- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
سلسلة رمضان وبناء الأمة من جديد
الحلقة الثالثة عشرة
لماذا لا تُحرَّر غزة؟
غزة ليست محاصَرة لأن الأمة لا تملك رجالاً، ولا لأن السلاح مفقود، ولا لأن الموارد معدومة. الحقيقة أبسط وأقسى في الوقت نفسه: غزة محاصَرة لأن القرار السياسي المستقل غائب. الجيوش في البلاد الإسلامية تعدّ بالملايين، والميزانيات العسكرية تُنفق عليها مليارات الدولارات سنوياً، والمناورات تُقام، والأسلحة الحديثة تُشترى، لكن حين يتعلق الأمر بفلسطين، يتراجع كل ذلك أمام حسابات الاتفاقيات والضغوط الدولية وموازين المصالح.
لو كانت القضية قضية ضعف عسكري بحت، لقلنا إن الحل في زيادة التسليح. لكن الواقع يُظهر أن دولاً تملك أحدث الطائرات والدبابات، ومع ذلك تقف عند حدود مرسومة لا تتجاوزها. لماذا؟ لأن القرار ليس قرار مواجهة، بل قرار إدارة أزمة. هناك فرق بين دولة ترى نفسها مسؤولة عن تحرير أرضٍ محتلة، ودولة ترى أن أقصى ما يمكنها فعله هو الوساطة أو إدخال مساعدات إنسانية.
حين تريد دولة ما أن تفرض إرادتها في قضية تمس مصالحها المباشرة، تستخدم كل أوراقها دفعة واحدة؛ ضغط سياسي، تهديد اقتصادي، تحرك دبلوماسي سريع، وربما استعراض عسكري. أما في غزة، فنرى غالباً خطاباً حذراً، وتحركات محسوبة بدقة، وكأن المسألة لا تمس واجبا شرعيا يجب القيام به فورا هو تحرير كامل فلسطين ونصرة أهل غزة وكل المستضعفين من أبناء الأمة، وهو ما تستطيع مصر وحدها إنجازه بجزء من جيشها فقط.
المشكلة إذن ليست في وجود القوة، بل في فصل القوة عن غايتها. في الإسلام، القوة ليست زينة للدولة، ولا وسيلة لحماية النظام السياسي فحسب، بل أداة لتحقيق مقاصد شرعية، في مقدمتها حماية الأرض والناس ورفع الظلم. قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾. الآية تربط بين القتال ورفع الظلم، لا بين القتال والمصالح الضيقة.
حين يُفصل السلاح عن العقيدة والغاية الكبرى حمل الإسلام للعالم وحماية المستضعفين وتحرير أرض الإسلام، يتحول إلى رقم في تقارير عسكرية، أو إلى أداة ردع تُستخدم في ملفات معينة وتُجمّد في ملفات أخرى. وهنا يصبح الاحتلال واقعاً طويل الأمد، لأن كلفته تبقى منخفضة سياسياً.
يقال أحياناً إن الظروف الدولية لا تسمح، وإن موازين القوى مختلة. فالعالم تحكمه مصالح كبرى. لكن السؤال الأعمق: هل يُبنى القرار على ما يرضي القوى الكبرى، أم على ما يحقق الواجب الشرعي ويحفظ كرامة الأمة؟ إن تحقيق الواجب الشرعي هو على رأس سلم الأولويات وأعلى قيمة يجب تحقيقها، والإرادة السياسية يجب أن تكون في إطار هذا الواجب، والتاريخ يعلمنا أن موازين القوى ليست ثابتة، بل تتغير حين توجد إرادة سياسية حقيقية.
في الإسلام، تحرير الأرض المحتلة واجب، لأنه يتعلق بحماية دار الإسلام وأهلها. وتأخير الواجب مع القدرة عليه ليس أمراً عابراً، بل مسؤولية يُسأل عنها من يملك القرار. والمقصود هنا هو التأكيد على أن الأصل في السياسة الإسلامية هو إزالة الاحتلال، لا التعايش معه كأمر واقع دائم.
رمضان يعيد ترتيب المعاني. هو شهر بدر، حيث لم ينتظر المسلمون توازناً مثالياً للقوى. كانوا قلة، لكنهم تحركوا ضمن ما يملكون من قدرة. وهو شهر فتح مكة، حيث استُخدمت القوة لتثبيت الحق ومنع الانتقام. الفكرة ليست في استنساخ أحداث تاريخية، بل في استحضار المبدأ: القوة في الإسلام مرتبطة بالعدل والتحرير وحمل الإسلام للعالم، لا بالإدارة الباردة للأزمات.
اليوم نرى فصلاً متعمداً بين القوة وغايتها. تُدرَّب الجيوش على حماية الحدود، لكن تُحصر القضية الفلسطينية في إطار تفاوضي طويل. تُعقد صفقات تسليح ضخمة، لكن لا يُربط ذلك بخطة واضحة لإنهاء الاحتلال. يُرفع شعار الأمن القومي، لكن يُفهم غالباً في إطار حماية الاستقرار الداخلي، لا حماية الأمة من عدوان خارجي مستمر.
غزة ليست مجرد مساحة جغرافية محاصرة، بل مرآة تعكس طبيعة النظام السياسي في المنطقة. هل هو نظام يرى نفسه جزءاً من أمة واحدة، أم كيانات منفصلة تحسب كل خطوة بمعيار المصلحة القطرية الضيقة؟ طالما بقيت الإجابة الثانية هي الحاكمة، سيبقى الفصل قائماً بين القوة وغايتها.
رمضان فرصة للتذكير بأن الجهاد في الإسلام ليس شعاراً، بل حمل للإسلام رسالة هدى ونور للناس كافة، وسياسة تحرير منضبطة بأحكام الشرع. ليس اندفاعاً غير محسوب، ولا بيانات عاطفية، بل رؤية واضحة تجعل القوة في خدمة الحق. حين تعود الغاية إلى موقعها الصحيح، يصبح للسلاح معنى، وللجيش دور، وللسياسة اتجاه، فالسيادة للشرع والسلطان للأمة والجيوش للجهاد.
المشكلة إذن ليست في أن الأمة لا تملك ما تدافع به، بل في أن ما تملكه لم يُربط بعد بهدف واضح لحمل الإسلام وتحرير الأرض وإنهاء الظلم. وحين يتغير هذا الرابط، سيتغير المشهد كله، لأن الإرادة السياسية إذا تحررت، أعادت توجيه كل الإمكانات نحو غاية واحدة: أن لا يبقى احتلال مفروض على أرض إسلامية دون مواجهة حقيقية. هذا ما ستفعله قريبا دولة الإسلام الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.
المكتب الإعلامي لحزب التحرير
في ولاية مصر