Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

خيارات إيران

 

 

لقد هاجمت أمريكا، المنفلتة بسُكر الغطرسة بوصفها القوة العظمى الوحيدة، أفغانستان واحتلتها عام 2001، ثم غزت العراق واحتلته عام 2003. وعند مغادرتها الحكم في 20 كانون الثاني/يناير 2001، تركت إدارة كلينتون لخليفتها فائضاً في الميزانية ودَيناً وطنياً يمكن التعامل معه بلغ 5.6 تريليون دولار، وجيشاً مُجهَّزاً لخوض حرب ونصف، أي لتحقيق نصر حاسم في جبهةٍ واحدة مع الإبقاء على الأخرى تحت السيطرة حتى تُحسم الأولى. ومن المهم الإشارة إلى أن مفهوم "الحرب والنصف" كان يُفهم آنذاك على أنه صراعان محتملان: واحد ضد الجيش الروسي في سهول أوروبا الشرقية، وآخر ضد الصين في شبه الجزيرة الكورية. ومن المهم أيضاً، للمقارنة المنصفة مع اليوم، أن روسيا في ذلك الوقت كان يقودها السكير بوريس يلتسين، وكانت بلا بوصلة ولا اتجاه بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. أما الصين فكانت لا تزال تتجرع مرارة حادثة ساحة تيانانمن وما تلاها من عقوبات، وكانت ما تزال تناور وتساوم لدخول منظمة التجارة العالمية والجات وغيرها من المحافل الدولية. وكان صانعو السياسة الأمريكيون يتصورون ألفية من الهيمنة الأمريكية، بينما كان مثقفوهم يكتبون سرديات من نوع "نهاية التاريخ"، قائمة على انتصار الرأسمالية على الاشتراكية.

 

في عام 2026 فقدت أمريكا الثقة في السردية نفسها التي تأسس عليها النظام القائم على القواعد، أي العولمة. فهي تواجه الآن عجزاً سنوياً يبلغ تريليوني دولار، ودَيناً وطنياً يستحيل تجاوزه يقدَّر بنحو 38.38 تريليون دولار، وجيشاً تنفد منه الذخيرة خلال بضعة أسابيع حتى في اشتباك جوي محدود. كان بوش يستند إلى شيء صلب، أما ترامب فلا يملك في هذه الحرب الجديدة في الشرق الأوسط مع إيران سوى الكلام الفارغ وبوقٍ صاخب.

 

يقدم التاريخ أمثلة مشابهة لحالة إيران عندما تواجه عدواً يبدو أنه أقوى منها. فقد انتصرت الولايات المتحدة في صراعها الاستراتيجي ضد بريطانيا، القوة العظمى آنذاك في حرب عام 1812، حتى بعد خسارة عاصمتها واحتراق مبنى الكابيتول، واضطرار الجيش الأمريكي إلى إخلاء واشنطن العاصمة قبل تقدم القوات البريطانية. وقد ألحق البريطانيون أضراراً تكتيكية، لكنهم فشلوا في كسر إرادة الأمريكيين للقتال، فتحولت غلبتهم التكتيكية إلى هزيمة استراتيجية. وفي الوقت نفسه، وعلى الجانب الآخر من القارة، كان مشهد مشابه يتشكل. فقد غزا نابليون روسيا بجيشه العظيم الذي لم يُهزم من قبل، وقوامه 650 ألف جندي، وأزاح الجيوش الأوروبية المتحالفة أمامه في معركة بعد أخرى، حتى أصبحت موسكو نفسها خالية أمامه. وانتظر في موسكو أشهراً حتى يأتيه الروس للتفاوض على الاستسلام، لكنهم لم يأتوا. لقد فشل نابليون في كسر إرادة أمةٍ مُحتلة على المقاومة. فانسحب عائداً إلى فرنسا، يحارب الطبيعة القاسية، وخسر في الطريق 600 ألف من أفضل جنوده المخضرمين.

