- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
سلسلة مواقف مضيئة في تاريخ الإسلام
الحلقة العشرون
الرسائل إلى الملوك: إعلان السيادة وحمل الدعوة إلى العالم
لم تكن رسائل النبي ﷺ إلى هرقل وكسرى والمقوقس وسواهم خطوة بروتوكولية عابرة، ولا مجرد تبليغ دعوي منفصل عن مشروع الدولة، بل كانت إعلاناً صريحاً بأن الكيان الذي أُقيم في المدينة هو دولة ذات سيادة، تحمل رسالة عالمية، وتتحرك على أساس مبدئي لا إقليمي. لقد انتقل الإسلام في تلك اللحظة من طور تثبيت الداخل إلى طور مخاطبة العالم بوصفه صاحب مشروع حضاري بديل.
بعد صلح الحديبية، الذي أوقف حالة الاستنزاف العسكري مع قريش وكرّس واقع الدولة في المدينة، تهيأت البيئة السياسية للتحرك الخارجي. هنا برزت طبيعة الدولة الإسلامية: ليست دولة قومية تنشغل بحدودها الجغرافية، ولا سلطة تبحث عن اعتراف من القوى الكبرى، بل كيان قائم بذاته، يملك مرجعيته، ويخاطب غيره من موقع الندّية الفكرية والسياسية.
افتتحت الرسائل بعبارة واضحة: «مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ... أَسْلِمْ تَسْلَمْ». لم يكن الخطاب التماساً لعلاقة، ولا طلب حماية، بل دعوة من موقع الثقة بالرسالة. فالعلاقة الدولية في الإسلام لا تُبنى على الذوبان في منظومة الآخر، بل على عرض الإسلام باعتباره الحق الواجب الاتباع. فإن قُبل، كان خيراً، وإن رُفض، بقيت العلاقة محكومة بأحكام الشرع في السلم أو الحرب.
هنا يتجلى مفهوم السيادة في الإسلام: السيادة للشرع، لا للشعب ولا للحاكم ولا للعرف الدولي. فالنبي ﷺ لم يرسل رسائله ليحصل على شرعية من هرقل أو كسرى، بل ليبلغهم أن شرعية الحكم الحق هي ما أنزل الله. وهذا الفارق جوهري بين دولة تنطلق من عقيدة تُحدد لها غايتها، وبين كيانات معاصرة تستمد موقعها من اعتراف القوى المهيمنة أو رضا المؤسسات الدولية.
كما تكشف هذه الخطوة أن الأصل في الدولة الإسلامية حمل الدعوة إلى العالم، لا الانكفاء داخل الحدود. فالإسلام رسالة عالمية، والدولة التي تقوم على أساسه لا تُعرّف نفسها تعريفاً قطرياً أو قوميّاً. لذلك لم يكن التحرك الخارجي ترفاً سياسياً، بل امتداداً طبيعياً لطبيعة الرسالة نفسها. إن حصر الإسلام في إطار محلي يناقض طبيعته الشاملة، ويحوّل الدولة من كيان يحمل رسالة إلى كيان إداري محدود.
ومن الناحية السياسية، كانت الرسائل إعلاناً أن الدولة الإسلامية أصبحت لاعباً في الساحة الدولية. فهي تُخاطب الإمبراطوريات العظمى مباشرة، دون وسطاء، ودون خوف من الفارق في القوة المادية. هذا السلوك لا يُفهم باعتباره مجازفة، بل باعتباره تعبيراً عن يقين بأن ميزان القوى الحقيقي لا يُقاس بعدد الجيوش فقط، بل بصلابة الفكرة ووحدة الكيان الذي يحملها.
عند إسقاط هذا النموذج على واقع الأمة اليوم، يظهر الخلل بوضوح. فمع ما تملكه بلاد المسلمين من موقع جغرافي استراتيجي، وثروات هائلة، وطاقات بشرية ضخمة، إلا أن حضورها الدولي في الغالب تابع، لا مبادرا. كثير من الأنظمة تربط قرارها السياسي والاقتصادي بشروط القوى الكبرى، وتتحرك ضمن أطر رسمها لها الغرب لا تنبثق من عقيدتها ولا من مصالحها الحقيقية. وهنا يغيب المعنى الذي جسدته الرسائل النبوية: السيادة للشرع والمفاصلة والمفارقة في الأفكار والمشاعر، والجرأة في الطرح، والوضوح في الهدف.
إن إعادة الأمة إلى موقعها الطبيعي بين الأمم لا تكون بخطاب إنشائي، ولا بتحالفات ظرفية تُبقيها في موقع التابع، بل بوجود كيان سياسي جامع يوحد طاقاتها تحت ظل عقيدة الإسلام، ويجعل علاقاته الدولية منبثقة من أحكام الشرع. حينها يصبح الخطاب للعالم خطاب دعوة وسياسة معاً: دعوة إلى الإسلام، وسياسة تقوم على رعاية المصالح وفق أحكام الشرع.
كما تُعلّمنا الرسائل أن القوة العسكرية، وإن كانت عنصراً مهماً، ليست البداية، بل النتيجة. البداية هي وضوح المشروع ووحدة القيادة واستقرار الحكم. الدولة في المدينة لم تنتظر أن تتفوق مادياً على الروم والفرس حتى تراسلهم، بل تحركت لأنها تملك مشروعاً مكتمل المعالم، ورؤية واضحة لعلاقتها بالعالم.
الرسائل إلى الملوك إذن ليست حدثاً تاريخياً يُروى، بل منهج عمل لدولة تقوم على عقيدة، تعلن سيادة الشرع فيها، وتحمل رسالتها إلى العالم بثقة، لا تخضع لنظم فكرية أخرى، ولا تستمد شرعيتها من اعتراف أحد. وبين واقع الانكفاء والتبعية الذي تعيشه الأمة اليوم، وبين ذلك النموذج الذي حمل رسالة الإسلام وأرسى سيادة العقيدة والشرع، مسافة لا تُختصر إلا بإعادة بناء الكيان السياسي على أساس الإسلام، ليعود الخطاب للعالم صادراً من موقع القيادة لا من موقع الاستجداء.
هكذا كانت الرسائل إعلاناً بأن الإسلام جاء ليقود، لا ليُحتوى؛ وليُغيّر النظام الدولي، لا ليتكيف معه. وفي هذا المعنى يكمن الدرس الأعمق: الأمة التي تملك رسالة عالمية لا يجوز أن ترضى بدور هامشي، بل تسعى لتكون شاهدة على الناس، حاملة لمشروعها، ومؤثرة في مسار التاريخ.
المكتب الإعلامي لحزب التحرير
في ولاية مصر