Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

عندما يتجاوز البرميل 130 دولارا: من يملك شرايين النفط يملك القرار

 

في عالم يقوم على تدفّق الطاقة كما تقوم الأجساد على تدفّق الدم، لا يكون النفط سلعة تُقاس بالبراميل، بل شرياناً خفياً يُبقي الاقتصاد العالمي حياً أو يدفعه نحو الاختناق. وعندما يقفز سعر البرميل إلى عتبة 130 دولاراً وما فوق، لا يبقى السؤال: من يملك النفط؟ بل يصبح: من يملك القدرة على إيصاله؟

 

هنا تتحول الجغرافيا إلى قدر، وتغدو الممرات البحرية والبرية مسارح صامتة لصراع دولي محتدم، حيث تتقاطع المصالح وتُختبر موازين القوى، ويُعاد رسم النفوذ على إيقاع ناقلات النفط. حينها لا يكون ارتفاع الأسعار مجرد انعكاس لأزمة اقتصادية عابرة، بل تعبيراً عن خلل أعمق في منظومة الإمداد العالمية، حيث يصبح نقل النفط ذاته أزمة قائمة بذاتها، تتداخل فيها السياسة بالأمن، والاقتصاد بالعسكر. ومن هنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً: من المستفيد من هذا الاختناق؟ وكيف يسعى العالم إلى فكّه دون أن ينزلق إلى مواجهة مفتوحة؟

 

إن ارتفاع أسعار النفط ليس مجرد رقم اقتصادي، بل إشارة إلى تحول واسع في موازين الاقتصاد السياسي عالمياً، وسوف نوضحه عبر ما يلي:

 

أولاً: الاقتصاد العالمي تحت الضغط: إن ارتفاع أسعار الطاقة بهذا الشكل يعني ارتفاع تكلفة كل شيء تقريباً، حيث يرتفع النقل (الشحن البري والبحري والطيران... إلخ)، وترتفع أسعار الإنتاج الصناعي في كل المجالات، وكذلك أسعار الأغذية بسبب ارتفاع تكاليف النقل والأسمدة. وبذلك تتآكل القدرة الشرائية وترتفع معدلات التضخم عالمياً، ما يُدخل العالم في مرحلة خطيرة جداً، وهي الركود شبه التام أو التام.

 

ثانياً: الدول المستوردة في أزمة: الدول التي تعتمد على استيراد الطاقة ستواجه ارتفاع العجز التجاري والضغط على العملات المحلية، وبذلك ترتفع الديون وتزداد الضرائب على الناس، أي أننا على أعتاب أزمة معيشية محتملة داخل هذه الدول.

 

ثالثاً: الدول المصدّرة تنتعش لكن بحذر: حيث تستفيد الدول المصدّرة مثل (دول الخليج، وروسيا، وبعض دول أفريقيا، والولايات المتحدة... إلخ)، وتحقق عائدات ضخمة وتعزز احتياطاتها وتوسع إنفاقها، لكنها قد تتضرر في وارداتها إذا استمر الارتفاع طويلاً، حيث يبحث العالم عن بدائل، ما يشكل تهديداً مستقبلياً. كما أن جزءاً من العوائد يُستنزف في تكاليف النقل لمن لا يملك طرق العبور.

 

رابعاً: تسارع التحول نحو الطاقة البديلة: عندما ترتفع الأسعار بهذا الشكل، تصبح الطاقة الشمسية والرياح أكثر جاذبية اقتصادياً، وتتسارع مشاريع السيارات الكهربائية، وتعود إلى الواجهة بقوة النقاشات حول الطاقة النووية.

 

خامساً: توترات سياسية وجيوسياسية: نشهد اليوم هذه التوترات والنفط ما يزال عند حدود 100 دولار للبرميل، فكيف إذا صعد إلى ما فوق 130 دولاراً؟ قد تنشأ حروب أو توترات في مناطق الإنتاج ومعابر النفط، وقد نشهد خلافات أو انشقاقات داخل التحالفات النفطية مثل أوبك بلس وغيرها، ويرافق ذلك اضطرابات في سلاسل الإمداد. وهذا ما يدفع الدول الكبرى، وخاصة أمريكا، إلى تصعيد الصراع بين القوى الكبرى، وقد بدأت هي بالتدخل سياسياً وعسكرياً في مناطق مثل (فنزويلا وإيران... وغيرها قادم)، مع محاولة إعادة رسم التحالفات الدولية وفق مصالحها.

 

سادساً: الأسواق المالية تتقلب: أسواق الأسهم بشكل عام، والصناعات بشكل خاص، قد تتراجع، بينما ترتفع أسهم الطاقة مع ارتفاع الأسعار. كما يدفع ذلك البنوك المركزية إلى رفع نسبة الربا لمواجهة التضخم، ما يعكس تغيرات جوهرية في سياسات المؤسسات المالية الكبرى، ويتضح ذلك بقدوم كيفن وارش بدل جيروم بول حيث يتوعد كفين بإحداث تغيرات جوهرية في آلية عمل الفيدرالي.