 

كما تكبد السوفييت 27 مليون قتيل في الحرب العالمية الثانية، مقابل نحو 4 ملايين خسائر ألمانية على الجبهة الشرقية، وهو رقم يزداد لفتاً للنظر لأن الألمان كانوا هم الطرف المهاجم، بينما تقضي القاعدة بأن المهاجم عادةً ما يتكبد ثلاثة أضعاف خسائر المدافع. لقد كان ذلك عرضاً لقوة الإرادة الصرفة، ولم يظهر ذلك في أي مكان بوضوح كما ظهر في الدفاع عن ستالينغراد.

 

وعاد الدرس نفسه في كوريا. ففي عام 1953، خاضت أمريكا - المنشغلة بتفوقها النووي وبذاكرة نصرها القريب - حرباً ضد بلدٍ كان مستعمرة غربية قبل ذلك بسنوات قليلة فقط. فألقت من القنابل على شبه الجزيرة الكورية أكثر مما استخدمته في مسرح المحيط الهادئ بأكمله خلال الحرب العالمية الثانية، ولم تترك حجراً فوق حجر في بيونغ يانغ، وقيل إنها دمّرت 90% من البنية العمرانية لكوريا الشمالية. ومع ذلك، ظلت الإرادة غير مكسورة. واضطرت أمريكا للتفاوض على وقف إطلاق النار، الذي ما يزال حتى اليوم الاتفاق الوحيد الذي يحدد العلاقة بين الكوريتين الشمالية والجنوبية.

 

وقد رأينا هذا النمط يتكرر مراراً وتكراراً؛ فقد رفضت شعوب فيتنام وأفغانستان والعراق والصومال، على سبيل المثال لا الحصر، قبول الهزيمة.

 

لقد كانت أمريكا تأمل في نتيجة على غرار فنزويلا، وقدّرت أن الحرب مع إيران ستنتهي في أربعة أيام، لكنها مهما علا صخبها، ليست قريبة مما كانت عليه حين خاضت الحرب ضد أفغانستان والعراق، وهما دولتان يبلغ عدد سكان كل منهما 25 مليوناً، مع الدعم الكامل من الدول المجاورة. أما إيران، فتمتد على مساحة 1.5 مليون كيلومتر مربع، ويبلغ عدد سكانها 93 مليوناً، ولا يوجد جارٌ واحد مهم يقف في صفها.

 

إيران لا تحتاج إلى هزيمة الولايات المتحدة عسكرياً بل يكفيها أن تصمد أمامها. لكن ما دامت بنية الدولة القومية، وشبكة القواعد الأمريكية، وأدوات النظام الدولي من البترودولار، ومعاهدة حظر الانتشار النووي، ومجموعة العمل المالي، وصندوق النقد الدولي، وسويفت، ومعاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية، ومعاهدة حظر إنتاج المواد الانشطارية، ومعاهدة الحد من الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية، وما إلى ذلك، ما دامت باقية على حالها، فإن تضحيات الشعب الإيراني ستكون قد ذهبت سدى. وفي نهاية المطاف، هذه معركة سياسية، لذا يجب هزيمة الولايات المتحدة سياسياً، وأول قطعة يجب إسقاطها على رقعة الشطرنج هذه هي إطار الدولة القومية.

 

فالمنطقة لا تحتاج لأمريكا من أجل الأمن، بل تحتاج إلى الأمن منها. لقد أنشأ الغرب الاستعماري دويلات الخليج الهشّة خصيصاً لنهب موارد الأمة وسلبها. والقوات المسلحة الباكستانية موجودة أصلاً في المنطقة. وقد حان الوقت لتفكيك البنية الاستعمارية بأكملها، سواء أكان ذلك يعني تقويض تقسيم سايكس بيكو، أو فصل خط ديوراند، أو مجزرة رَدْكليف في البلاد الإسلامية.

 

ليس هناك طريق إلى الأمام سوى الخلافة. أما غير ذلك فلا يتيح لأمريكا إلا أن تعود إليك بوسائل مختلفة.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مهنّد مجتبی – ولاية باكستان

 

 

وسائط

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.