Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الصراع الحضاري بين الرأسمالية والإسلام

معركة السيادة على الإنسان والدولة

 

ما يشهده العالم اليوم ليس تنافساً عابراً على النفوذ، ولا صراعاً محدوداً على الموارد فقط، بل هو صراع حضاري بين مبدئين متناقضين في أساسيهما: مبدأ رأسمالي يفصل الدين عن الحياة ويجعل السيادة للبشر، ومبدأ إسلامي يجعل السيادة للشرع، ويقيم الحياة كلها على أساس العقيدة. وحين تتصادم المبادئ، فإن الصدام لا يكون عسكرياً فحسب، بل فكرياً وسياسياً واقتصادياً، لأنه صدام على من يملك حق التشريع، ومن يحدد معنى العدل، ومن يرسم وظيفة الدولة.

 

الرأسمالية انبثقت عن عقيدة فصل الدين عن الدولة، فجعلت الإنسان مصدر التشريع، والمصلحة معياراً للخير والشر، والمنفعة أساس العلاقات. ومن هذه القاعدة نشأت الديمقراطية كنظام حكم يعطي حق التشريع للأكثرية البرلمانية، ونشأ الاقتصاد الحر القائم على إطلاق حرية التملك ولو أدى إلى تركّز الثروة في أيدي فئة قليلة، ونشأت العلاقات الدولية المبنية على المصالح ولو على حساب الشعوب الضعيفة.

 

في المقابل، الإسلام مبدأ كامل؛ عقيدة عقلية ينبثق عنها نظام شامل للحياة. فهو لا يقتصر على العبادات، بل ينظم الحكم والاقتصاد والاجتماع والعقوبات والسياسة الخارجية. السيادة فيه للشرع، أي أن الحكم لله وحده، لا يملك أحد أن يشرّع من عنده. والسلطان للأمة، تختار من ينوب عنها في تطبيق أحكام الإسلام عليها ببيعة شرعية. والحاكم ليس مشرّعاً، بل منفذ لأحكام الشرع، يُحاسَب إن خالف.

 

هذا التباين الجذري هو الذي يجعل الصراع بين الرأسمالية والإسلام صراعاً على أساس النظام العالمي. فالرأسمالية لا تقبل بوجود كيان سياسي يقوم على عقيدة وأفكار مغايرة، لأن وجوده يعني تحدياً لفكرة السيادة الشعبية المزعومة التي يخدعون الشعوب بها، ولمركزية النظام الدولي القائم. لذلك، حين قامت دولة الإسلام، لم تكن مجرد دولة إقليمية، بل كانت مشروعاً عالمياً ينافس الإمبراطوريات الكبرى.

 

في معارك الفتح الإسلامي، لم يكن الصراع حدودياً بين كيانين متجاورين، بل كان مواجهة بين دولة تحمل عقيدة تنظم الحياة، وإمبراطوريات تقوم على فلسفة مختلفة. المسلمون لم يقاتلوا لإخضاع الشعوب، بل لإزالة سلطان الأنظمة التي تحول بين الناس وبين سماع دعوة الإسلام. ومن هنا كان الجهاد طريقة سياسية لحمل الرسالة إلى العالم.

 

وحين ضعفت الدولة الإسلامية في بعض مراحلها، لم يكن السبب قلة الموارد، بل تراجع الوعي السياسي بالمبدأ، وتحوّل الحكم في بعض العصور إلى ملك عضوض، وضعفت المحاسبة، وتقدمت العصبيات. ومع ذلك، بقي الكيان السياسي للأمة قائماً حتى جاءت الضربة القاصمة في العصر الحديث بإسقاط الخلافة العثمانية، ففُككت وحدة الأمة، واستُبدل بدولة الخلافة كيانات قُطرية قومية هزيلة يحكمها عملاء للغرب ليسوا من جنس الأمة بل أعداء لها.

 

منذ ذلك الحين، دخلت بلاد المسلمين في النظم الرأسمالية العالمية، ليس باعتبارها قوة نِدّية، بل باعتبارها تابعة. فُرضت عليها حدود مصطنعة، وربطت اقتصاداتها بالمؤسسات المالية الاستعمارية، وأُخضعت سياساتها لمعادلات التوازن الدولي. أصبحت السيادة عملياً للغرب، لا للشرع، وصار التشريع منبثقاً من برلمانات تستمد عقيدتها وقوانينها من الإرادة البشرية، لا من الوحي.

