Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الاقتصاد والسيادة... معركة التحرر من قبضة النظام الرأسمالي

 

لا يمكن الحديث عن سيادة حقيقية في ظل ارتهان اقتصادي. فالدولة التي تستجدي القروض، وتخضع لشروط المؤسسات المالية الدولية الاستعمارية، وتربط عملتها وسياساتها النقدية بإملاءات الغرب، لا تملك قرارها السياسي مهما رفعت من شعارات الاستقلال. إن العلاقة بين الاقتصاد والسيادة علاقة جوهرية؛ لأن من يملك المال يملك التأثير، ومن يتحكم بمصادر التمويل يفرض شروطه على القرار.

 

المشكلة في بلاد المسلمين ليست مجرد سوء إدارة أو فساد أفراد، بل هي مشكلة في طبيعة النظام الاقتصادي المطبق. فالأنظمة القائمة في البلاد الإسلامية بعد إسقاط دولة الخلافة، لم تعتمد نظاماً اقتصادياً منبثقاً من عقيدة الأمة، بل تبنّت النموذج الرأسمالي، الذي يقوم على حرية التملك المطلقة، وإطلاق يد السوق، وجعل الربا أداة أساسية في التمويل، وربط الاقتصاد المحلي بالسوق العالمية وفق شروط غير متكافئة.

 

الرأسمالية تجعل القيمة العليا هي المنفعة، وتتعامل مع الثروات باعتبارها سلعاً في سوق عالمي مفتوح، لا باعتبارها أمانة تُدار وفق أحكام شرعية. ومن هنا نشأ تركّز الثروة في أيدي فئة قليلة، وارتبطت الاقتصادات الضعيفة بالمراكز المالية الكبرى، وصار صندوق النقد والبنك الدوليان أدوات ضغط سياسي بغطاء اقتصادي. القروض لا تُمنح بلا مقابل، بل بشروط تمسّ السياسات العامة؛ من رفع الدعم، إلى خصخصة الملكيات العامة، إلى إعادة هيكلة القوانين بما يخدم المستثمر الأجنبي.

 

في المقابل، الإسلام يقدّم نظاماً اقتصادياً متميزاً، منبثقاً عن عقيدة تجعل السيادة للشرع. فالمال في الإسلام ليس حرية مطلقة، بل تحكمه أحكام تفصيلية تضبط طرق كسبه وإنفاقه. الملكية في الإسلام ثلاثة أنواع: فردية، وعامة، وملكية دولة. الملكية العامة كالثروات الدائمية وشبه الدائمية من المعادن، والنفط، والغاز، والمياه، والمرافق الأساسية لا يجوز أن تُخصخص، لأنها حق للأمة كلها. هذه الأحكام ليست تنظيرات مثالية، بل قواعد عملية لو طُبقت لأغلقت باب الارتهان، ومنعت بيع الثروات للشركات العابرة للقارات.

 

بيت المال في الدولة الإسلامية ليس وزارة مالية تقليدية، بل جهاز يتولى جمع الموارد وفق أحكام محددة، كالزكاة والخراج والعشور والفيء، ثم ينفقها في مصارفها الشرعية. والزكاة ليست صدقة تطوعية، بل فريضة مالية تؤخذ من الأغنياء وتُردّ إلى مصارفها، بما يمنع التكدّس غير المشروع للثروة. أما الربا، الذي يُعدّ العمود الفقري للنظام المصرفي الرأسمالي، فهو محرّم تحريماً قطعياً، لأنه يؤدي إلى استعباد المدين للدائن، ويجعل المال يلد المال دون جهد حقيقي.

 

إن الدول التي تعتمد على الربا في تمويل مشاريعها تعيش في حلقة مفرغة فهي تستدين لسداد ديون سابقة، وتفرض ضرائب لسداد الربا، وتقلّص الخدمات لإرضاء الدائنين. وهكذا يتحول الاقتصاد إلى أداة لإفقار الشعوب بدل رعايتها. أما في الإسلام، فإن الدولة تموّل نفقاتها من موارد حقيقية، وتُعيد توزيع الثروة وفق أحكام الشرع، وتمنع الاحتكار، وتضبط الأسواق دون أن تطلق العنان للفوضى.

 

النظام الاقتصادي في مفهوم الإسلام ليس انعزالاً عن العالم، بل تحرر من التبعية. والدولة الإسلامية تتاجر، وتبرم المعاهدات، وتستورد وتصدّر، لكنها لا تخضع لهيمنة مالية تفرض عليها تغيير تشريعاتها أو سياساتها. فالقرار الاقتصادي ينبثق من العقيدة الإسلامية ويرعى مصلحة الأمة كما يحددها الشرع، لا من توصيات خبراء المؤسسات الدولية.

 

إن ما تعانيه بلاد المسلمين اليوم من بطالة مرتفعة، وتضخم، وانهيار في العملات، وفجوة طبقية واسعة، هو نتيجة مباشرة لتطبيق نظام رأسمالي لا ينسجم مع عقيدة الأمة ولا مع مصالحها. فحين تُباع الثروات العامة، وتُخصخص المرافق الأساسية، وتُفتح الأسواق دون حماية مدروسة وبعيدا عن أحكام الإسلام، يصبح الاقتصاد هشاً، ويصبح القرار السياسي رهينة.

 

إن التحرر الاقتصادي لا ينفصل عن إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة. فالنظام الاقتصادي الإسلامي لا يمكن تطبيقه تطبيقاً كاملاً إلا في ظل دولة تتبناه مبدأً شاملاً، وتجعل السيادة للشرع، والسلطان للأمة. الإصلاح الجزئي داخل النظام الرأسمالي يبقى محدود الأثر، لأن الأساس نفسه فاسد.

 

إقامة دولة تطبق الإسلام تعني إعادة تعريف وظيفة الاقتصاد، من أداة لزيادة الناتج القومي بمعايير رقمية مجردة، إلى وسيلة لرعاية شؤون الناس وإشباع حاجاتهم الأساسية تمكيناً لهم من القيام بواجباتهم. الدولة في الإسلام مسؤولة عن ضمان الحاجات الأساسية لكل فرد من المأكل، والملبس، والمسكن، والأمن. وهذا لا يتحقق بالشعارات، بل بإدارة رشيدة للملكيات العامة، ومنع الاحتكار، وتوجيه الاستثمارات بما يخدم المجتمع لا المضاربين.

 

إن المعركة اليوم ليست معركة أرقام وموازنات فحسب، بل معركة مفاهيم. هل المال وسيلة لتحقيق العدل وفق شرع الله، أم أداة لتعظيم الأرباح ولو على حساب الفقراء؟ هل الدولة راعية لشؤون الناس أم مجرد منظم لسوق حر؟ الإجابة عن هذه الأسئلة تحدد طبيعة النظام برمته.

 

الأمة حين تستعيد نظامها الاقتصادي الإسلامي تستعيد قرارها السياسي. وحين يتحرر قرارها من ضغط الديون وشروط الدائنين، يصبح بإمكانها رسم سياسات خارجية حقيقية، وتمويل مشاريع استراتيجية، وتوحيد الطاقات في إطار دولة واحدة قوية. عندها فقط تتجسد السيادة حقيقة لا شعاراً.

 

﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

 

وسائط

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.