Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

هجوم أمريكا على إيران والمسرح الجيوستراتيجي الخلفي المستتر!

 

شكل هجوم أمريكا على إيران عبر استهداف رأس النظام خامنئي والنواة الصلبة للقيادة الإيرانية من القادة العسكريين والأمنيين تحولاً استراتيجيا في تعامل أمريكا مع المسألة الإيرانية، فلقد حدّد ترامب في بيان مقتضب نشره عبر منصة تروث سوشيال عشية الهجوم أربعة أهداف للهجوم تمثّلت في: منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وتدمير ترسانتها الصاروخية ومواقع إنتاجها، وإضعاف شبكة وكلائها في الإقليم، مع القضاء على قدراتها البحرية. لكن إلى جانب هذه الأهداف العسكرية أشار إلى غاية سياسية أوسع تتمثّل في الدفع نحو تغيير النظام من الداخل، مستغلاً التذمر الشعبي من الأوضاع الاقتصادية التي غذتها العقوبات الأمريكية، فبعد ساعات قليلة من بدء الهجوم دعا ترامب الإيرانيين إلى استغلال "فرصة قد لا تتكرر لأجيال" لتولي زمام الأمور في بلادهم، ما يشير أن الهجوم بذلك المستوى كان يهدف لتفكيك النظام ثم التعامل مع الحالة الإيرانية إما بإعادة تركيب النظام بحسب شروطها الجديدة أو الإتيان بنظام عميل.

 

وتحول أمريكا الاستراتيجي هذا في التعامل مع النظام الإيراني فرضته المستجدات الاستراتيجية والجيوستراتيجية التي تتهدد الهيمنة الأمريكية ونظامها الدولي بل والمنظومة الغربية بأكملها.

 

على رأسها الحالة الإسلامية المتنامية ومشروعها الحضاري المتعاظم، والتي شكلت انتفاضات "الربيع العربي" وثورة الشام الإسلامية لحظة فارقة في التحول الاستراتيجي للحالة الإسلامية والتمرد الحضاري للشعوب المسلمة على المنظومة الغربية سياسة وحضارة وثقافة، هذا التحدي الحضاري الإسلامي فرض على الغرب ودولته الأولى أمريكا إعادة فرز الأوراق ورسم الاستراتيجيات للتعامل مع الحالة الإسلامية لصدها والتصدي لها، واتخذت أشكالا عدة منها القوة الصلبة والهمجية العسكرية لإحداث الصدمة والشلل فكان فشلها ذريعا في أفغانستان والعراق، والتغول الأمني باسم محاربة الإرهاب والتطرف، ثم الإعلان عن حرب الأفكار وإسلام راند الحداثي الديمقراطي والديانة الإبراهيمية والمحاولات المستميتة لتحريف الإسلام وإفراغه من مبدئيته وتحديه الحضاري والتي اصطدمت هي الأخرى بجبروت الفكرة الإسلامية وقهرها لكل الأفكار الوضعية والزيف الديني، ثم كانت استراتيجية إعادة رسم خريطة المنطقة وإعادة هيكلة الأنظمة، وطفت الفكرة إلى السطح، وبدأ الحديث عن الشرق الأوسط الجديد عام 2006 على لسان كونداليزا رايس، علما أن إعادة تشكيل جغرافية المنطقة كانت دائماً جزءاً من الاستراتيجيات الاستعمارية طويلة الأمد، فاصطدمت بانتفاضات "الربيع العربي" ثم ثورة الشام المباركة، ما يعني فشلا للنظام الوظيفي الذي أقامه الغرب الكافر بعد هدمه الخلافة. هذه الحالة الإسلامية المتعاظمة مع فشل المنظومة الوظيفية في التعامل معها، اضطرت أمريكا لإعادة سياسة التدخل الاستعماري المباشر في المنطقة عبر إعادة رسم الخرائط وهيكلة الأنظمة، لتعميم النموذج العراقي والسوري على المنطقة، كأنظمة تدار من سفارات أمريكية متضخمة، وحاكم أمريكي تحت غطاء سفير ومبعوث خاص، وقوة عسكرية ضاربة برا وبحرا وجوا عبر قواعد استراتيجية واحتلال لبحار المنطقة وتحكّم تامّ في ممراتها الحيوية، ثم هيمنة اقتصادية للرأسمالية الأمريكية على القطاعات الحيوية للطاقة والمعادن، أي أن الهدف هو إعادة إنتاج الحالة الاستعمارية الأولى عبر حرب صليبية لصد الإسلام والتصدي لمشروعه الحضاري ونهب استعماري شرس لسد الثقب الأسود للمنظومة الرأسمالية وأزمتها الاقتصادية المزمنة المدمرة، ثم توظيف المنطقة كخزان استراتيجي أمريكي ضد الصين.

