلى شعوب تحكمها أنظمة جائرة، ولإقامة حكمٍ يساوي بين الناس في الحقوق والواجبات على أساس الانتماء إلى الدولة الإسلامية. ولذلك دخلت مدناً كثيرة بلا مقاومة تُذكر، لأن الناس رأت فرقاً بين جيشٍ جاء ليستنزفها، وجيشٍ جاء يحمل نظاماً يحقق العدل.

 

هذا التصور يختلف جذرياً عن مفهوم الجيش في الدولة الحديثة القائمة على القومية والحدود السياسية الضيقة. في هذا النموذج، يُعاد تعريف وظيفة الجيش ليصبح حارساً لحدود رسمها الغرب، حتى لو قُطّعت بها أوصال أمة واحدة. يُطلب منه أحياناً أن يكون أداة ضبط داخلي، يواجه أبناء أمته، ويُستخدم في صراعات سياسية داخلية، بينما يُحجَّم دوره في القضايا الكبرى التي تمس هوية الأمة ومصيرها.

 

في واقع مصر مثلاً، الجيش يُقدَّم بوصفه "درع الوطن"، لكن يُعاد تعريف الوطن في إطار جغرافي محدود، مع تجاهل أن مصر تاريخياً كانت جزءاً من كيان أوسع امتد قروناً، وكانت جيوشها تتحرك من منطلق وحدة الأمة. اليوم تُقيَّد الحركة العسكرية باتفاقيات تفرض سقفاً معيناً للقوة والانتشار، وتحدد طبيعة التسليح، وتربط أمن مصر بحسابات إقليمية ودولية.

 

رمضان هو شهر بدر وفتح مكة وعين جالوت؛ في بدر، تجلت حقيقة أن القوة ليست في العدد. وفي فتح مكة، ظهر معنى ضبط القوة حين تُستعمل لإحقاق الحق لا للانتقام. وفي عين جالوت، كان الجيش الذي هزم التتار يستند إلى عقيدة واضحة، وإلى التفاف الأمة حول قيادته، فلم يكن جيشاً معزولاً عن أمته، بل معبّراً عن إرادتها.

 

القوة في رمضان ليست مجرد صيام عن الطعام، بل انضباط للنفس وتحرر من الخوف. هذا المعنى لو نُقل إلى مفهوم الجيش، لأصبح السؤال: هل يملك وضوح الغاية؟ هل يعرف عدوه الحقيقي؟ هل يُربَّى أفراده على أن ولاءهم الأول لعقيدة الأمة، أم لنظام سياسي قابل للتغير وواجب التغيير؟

 

حين كان الجيش المصري جزءاً من كيان أوسع، كانت معاركه تُخاض باعتبارها معارك أمة. وعندما تغير الإطار السياسي وأصبحت كل دولة تُعرّف نفسها ضمن حدود ضيقة، تغيرت أولويات الجيوش تبعاً لذلك. صار الأمن يُفهم غالباً باعتباره أمن النظام واستقراره، لا أمن الأمة ورسالتها.

 

هذا التحول لا يُناقَش عادة في الإعلام الرسمي، لأنه يمس جوهر العلاقة بين العقيدة والسياسة. لكنه سؤال حتمي إذا أردنا فهم دور الجيش الحقيقي. فالجيوش التي تفقد وضوح عقيدتها قد تبقى قوية تسليحياً، لكنها تفقد بوصلة الاتجاه. أما الجيوش التي تعرف غايتها، وتتحرك على أساس عقيدتها، فإنها حتى في ضعفها المادي تبقى مؤثرة.

 

رمضان يذكر أهل مصر والأمة أن القوة ليست في السلاح وحده، بل في ثبات العقيدة ووضوح الغاية. وأن الجندية في الإسلام ليست وظيفة فحسب، بل جهاد في سبيل الله ومسؤولية شرعية لحماية الدين والناس. وإذا كان كل مسلم يُسأل عن موقعه في نصرة الحق، فإن من يحمل السلاح يُسأل سؤالاً أعظم: في أي اتجاه يوجهه؟

 

إن إعادة تعريف دور الجيش تبدأ بإعادة تعريف الأمة لنفسها: هل هي مجموعة كيانات منفصلة، لكل منها أولوياته الضيقة؟ أم هي أمة واحدة يجمعها دين واحد ومصير واحد ويجب أن تكون دولة واحدة؟ الإجابة عن هذا السؤال تنعكس مباشرة على وظيفة الجيش، وعلى عقيدته، وعلى نوعية المعارك التي يخوضها.

 

رمضان ليس فقط موسم عبادة فردية، بل موسم مراجعة لمعاني القوة والولاء والسيادة. وإذا كان الصائم يمتنع عن المباح طاعة لله، فإن الأمة مدعوة أن تعيد ترتيب أولوياتها طاعة لله أيضاً. والجيش، بوصفه عنوان سيادتها، سيكون دائماً في قلب هذه المراجعة: إما أداة لحراسة واقع مفروض، أو قوة تحمل رسالة الإسلام وتدافع عن هوية الأمة.

 

وهنا يبقى السؤال مفتوحاً أمام أهل مصر وسائر الأمة: أي نموذج يريدون؟ وأي دور ينتظرونه من جيشهم؟ الإجابة ليست نظرية، بل هي مسار طويل يبدأ بالفكرة، ثم يتجسد في الواقع حين تتوحد العقيدة والغاية والإرادة.

 

فعلى جيش الكنانة أن يحددوا بوصلتهم وأن ينحازوا لأمتهم نصرة لمشروعها الحضاري وعملا لتطبيقه وحمله للعالم رسالة هدى ونور في ظل الإسلام ودولته الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.

 

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية مصر

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.