- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
سلسلة مواقف مضيئة في تاريخ الإسلام
الحلقة السادسة والعشرون
فتح مصر... دخل سلطان الإسلام فغيّر وجه التاريخ
لا يختزل فتح مصر على يد عمرو بن العاص رضي الله عنه، في كونه تحركاً عسكرياً أنهى وجود الروم في البلاد، بل هو انتقال لسلطانٍ من نظامٍ إمبراطوري جائر إلى سلطان الإسلام القائم على العقيدة الإسلامية وأحكامها. الفتح في المفهوم الإسلامي ليس غزواً لأجل التوسع، ولا بحثاً عن موارد، بل إدخال أرضٍ تحت حكم الإسلام لتُدار بأحكامه، ويُصان فيها الإنسان بعقدٍ شرعي واضح، لا بإرادة حاكم متقلب.
كانت مصر قبل الفتح ترزح تحت سلطان الدولة البيزنطية، تُثقل كاهل أهلها بالضرائب، وتُخضعهم لتمييز ديني وسياسي. لم يكن الناس شركاء في الحكم، ولا كانت ثروات البلاد تُدار لصالحهم، بل لخدمة مركز الإمبراطورية. فجاء الفتح الإسلامي لينقل البلاد من سلطان البشر إلى سلطان الشرع، ومن نظام يقوم على إرادة القيصر إلى نظام يخضع فيه الحاكم والمحكوم لحكم الله تعالى.
أول ما يبرز في هذا الحدث أن الجيوش الإسلامية لم تدخل لتستنزف البلاد أو لتحولها إلى مورد خاص لقادتها، بل دخلت بأمر الخليفة، وتحت راية واحدة، ضمن سياسة خارجية واضحة تقودها دولة قائمة غايتها حمل الإسلام للعالم. هذا يؤكد أن الفتح كان فعل دولة مبدئية تقوم على الإسلام عقيدةً ونظاماً، لا حركة عسكرية منفصلة تبحث عن مكاسب آنية.
ثانياً: إن انتقال مصر إلى سلطان الإسلام لم يعنِ فرض تغييرات قسرية على أهلها، بل تركوا على أديانهم، وحُفظت كنائسهم وأموالهم، وفق الأحكام المتعلقة بأهل الذمة. هذا السلوك لم يكن تنازلاً سياسياً، بل تنفيذاً لحكم شرعي ينظم علاقة الدولة بغير المسلمين من رعاياها. وهنا يتجلى الفرق بين دولة تُخضع الشعوب بالقهر، ودولة تُخضع الأرض للشرع، وتُبقي الناس في دائرة الحقوق والواجبات التي حدّدها الإسلام.
ثالثاً: إدارة البلاد بعد الفتح لم تُترك لاجتهادات شخصية، بل خضعت لتنظيم مالي وإداري منضبط بأحكام الإسلام. بيت المال لم يكن ملكاً للخليفة أو للوالي، بل مالاً للأمة يُصرف في مصارفه الشرعية. الأرض لم تُقسّم غنيمة بين القادة، بل أُبقيت في يد أهلها مقابل خراج يدفعونه، ليبقى الإنتاج مستمراً وتستفيد الأمة كلها. هذا القرار يعكس فهماً عميقاً لطبيعة الملكيات في الإسلام، ولطريقة إدارة الموارد بوصفها أمانةً لا مورداً خاصاً.
وعند إسقاط هذا المشهد على واقع المسلمين اليوم، يظهر الفرق بين وجود سلطان يجمع الأمة ويطبّق أحكام الإسلام، وبين واقع التجزئة الذي تتوزع فيه البلاد بين أنظمة قطرية، كل منها يتعامل مع ثرواته بمعزل عن بقية الأمة. في غياب الكيان الجامع، تتحول الموارد إلى أوراق تفاوض، وتُدار الاقتصادات وفق سياسات مستمدة من نظم وضعية، بينما كان فتح مصر جزءاً من مشروع سياسي واضح المعالم يقوده خليفة واحد، يحكم بما أنزل الله في جميع الأقاليم.
الفتح إذاً لم يكن تحريراً وطنياً، بل إدخالاً لبلدٍ في كيان أوسع هو أمة الإسلام، تحت إمام واحد وسلطان واحد. فمصر لم تصبح دولة مستقلة بذاتها، بل أصبحت جزءاً من دار الإسلام، تخضع لأحكام واحدة، وتشارك في حمل الدعوة مع سائر الأقاليم. هذا الفهم يرسخ أن قوة الأمة في وحدتها السياسية، لا في تفرقها ضمن حدود مصطنعة.
كما أن هذا الحدث يبيّن أن القوة في الإسلام ليست غاية، بل وسيلة لإزالة العوائق أمام تبليغ الدعوة وإقامة الحكم بما أنزل الله. فلم يكن الهدف إخضاع الناس لإرادة العرب، بل إخضاع الأرض لحكم الإسلام، ليُفتح المجال أمام الناس ليعيشوا في ظل نظام عادل منضبط بأحكام ثابتة لا تتغير بتغير الحكام.
إن قراءة فتح مصر من هذه الزاوية تعيد تصحيح المفاهيم؛ فهو لم يكن احتلالاً، لأنه لم يقم على استغلال البلاد ونهبها، ولم يكن مجرد انتصار عسكري عابر، لأنه أحدث تحولاً جذرياً في بنية الحكم ونظام الحياة. لقد انتقلت مصر من سلطان إمبراطورية تجعل التشريع حقاً للقيصر، إلى سلطان الإسلام الذي يجعل السيادة للشرع وحده.
والدرس الأعمق أن الأمة حين تكون لها دولة قائمة على أساس الإسلام، قادرة على بسط سلطانها، وتنظيم مواردها، وحمل دعوتها، فإنها تصنع تحولاً تاريخياً حقيقياً. أما إذا غاب هذا الكيان، وتفرقت البلاد، وفُصلت السياسة عن أحكام الإسلام، فإن القوة تتبدد، وتصبح كل رقعة عرضةً للضغط والتدخل.
فتح مصر كان شاهداً على أن الدولة التي تجعل الإسلام أساس سلطانها قادرة على تحويل الفتح إلى عدل، والقوة إلى رحمة، والانتقال السياسي إلى استقرار طويل الأمد. إنه درس في أن إقامة الحكم بما أنزل الله ليست شعاراً، بل واقع يصوغ التاريخ ويعيد تشكيل حياة الناس قروناً متتابعة.
المكتب الإعلامي لحزب التحرير
في ولاية مصر