 

وهدف أمريكا اليوم هو مستعمرات خالصة وعملاء عبيد يؤمرون فينجزون، والمسألة الإيرانية اليوم تتعامل معها أمريكا ترامب من هذه الزاوية، بهدف إعادة هيكلة النظام الإيراني ليستجيب لمقتضيات الحالة الاستعمارية الأمريكية والوضع الجيوستراتيجي الحرج للهيمنة الأمريكية، والتي تسعى أمريكا لفرضها على المنطقة عبر همجية القوة الصلبة العارية.

 

علما أن النظام الإيراني كانت ولادته أواخر السبعينات من القرن الماضي حاجة جيوستراتيجية أمريكية للتعامل مع الحالة السوفيتية، وتمدد نفوذه في الإقليم عبر تقديم خدمات لأمريكا (احتلال أفغانستان والعراق...)، واليوم مع التطور الاستراتيجي للحالة الإسلامية وتعاظم التحدي الذي يطرح المشروع الحضاري الإسلامي وحملته المبدئيين والوضع الجيوستراتيجي الحرج الذي تعانيه الهيمنة الأمريكية، بات المطروح على طاولة أمريكا بالنسبة للنظام الإيراني هو إعادة الهيكلة طبقا لمتطلبات المرحلة، نظام عميل كلياً لأمريكا منزوعة أنيابه وأضراسه، مؤهل للدخول في خانة المطبعين مع القاعدة الحضارية الاستراتيجية للغرب كيان يهود، عطفا على توظيف النسخة المعدلة للنظام في استراتيجية أمريكا ضد الصين.

 

وهنا يبرز الشق الخفي المستتر من الساحة الجيوستراتيجية التي يدور حولها الصراع والتي كانت بعد الحالة الإسلامية من أهم أسباب الهجوم الأمريكي على إيران وشقاً من تلك الحرب الباردة الحارقة ضد الصين.

 

فالتطور المريب الذي شهدته العلاقات الصينية الإيرانية خلال العقد الأخير شكل منعطفا خطيرا وتهديدا جيوستراتيجيا ضد الهيمنة الأمريكية، فقد شكلت الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين الصين وإيران عام 2016 والتي تم ترسيخها عبر توقيع اتفاق طويل الأمد في آذار/مارس 2021 لمدة 25 عاماً، شكلت تحالفاً جيوسياسياً واقتصادياً يهدف لتعزيز التعاون في مجالات الطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا والتعاون الأمني والعسكري وتعزيز الشراكة الدفاعية وتطوير الخبرات والتقنيات العسكرية، دلّل على خطورتها مدتها وحجم الاستثمارات الصينية التي قدرت بمبلغ 400 مليار دولار. ولقد وفرت الاتفاقية للصين موطئ قدم استراتيجياً وجيوستراتيجياً في الشرق الأوسط وممراً برياً ضمن مبادرة الحزام والطريق، كما شكلت إيران بالنسبة للصين حلا للعقدة الاستراتيجية في ربط آسيا بأوروبا وتجاوز الممرات التي تسيطر عليها أمريكا، ما يعزز أمن طرق التجارة الصينية ويقلل اعتمادها على الممرات البحرية ذات الحساسية الأمريكية، وهو ما يخدم الموقف الصيني ويقوض الهيمنة الأمريكية. كما وفرت الاتفاقية للصين موردا للطاقة بتكاليف جد رخيصة جراء العقوبات الأمريكية الغربية المفروضة على قطاع الطاقة الإيراني، وتعد الصين أكبر مستورد للنفط الإيراني فقد اشترت الصين أكثر من 80% من شحنات النفط الإيراني عام 2025، ويشكل النفط الإيراني 14% من إجمالي واردات الصين النفطية وهو مستوى عالٍ من الاعتماد على النفط الإيراني، عطفا على تحكم إيران في مضيق هرمز ما يوفر ضمانات أمنية للصين للتدفق السلس للطاقة التي يعتمد عليها الاقتصاد الصيني بشكل متزايد. كما منحت الاتفاقية إيران شرياناً حيويا للالتفاف على العقوبات الأمريكية الغربية عبر تمكين إيران من استخدام العملة الصينية "اليوان" لتسوية تجارة النفط، وهو ما يساهم كذلك في تقويض هيمنة الدولار الأمريكي وضرب سياسة البترودولار الأمريكية.

