- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
سلسلة مواقف مضيئة في تاريخ الإسلام
الحلقة السادسة عشرة
خيبر... حين تحررت الثروة فاستقرت السيادة
خيبر ليست مجرد معركة عسكرية أُضيفت إلى سجل الدولة الإسلامية، بل هي محطة مفصلية في بناء مقومات السيادة الحقيقية للدولة. ففيها لم يكن الأمر توسيع رقعة نفوذ فحسب، بل معالجةً لخلل استراتيجي في ميزان القوة، وترسيخاً لقاعدة اقتصادية تجعل القرار السياسي منبثقاً من إرادة مستقلة، لا من حاجةٍ ضاغطة.
لقد كانت خيبر تمثل مركزاً اقتصادياً وزراعياً مهماً شمال المدينة، وكانت أيضاً قاعدة تآمر وتحريض على الدولة الناشئة. فالمسألة لم تكن خصومةً عابرة، بل صراعاً بين كيانٍ يقوم على رسالة وحكم شرعي، وبين قوى تسعى لإجهاض هذا الكيان عبر التحالفات والتحريض والتمويل. ومن هنا جاء التحرك النبوي جزءاً من إدارة الصراع، لا فعلاً معزولاً.
من الناحية الشرعية، تُظهر خيبر بوضوح أن الإسلام لا يفصل بين القوة العسكرية والقوة الاقتصادية. فالأرض التي فُتحت صارت ملكاً للأمة، لا ملكاً لفئة محددة. ولم تُوزع كلها توزيعاً استهلاكياً، بل أُبقي على جزء منها يعمل فيه أهلها مقابل نصف الثمرة، ليكون ريعها مستمراً يدخل بيت مال المسلمين. هنا يتجلى الفهم الصحيح لإدارة الدولة للموارد فالثروة ليست غنيمة لحظة، بل مورد دائم يعزز استقلال الدولة وقدرتها على رعاية شؤون الناس.
إن قيام بيت المال كمؤسسة مالية للدولة لم يكن تفصيلاً إدارياً، بل ركيزة في بناء الحكم. فالدولة التي لا تملك مواردها، ولا تتحكم بثرواتها، تبقى عرضة للابتزاز والضغط. وخيبر قدمت نموذجاً لكيفية تحويل مورد استراتيجي إلى عنصر استقرار طويل الأمد، يخدم الرعية ويقوي الكيان.
لقد كانت الدولة في المدينة قد تجاوزت مرحلة البقاء إلى مرحلة التمكين النسبي، لكنها كانت بحاجة إلى تثبيت دعائمها الاقتصادية. فالرسالة التي تحملها ليست فكرة روحية مجردة، بل نظام حياة شامل يحتاج إلى أدوات تنفيذ: جيش، قضاء، إدارة، ورعاية شؤون الناس. وكل ذلك يحتاج إلى موارد تُدار وفق أحكام الشرع، لا وفق منطق الاحتكار الفردي أو التبعية الخارجية.
إذا تأملنا واقع الأمة اليوم، نجد أن أخطر ما تعانيه ليس فقط التفكك السياسي، بل فقدان السيطرة الفعلية على مواردها. كثير من بلاد المسلمين تملك من الثروات ما يجعلها في مصاف القوى الكبرى: نفط، غاز، معادن، ممرات بحرية، وأراض زراعية واسعة. لكن هذه الموارد تُدار ضمن نظم اقتصادية عالمية تجعل القرار النهائي خارج يد الأمة، وتُقيد سيادتها بشروط واتفاقيات تكرّس التبعية.
إن الفرق بين نموذج خيبر وواقع اليوم ليس في وفرة الموارد، بل في مرجعية الإدارة. في خيبر، كان الحكم الشرعي هو الذي يحدد طريقة التصرف بالأرض والمال. أما اليوم، فتُدار الثروات وفق نظم اقتصادية غربية تجعل الربا أصلاً، والشركات العابرة للقارات مالكا ولاعباً أساسياً، والمؤسسات المالية الدولية وصيّاً على القرار الاقتصادي.
الدرس الذي تقدمه خيبر أن الاقتصاد في الإسلام جزء من نظام الحكم، لا قطاعاً منفصلاً يخضع لموازين السوق العالمية. الملكيات محددة شرعاً: عامة، ودولة، وفردية. والموارد الكبرى التي تتعلق بمصالح الأمة ليست سلعة في يد حاكم يخصخصها، بل أمانة تُدار لتحقيق الرعاية والعدل. وحين تُحفظ هذه القاعدة، تتحول الثروة إلى عنصر قوة لا إلى سبب صراع داخلي أو ارتهان خارجي.
كذلك تُظهر خيبر أن إدارة الصراع مع القوى المعادية لا تكون بالشعارات، بل بإزالة مواطن التهديد وبناء عناصر القوة. فالموقع الجغرافي لخيبر، وتحالفاتها، وإمكاناتها الاقتصادية، كانت عوامل ضغط على المدينة. وحين أُزيل هذا الضغط، تنفست الدولة مساحة أوسع للحركة، وتهيأت لمرحلة لاحقة تُوّجت بفتح مكة.
السيادة إذن ليست كلمة سياسية مجردة، بل نظام مترابط؛ عقيدة تحكم، وأحكام تنفذ، وموارد تُدار باستقلال لرعاية الناس. فإذا اختل ضلع من هذه الأضلاع، اهتز البناء كله. وأخطر ما يصيب أي أمة أن تملك الثروة لكنها لا تملك قرارها، أو أن ترفع شعار الاستقلال بينما اقتصادها مرتهن بشروط الآخرين.
خيبر تعلّمنا أن تحرير الأرض ليس نهاية الطريق، بل بدايته. وأن تثبيت الحكم يحتاج إلى قاعدة مالية راسخة تُغني الدولة عن الارتهان. وأن الاقتصاد، حين يُدار وفق أحكام الإسلام، يصبح أداة رعاية وعدل، وأداة قوة في آن واحد.
وهكذا، فإن قراءة خيبر قراءة واعية تجعلها درساً دائماً: لا استقرار لكيان سياسي بلا استقلال اقتصادي، ولا استقلال اقتصادي بلا سيادة الشرع وأحكامه التي تضبط الملكيات وتحدد طرق التصرف. وحين تتكامل هذه العناصر، تصبح الدولة قادرة على حمل رسالتها بثبات، ويصبح قرارها نابعاً من إرادتها، وليس من ضغوط خارجية.
المكتب الإعلامي لحزب التحرير
في ولاية مصر