Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

انهيار المنظومة الدولية منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023

 

 

منذ لحظة انفجار حدث طوفان الأقصى، لم يعد العالم كما كان؛ ليس لأن حرباً اندلعت في بقعةٍ مستعرةٍ أصلاً، بل لأن ما جرى كشف بلا مواربة أن النظام الدولي، الذي ادّعى لعقود أنه قائم على القواعد، لم يكن في جوهره سوى توازن هش بين القوة والمصلحة.

 

وفي تلك اللحظة تحديداً، سقط القناع عن منظومة قدّمت نفسها بوصفها حارساً للقانون الدولي. وكان العالم يساوره الشك في ذلك، حتى تعثرت أمام أول اختبار حقيقي، وعلى أعين الناس انكشفت ازدواجية معاييرها على مرأى من العالم. فأصبح المشهد بقساوته يعرض اختلالات عميقة: عجز المؤسسات، وتآكل الردع، وارتباك التحالفات... إلخ.

 

ومع كل يوم يمر، بدا أن ما يتهاوى ليس مجرد توازنات إقليمية، بل أسس النظام الدولي ذاته؛ نظام لم يعد قادراً على فرض قواعده، ولا حتى على إقناع الآخرين بشرعيته. ومن فاز وخسر في الميدان، بقدر ما نشهده هو بداية نهاية النظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب الباردة. واليوم يقف العالم على حافة مرحلة انتقالية مضطربة، حيث تتكسر القواعد القديمة دون أن تتبلور بعد قواعد جديدة.

 

لقد تلقّى النظام الدولي منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وما يجري حتى اليوم من حرب على إيران، سلسلة صدامات كشفت هشاشته. وسوف أعرج على بعض النقاط التي دفعته نحو الانهيار:

 

أولاً: سقوط فكرة القانون الدولي الملزم: ما يحدث في إيران، وما حدث بعد عملية طوفان الأقصى، أظهر أن القانون الدولي يُطبّق انتقائياً، حيث دمار كبير وضحايا مدنية ضخمة دون محاسبة حقيقية، ما أدى إلى فقدان الثقة في الأمم المتحدة، وفقدان شرعية النظام القائم على القواعد. وتحوّل القانون الدولي من مرجعية ملزمة إلى أداة سياسية بيد الأقوياء. واليوم، مع توقف الدعم المالي للأمم المتحدة من أمريكا إلا عبر تسعة شروط، عنوانها الأبرز: لا دعم مالي إلا إذا كانت الأمم المتحدة خاضعة لتنفيذ مصالح أمريكا فقط.

 

ثانياً: انهيار مفهوم الردع: إن 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 كسر ردع كيان يهود، ثم توسّع الصراع بانكسارات متكررة في لبنان وسوريا واليمن، وأخيراً حرب أمريكا وربيبها على إيران 2026، التي كسرت هيبة الدولة التي لا تُهزم، سواء للكيان أو لأمريكا. ولم تعد الدول الكبرى قادرة على ضبط التصعيد أو احتوائه حتى اليوم.

 

ثالثاً: سقوط احتكار أمريكا لنظام العالم، فقد لاحظنا أن أمريكا لم تعد قادرة على فرض حلول، أو منع حروب، ولا حتى توحيد الحلفاء تحت قيادتها، مع رفض الدول الأوروبية والصين وروسيا الدخول معها في مسألة مضيق هرمز وحرب إيران. حتى إننا نلاحظ اليوم أن حلفاء أمريكا التقليديين (أوروبا، وتركيا...) بدأوا يتصرفون باستقلالية أكبر مما كانوا عليه. وهذا، إذا تطور أكثر، فإننا نكون قد انتقلنا من نظام أحادي القطب إلى فوضى متعددة الأقطاب، وهذا متوقع.

 

رابعاً: تفكك التحالفات التقليدية، حيث لاحظنا انقساماً أوروبياً واضحاً حول غزة، واليوم حول إيران، وأصبحت هناك خلافات داخل الناتو قد تؤدي إلى انتهائه أو انقسامه، أي انتهاء فكرة المعسكر الصلب، وأصبح العالم شبكة مصالح متغيرة.

 

خامساً: صعود القوة خارج الدولة، كالجماعات المسلحة، مثل حماس وحزب إيران اللبناني... إلخ، وشركات عسكرية خاصة خارج نطاق الدولة، وظهور فاعلين غير حكوميين يفرضون معادلات موازية.