 

ولقد فُهمت هذه الشراكة أمريكياً كتهديد استراتيجي وكمؤشر على سعي النظام الإيراني التوجه شرقاً للاصطفاف في المعسكر المناوئ للنظام العالمي الأمريكي والمعادي للهيمنة الأمريكية، وأن هذا التوجه بفعل تأثير من داخل النواة الصلبة للنظام الإيراني حتى وإن كان من دائرة ضيقة سيغدو فيما بعد، إن نجحت السياسات، تحولاً للنظام شرقاً صوب الصين إن لم يعالج.

 

هذا الوضع الجيوستراتيجي الحرج الذي يشكل تهديدا استراتيجيا للهيمنة الأمريكية جعل مسألة النظام الإيراني قضية استراتيجية أمريكية وملفا حارقا سرّع ترامب التعامل معه، وهو ما يفسر حماسة منظرة فكرة الشرق الأوسط الجديد كوندليزا رايس لهجوم ترامب على إيران، فقد دعت رايس ترامب إلى "التعامل مع إيران بشكل نهائي"، بمعنى طي الملف الإيراني عبر إنهاء النظام بشكله الحالي.

 

فقد سعت أمريكا ترامب عبر هجومها الوحشي على إيران لقطع الطريق أمام الصين وإغلاق النافدة الإيرانية من أمامها وقطع مصدر رئيسي للنفط الرخيص على الصين (كما قطعت عليها نفط فنزويلا)، هذا الانقطاع في الإمدادات إن حصل سيشكل تهديدا للصناعة الصينية وتحديدا للعسكرية الصينية التي تحتاج إلى موارد طاقة مستمرة ومستقرة وموثوقة، انتهاء إلى كسر الشراكة الصينية الإيرانية، عبر استهداف رأس النظام الإيراني خامنئي في محاولة لخلخلة قوية للنظام كمقدمة لتفكيكه وإعادة هيكلته بحسب مصالح أمريكا الجيوستراتيجية، واستنساخ للحالة الفنزويلية في إيران، حكومة عميلة كليا لأمريكا تمكنها من حقول النفط والغاز الإيرانية وتسهل لها التحكم في مضيق هرمز الاستراتيجي وقاعدة متقدمة للاستعمار الأمريكي للتصدي للمشروع الحضاري للإسلام.

 

فمفاعيل الهجوم الأمريكي على إيران تتجاوز الخليج والشرق الأوسط إلى حرب أمريكا الباردة ضد الصين وأبعد من ذلك التصدي للمشروع الحضاري الإسلامي وتحديه للمنظومة الغربية وتهديده الحقيقي المتنامي للنظام العالمي الأمريكي.

 

لكن مقامرة ترامب فشلت في خلخلة النظام الإيراني عبر إحداث اضطراب في بنيته كمقدمة لتفكيكه وإعادة هيكلته بل امتص النظام الصدمة، فاستنساخ الحالة الفنزويلية لم ينجح مع إيران وهو ما أعاد خلط الأوراق وفضح الضعف الاستراتيجي الأمريكي في التعامل مع تعقيدات المنطقة الإسلامية رغم خيانة حكامها.

 

يبقى النظام الإيراني نظاما وظيفيا سواء غرباً لأمريكا أو شرقاً للصين إن تحول، ولكن حتما ليس خدمة للإسلام وأمته، فالنظام الإيراني يناور ويفاوض مقابل نفوذ هزيل ثمنه خدمات يقدمها للاستعمار. ما يعني أن المعضلة المصيرية بالنسبة للأمة الإسلامية باقية وتزداد حدة وفتكا، وهي الثقب الأسود الجيوستراتيجي وفراغ الدولة الذي تعاني منه الجغرافية الإسلامية لأزيد من قرن من الزمن، وهي مدة رهيبة من عمر الأمة الإسلامية، وهو ما جعلها ساحة لحروب الغرب الكافر الصليبية والاستعمارية بل ولكيان يهود الحقير والروس والهندوس والصين وبوذيو بورما...، بتواطؤ بل وشراكة من أنظمة الوظيفة الاستعمارية اليوم.

 

لن يملأ هذا الثقب الأسود الجيوسياسي والجيوستراتيجي الذي نعاني من تبعاته القاسية كمسلمين إلا خلافة إسلامنا العظيم، تكنس رجس أنظمة الخيانة والعار وتقطع دابر الغرب الكافر وتمحو عار حضارته وتنسف جحيم حياته، وتعيد للأمة طاعتها لربها وعزتها بتحكيم شرعه. ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً﴾.

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مُناجي محمد

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.