- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
أخطر الأسئلة تلك التي نتوقف عن طرحها
ليست السلطة في جوهرها مجرد قدرة على فرض القرارات، بل هي قبل ذلك قدرة على تشكيل ما يُسأل وما لا يُسأل، فحين تتوقف الشعوب عن طرح الأسئلة لا تكون قد بلغت اليقين، بل غالباً تكون قد دخلت في مرحلة الخضوع غير المعلن، وإن أخطر ما يمكن أن يحدث في الحياة السياسية ليس وجود إجابات خاطئة، بل غياب الأسئلة نفسها.
في البداية تُطرح الأسئلة بوصفها حقاً طبيعياً: لماذا يُطبق علينا هذا النظام؟ أليس هو امتداداً للسابق؟ من المستفيد؟ لماذا لا نطبق نظاماً يمثلنا؟ ...إلخ. لكن مع مرور الوقت، وتحت تأثير الخوف أو الدعاية أو الإشباع الزائف، حُوّلت بعض الأسئلة إلى محظورات غير مكتوبة، وهنا تبدأ السياسة في الانحراف من كونها إدارة للشؤون العامة إلى كونها إدارة للوعي.
عندما تتوقف السلطة السياسية عن التشكيك في شرعيتها وعن الخضوع لأسئلة الناس، فإنها تنتقل من مرحلة السلطة القائمة على الإقناع إلى مرحلة السلطة القائمة على الإرهاق، وهنا يكمن الخطر، ليس في كثرة الأسئلة بل في غيابها.
قبل عام 2011، أي قبل ما سُمي بالربيع العربي، كانت الدول العربية تعيش الجمود السياسي الناتج عن تحنيط السؤال لإطالة عمر الجلوس على كرسي السلطة، في الأسئلة الكبرى مثل: من يحكم؟ لماذا هذا القرار؟ أين تذهب مواردنا؟ أصبحت أسئلة منسية أو أسئلة مجاباً عنها مسبقاً عبر خطاب أحادي لا يقبل النقاش.
وحين اندلعت الاحتجاجات لم تكن مجرد انتفاضات جياع، بل عودة عنيفة للأسئلة المكبوتة: كيف يحكمنا من لا يُسأل؟ كيف نعيش بكرامة دون أن نشارك في قرارنا؟
ففي الخطاب السياسي الاستبدادي يُعاد تعريف طرح الأسئلة الجوهرية بوصفها تشكيكاً في الثوابت أو تآمراً على الأمن الوطني، هنا تتحول أخطر الأسئلة إلى أسئلة محظورة يُعاقب عليها.
في عدد من الدول التي شهدت انقلابات عسكرية، كان النقاش في بدايتها محتدماً حول شرعية السلطة، ثم مع مرور الزمن اختفى السؤال تدريجياً ليحل محله سؤال أقل خطورة: كيف نتكيف مع الوضع القائم؟ وهنا يكمن الخطر، فالتكيف مع الواقع دون مساءلته يُنتج واقعاً مهما كان مختلاً.
ففي الاقتصاد تُعرض غالباً بلغة تقنية معقدة على العوام (نمو - تضخم - استثمارات - عوائد...)، لكن السؤال الحقيقي: لمن يذهب هذا النمو؟ عندما تتوقف الشعوب عن طرح هذا السؤال، يمكن أن تنمو الأرقام بينما تتدهور العدالة في المجتمع.
وفي حالة الأمن مقابل الحرية يُطرح سؤال: ما هي حدود السلطة الأمنية؟ حيث تحت ذريعة الاستقرار تُمنح الأجهزة الأمنية صلاحيات واسعة، ويُقنع المرء بأن التضحية بجزء من حريته أمر مؤقت، فيستيقظ على واقع تصبح فيه الحرية استثناء لا قاعدة.
فحين يبدأ الأفراد بمراقبة أنفسهم وتجنب الأسئلة التي قد تضعهم في دائرة الشبهة أو العزلة، تكون السلطة قد نجحت في أخطر مراحلها، حيث لا يعود الصمت مفروضاً بل يصبح خياراً يبدو عقلانياً!
لا تُقاس حيوية الشعوب بمدى اتفاقها، بل بقدرتها على الاختلاف وطرح الأسئلة الصعبة دون خوف، فالسؤال ليس تهديداً للاستقرار كما يُصور أحياناً، بل هو الضمانة الوحيدة لعدم تحول الاستقرار إلى الجمود، وعدم تحول السلطة إلى يقين مغلق، وإن المجتمعات التي تفقد شجاعتها في السؤال تفقد تدريجياً قدرتها على التصحيح، ثم على الفهم، ثم على البقاء.
في الإسلام تختلف الموازين، حيث إن المشرع هو الله، والنظام (الخلافة) مأخوذ من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب يمارسه المسلمون بشكل طبيعي، ومجلس الأمة ينوب عنهم بهذه المحاسبة؛ عمل المجلس ومحاسبة الخليفة والمعاون والوالي والعامل، أي كل مناصب الحكم، وأيضاً فإن محكمة المظالم يعود لها أي خلاف مع السلطة وأدواتها والشعب، فتفصل الخصومات بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فإن الأصل في نظام الخلافة أن يطلب من الرعية أن تسأل أي سؤال، ولا وجود للأسئلة المحرمة أو المجمدة، بل لقد أمر الشارع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأوجد لهذا العمل مسالكه الشرعية، وهناك أدلة كثيرة تحث على ذلك. قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، وفي حديث رسول الله ﷺ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ».
ففي الإسلام السؤال واجب دون أي تبعة تتعلق بالسائل، بل هناك حث على ذلك كما جاء في حديث رسول الله ﷺ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ». ولأي عضو في مجلس الأمة، باعتباره يمثل المسلمين، أن يسأل أي سؤال مهما كانت خطورته، فليس هناك سؤال محظور. هذا هو المنهج الرباني الذي يحفظ للإنسان إنسانيته ويضمن له العيش بالعز والكرامة، اللهم عجل لنا بعودة دولة الخلافة الراشدة التي وعدت.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
نبيل عبد الكريم