 

هذا الواقع أنتج أزمات متكررة؛ فقر رغم وفرة الموارد، تبعية رغم كثرة السكان، ضعف سياسي رغم الثقل الجغرافي. لكن معالجة هذه الأزمات ضمن الإطار الرأسمالي تبقى ترقيعاً؛ لأن أصل الخلل في المبدأ الذي يقوم عليه النظام. فلا يمكن لنظام يجعل الربا أساساً للتمويل أن يحقق عدلاً اقتصادياً، ولا لنظام يجعل التشريع بيد البشر أن يضمن ثبات القيم، ولا لدول مجزأة أن تستعيد وزنها الحضاري.

 

الرؤية السياسية المبدئية تنطلق من أن الصراع مع الرأسمالية ليس صراع مصالح فقط، بل صراع سيادة؛ أهي للشرع أم للبشر؟ ولذلك فإن الحل لا يكون بالاندماج في النظام الدولي مع محاولة تحسين شروط التبعية، بل بإقامة كيان سياسي مبدئي (الخلافة الراشدة على منهاج النبوة) يعيد تطبيق الإسلام كاملاً، ويوحّد الأمة تحت إمام واحد، ويجعل علاقاتها الدولية قائمة على حمل الإسلام للعالم لا على الارتهان.

 

الخلافة ليست رمزاً تاريخياً، بل نظام حكم محدد المعالم؛ خليفة يُبايَع على السمع والطاعة في المعروف، أجهزة دولة منضبطة بأحكام الشرع، قضاء عدل، محاسبة سياسية، بيت مال تُدار موارده وفق أحكام الملكيات الثلاث (فردية، وعامة، ودولة)، رعاية حقيقية لشؤون الناس وفق أحكام الشرع، وسياسة خارجية تقوم على حمل الإسلام للعالم بالدعوة والجهاد. هذا النظام، حين يقوم، لا يكون انعزالاً عن العالم، بل تحدياً حضارياً له، لأنه يقدم بديلاً جذرياً للرأسمالية.

 

إن معركة الوعي اليوم هي الأساس. فقبل أن تقوم الدولة في الواقع، تحتاج إلى عمل جاد وبذل وسع في إطار الطريقة النبوية. لا بد من كشف زيف فكرة "حياد الدولة" عن الدين، وبيان أن كل دولة تنبثق عن عقيدة ما، وأن الرأسمالية نفسها ليست حيادية، بل مبدأ يحمل تصوراً معيناً عن الإنسان والحياة. كما يجب فضح التبعية الفكرية التي جعلت بعض أبناء الأمة يظنون أن التقدم لا يكون إلا بتقليد الغرب في نظامه السياسي والاقتصادي.

 

الأمة الإسلامية تملك مقومات النهوض؛ عقيدة راسخة، ثروات هائلة، موقع جغرافي استراتيجي، وطاقات بشرية ضخمة. ما ينقصها ليس الموارد، بل الكيان السياسي المبدئي الذي يوحّد هذه الطاقات ضمن مشروع حضاري واضح. وحين تستعيد الأمة وعيها بأن الإسلام مبدأ كامل صالح للتطبيق، وأن الخلافة فرض شرعي لا خيارا سياسيا، فإنها تضع قدمها على طريق استعادة دورها.

 

الصراع الحضاري إذن هو نتيجة طبيعية لاختلاف الأسس. والرأسمالية، مهما بدت قوية، فإنها تعاني من أزمات بنيوية في قيمها ونظامها الاقتصادي والاجتماعي. أما الإسلام، فإنه يقدّم رؤية متماسكة متوازنة، تجعل الإنسان عبداً لله لا عبداً للسوق، وتجعل الدولة راعية لا جابيَ ضرائب، وتجعل العلاقات الدولية دعوةً للخير لا صراعاً على الهيمنة.

 

﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمود الليثي

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

 

وسائط

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.