Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

 

سلسلة رمضان وبناء الأمة من جديد

الحلقة الحادية والثلاثون

الوعي السياسي... الكابوس الحقيقي للطغيان وبداية طريق الخلافة

 

 

الطغيان في أي مجتمع لا يخشى الجوع بقدر ما يخشى الوعي. فالفقر يمكن احتواؤه بمسكناتٍ مؤقتة، والأزمات يمكن تدويرها إعلامياً، لكن أخطر ما يهدد الأنظمة هو أن تدرك الأمة حقيقة واقعها، وأن تفهم مصدر الداء لا أعراضه فقط. حين يتحول الإسلام في عقول الناس من طقوسٍ فردية إلى مبدأٍ شاملٍ للحياة، عندها يبدأ التحدي الحقيقي لأساس النظام القائم.

 

في مصر، كما في سائر بلاد المسلمين، يُتاح الحديث في تفاصيل كثيرة، من أسعار، وخدمات، وقضايا اجتماعية، بل وحتى نقد بعض المسؤولين. لكن الاقتراب من أصل المشكلة أي أساس الحكم وانقياد السلطان لأحكام الشرع ومن أين تُستمد القوانين يُعد تجاوزاً للخطوط الحمراء. لأن السؤال عن انقياد السلطان لأحكام الشرع يقود مباشرةً إلى السؤال عن السيادة: هل هي للشرع أم للدستور الوضعي؟ وهل الأمة صاحبة السلطان فعلاً أم أنها مجرد جمهور يُستدعى عند الحاجة؟

 

الأنظمة التي قامت على فصل الدين عن الحياة تدرك أن أخطر ما يمكن أن ينتشر هو الوعي بأن الإسلام ليس مجرد علاقة روحية، بل نظام حكم واقتصاد واجتماع. فإذا أدرك الناس أن تحريم الربا ليس حكماً فردياً فحسب، بل يعني إسقاط النظام المالي القائم على القروض الربوية، وإذا فهموا أن محاسبة الحكام ليست جريمة، بل تعبير عن أن السلطان للأمة، فإن بنية النظام كله تهتز.

 

لهذا يُسمح بالحديث عن الأخلاق، لكن يُحاصر الحديث عن الحكم. ويُشجع التدين الفردي، لكن يُخوَّف الناس من أي فهمٍ سياسي للإسلام. يُقال إن المطالبة بتطبيق الشريعة تهديد للاستقرار، مع أن الاستقرار الحقيقي لا يقوم إلا على عدلٍ ثابتٍ منبثقٍ عن وحي الله، لا عن إرادة بشرية متقلبة.

 

إن الوعي المقصود ليس مجرد إدراك عاطفي للظلم، بل وعي سياسي مبدئي. أي فهمٌ لطبيعة النظام القائم، وللفكرة التي انبثق عنها، ولطريقة تغييره على أساس طريقة الرسول ﷺ. فالتغيير في الإسلام ليس فوضى، ولا رد فعلٍ غاضباً، بل عمل منظم يبدأ بصراع فكري يكشف فساد الأفكار السائدة، ثم كفاح سياسي يفضح ممارسات الأنظمة، مع طلب نصرة من أهل القوة والمنعة لإقامة دولة تطبق الإسلام.

 

النبي ﷺ في مكة لم يواجه قريشاً بشعاراتٍ عامة عن العدل، بل هاجم أصل عقيدتها ونظامها، وأعلن أن الحكم لله وحده. وكوَّن كتلةً واعيةً على أساس العقيدة، صهرها بالإسلام فكراً وشعوراً، ثم انطلق بها في المجتمع. لم يكن هدفه تحسين شروط الحياة داخل نظام الشرك، بل إقامة كيان سياسي جديد. وحين قامت الدولة في المدينة، لم تكن مجرد سلطة إدارية، بل دولة تطبق الأحكام في الاقتصاد والاجتماع والعلاقات الخارجية.

 

هذا النموذج هو الذي يُرعب الطغيان اليوم. لأن وجود وعيٍ مماثل يعني أن الأمة لن تكتفي بتغيير الوجوه، بل ستطالب بتغيير الأساس. لن تقبل بتعديلات تجميلية في قوانين وضعية، بل ستسأل لماذا لا يكون القرآن والسنة هما الدستور الفعلي؟ لماذا تُربط البلاد بالمؤسسات المالية الربوية؟ ولماذا تُجزأ الأمة إلى كياناتٍ متناحرة بدل أن تكون دولة واحدة؟

 

الأنظمة تستطيع السيطرة بالأجهزة الأمنية، وبالإعلام، وبالمال، لكنها تعجز أمام فكرةٍ واضحةٍ تتجذر في عقول الناس. الفكرة إذا تحولت إلى رأي عام، ثم إلى طلبٍ شعبيٍ واعٍ، تصبح قوةً لا تُقهر. ولهذا تركز الأنظمة على تشويه أي دعوة تتحدث عن الخلافة أو عن تطبيق شامل للإسلام، وتربطها بالفوضى أو العنف، مع أن طريقة التغيير في الإسلام قائمة على العمل السياسي الواعي والصبر، لا على العشوائية.

 

رمضان يرسخ في النفوس معاني الانضباط والصبر وتحمل المشقة. والصائم يمتنع عن المباح طاعةً لله، فيتعلم أن يقدم أمر الله على رغبته. هذا المعنى ينبغي أن يمتد إلى المجال السياسي وأن يُقدَّم حكم الله على كل اعتبار، وأن يُرفض أي تشريع يخالفه مهما بدا "واقعياً". فالطاعة التي نتمرن عليها في العبادة يجب أن تتحول إلى التزامٍ بإقامة الشرع في الحكم.

 

والوعي وحده لا يكفي إن لم يرتبط بعملٍ منظم. فالأمة قد تدرك الظلم، لكنها إن لم تمتلك مشروعاً واضحاً وطريقةً شرعيةً للتغيير، بقي وعيها معلقاً بين الغضب والإحباط. لذلك كان لا بد من وجود حزبٍ مبدئي يعمل على أساس العقيدة، يتبنى الإسلام كاملاً، ويقود الأمة نحو إقامة دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، حيث السيادة للشرع والسلطان للأمة.

 

إن الطغيان يخاف من هذا الوعي لأنه يعلم أن الجوع قد يُسكت الناس مؤقتاً، لكن الفكرة إذا استقرت في العقول لا تُنتزع بسهولة. أمةٌ تعي أن الإسلام نظام حياة ونمط عيش، وتفهم طريقة تغييره، وتصبر على الطريق، تصبح قادرة على قلب الموازين. وحين يتحول الوعي إلى رأي عام منبثق عن فهمٍ عميق، يصبح التغيير مسألة وقت لا أكثر.

 

إن المعركة الحقيقية ليست معركة خبزٍ فقط، بل معركة وعيٍ وسيادة. فإذا استعادت الأمة وعيها السياسي على أساس الإسلام، وسارت في طريق التغيير كما رسمه الرسول ﷺ، فإن وعد الله بالاستخلاف يصبح واقعاً قريباً، ويغدو الطغيان صفحةً من الماضي، لا قدراً دائماً.

 

 

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية مصر

 

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.