 

سادساً: انهيار العولمة الاقتصادية التقليدية، وعودة الحمائية الاقتصادية، واستخدام التجارة كسلاح (عقوبات، حصار، سلاسل توريد...)، وقد تفككت نوعاً ما سلاسل الإمداد العالمي، وتحول الاقتصاد العالمي من تكامل اقتصادي إلى تنافس وصراع، وأصبح الاقتصاد أداة حرب (طاقة، وغذاء، وتكنولوجيا...). والدول لم تعد تفصل بين الاقتصاد والأمن، وبذلك تُعتبر نهاية السوق الحر المحايد.

 

سابعاً: عجز المؤسسات الدولية، فقد أصبح مجلس الأمن مشلولاً عبر استخدام الفيتو المتكرر، والأمم المتحدة عاجزة عن وقف الحروب، والمؤسسات المالية غير قادرة على احتواء الأزمات، ما أدى إلى ضعف البنية المؤسساتية للنظام العالمي الحالي.

 

ثامناً: انفجار الصراع الإقليمي، ابتداءً من غزة، وسوريا بعد سقوط النظام، فهي ساحة صراع مفتوحة وساخنة، وإيران 2026، بعد أن كانت درعاً لهم، أصبحت خارج المعادلة نسبياً؛ أي تحولت منطقة الشرق الأوسط إلى منطقة نزاع لصراعات مفتوحة مترابطة. وتكونت ضمن مناطقنا أكبر ساحات الصراع، ولكن سينقلب السحر على الساحر في لحظة اقترب حدوثها، وتتفلت المنطقة برمتها من أيديهم.

 

تاسعاً: تراجع القيم الليبرالية وفقدان الثقة العالمية، حيث أصبحت الديمقراطية وحقوق الإنسان أدوات انتقائية، وانهارت السردية الأخلاقية للنظام الدولي، وأصبحت ازدواجية المعايير مكشوفة، ما أدى إلى فقدان الثقة بهذه القيم، وأصبح مثقفو العالم يتطلعون إلى حجب الثقة العالمية عن القيم الليبرالية تحت قيادة أمريكا.

 

منذ عملية طوفان الأقصى، ثم حرب إيران، سقطت ثلاث ركائز للنظام الدولي:

 

1- الشرعية (القانون الدولي)

2- الضبط (الردع والتحالفات)

3- الإدارة (المؤسسات الدولية)

 

لذلك، نحن الآن في مرحلة يمكن وصفها بمرحلة انتقالية فوضوية؛ العالم القديم في طور الموت، والجديد لم يولد بعد.

 

إن الأحداث تشير إلى بزوغ فجر جديد لمبدأ جديد قادر على قلب الطاولة على النظام القديم المتهالك. ولا يستطيع ذلك سوى مبدأ الإسلام. وإن ما يحدث اليوم من أحداث عظيمة ما هي إلا بشارات قدومِ مارد الإسلام، في اللحظة التي يأذن الله لنا بقيامه.

 

فالأمة تتجهز، والحزب القادر على القيام بأعباء صحوة هذا المارد موجود، وهذا سوف يسهل على الأمة الاستفادة من مرحلة التعددية الفوضوية. حيث إنها من أول لحظة لظهورها، ستعلن دولة الخلافة عدم شرعية القانون الدولي، وهو سيكون في أنفاسه الأخيرة، ولن تعترف بأي مؤسسة من مؤسساته، ولا بأي قرار من قراراته، سابقاً ولا لاحقاً. وسوف تعلن عن نظام عالمي جديد يعتمد على الأعراف الدولية فقط، ومساحة هذه الدولة ضمن مفهوم الأمة الواحدة، سوف يجعلها تنتقل من مرحلة الارتكاز إلى مركز عالمي يؤثر في الموقف الدولي من أول لحظة.

 

وما دام لدينا كل ما يلزم من تشريعات مستمدة من الكتاب والسنة، وكيفية التعامل ضمن العلاقات الدولية، ورجال دولة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، ولدى الأمة شباب يمتلكون آلية تفكير فريدة، تعمل على تطور الدولة على الصعيدين الداخلي والخارجي، وحل كل المشكلات التي تواجهها بسرعة، وفق المنظور الإسلامي فقط، فتُعاد الحياة الإسلامية إلى ربوع الأمة، وتُرعى شؤون العباد بما أمر رب العباد، وتطرح الأرض خيراتها، وتنزل السماء خيراتها، مصداقاً لقول الله تعالى: ﴿وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقاً﴾.

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.