 

ومع وصول النفط إلى أكثر من 130 دولاراً، فإن ذلك يُعد إعلاناً عن مرحلة توتر اقتصادي عالمي قد تفضي إلى إعادة توزيع القوى بين الدول، وتضغط على الشعوب، وتدفع العالم نحو تغيير مسار الطاقة وتوازن القوى.

 

وبالعودة إلى السؤال: من المستفيد من هذا الاختناق؟ فإن المستفيدين هم الدول المصدّرة وشركات الطاقة الكبرى، حيث تحقق أرباحاً قياسية ونفوذاً أكبر في السوق. كما تُعد أمريكا مستفيداً مزدوجاً؛ فرغم كونها مستهلكاً كبيراً، إلا أنها من أكبر منتجي النفط الصخري مرتفع التكلفة، والذي يصبح مربحاً مع ارتفاع الأسعار، فضلاً عن استخدامها الطاقة كأداة نفوذ سياسي. ويستفيد أيضاً قطاع الطاقة البديلة، مثل شركات الطاقة الشمسية والرياح، ومصنّعي السيارات الكهربائية مثل تسلا، وكذلك الدول التي سبقت في الاستثمار في البدائل مثل الصين، وأيضاً ألمانيا رغم أزماتها.

 

أما الخاسر، فهو باقي دول العالم، وخاصة الطبقتان الفقيرة والمتوسطة، حيث تتأثر بشكل كبير، ما قد يفتح الباب أمام اضطرابات واسعة.

 

أما عن السؤال الثاني: كيف يسعى العالم إلى فك هذا الاختناق دون مواجهة مفتوحة؟ فإن الحل لن يكون بطريقة واحدة، بل عبر حزمة من التحولات:

 

- التحول إلى الكهرباء (سيارات، حافلات، وتوسيع البنية التحتية للشحن).

- تعزيز النقل الجماعي بدل الفردي، وتقليل الاعتماد على السيارات الخاصة.

- الوقود البديل مثل الهيدروجين (خاصة للشاحنات والطائرات مستقبلاً)، وإعادة استخدام الوقود الحيوي.

- إعادة تشكيل سلاسل الإمداد، عبر تقليل الاعتماد على الشحن لمسافات طويلة، وتقريب الإنتاج من الأسواق.

- سياسات تقشف حكومية، مثل دعم محدود للوقود أو فرض قيود على الاستهلاك العالي، وتشجيع العمل عن بُعد.

 

وهذه الحلول ليست سحرية، بل تتطلب تحولاً جذرياً قد يستغرق عقداً أو أكثر.

 

وعليه، يتضح أن معركة النفط لم تعد تُحسم في الحقول بقدر ما تُحسم في الطرق التي يسلكها. فالقوة اليوم لا تُقاس فقط بحجم الاحتياطي، بل بالقدرة على تأمين التدفق أو تعطيله عبر الممرات البحرية والبرية، من مضيق هرمز إلى باب المندب، ومن خطوط الأنابيب في الصحاري إلى الموانئ.

 

لم يعد النفط مجرد سلعة استراتيجية، بل شبكة معقدة من المسارات، ومن يسيطر عليها يمتلك القدرة على إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي دون إطلاق رصاصة واحدة. وبينما تسعى الدول إلى تنويع طرق الإمداد وتحسين شرايين الطاقة يبقى التوازن هشا قائما على معادلة دقيقة بين الردع والتدفق وبين الحماية والابتزاز. وقد تنبهت الدول الكبرى لهذا منذ زمن حيث سعت الصين إلى طريق بغض النظر عن فشله أو نجاحه وإلى الطاقة البديلة، وأيضا تحركت الولايات المتحدة منذ مدة وبشكل عسكري واقتصادي وسياسي واستخدمت النفوذ للسيطرة، وما نشاهده اليوم من حروب على النفوذ في الشرق الأوسط وممراته وأفريقيا وثرواتها ما هو إلا حرب بلا نار بين طرفي صراع قد يفضي في لحظات العتمة إلى حرب أكبر مما نتصور.

 

وهكذا فإن مستقبل الطاقة لن يتحدد فقط بمن يملك النفط بل بمن يملك مفاتيح عبوره، وفي لحظة تتقاطع فيها المصالح وتضيق فيها الممرات قد يتطور الصراع إلى السيطرة عليها ما يؤدي إلى إعادة كتابة قواعد القوى في النظام الدولي.

 

وليست بلاد المسلمين ببعيدة على أن تتحرك وتحدث تغييرا كبيرا فهي تملك مبدأ إسلاميا ربانيا وثروات عظيمة وممرات كبرى، فهي في وسط العالم، وإن شاء الله تتحول من تابع إلى متحكم ضمن دائرة مغلقة من الحقول إلى الموانئ، فهي تملك القوة التي لا تأتي من كمية الاحتياط فقط بل من السيطرة المتصلة، فهي تتحكم بالإنتاج (الحقول والقدرة الفائضة) وبالنقل (شبكات أنابيب ومرافق داخلية)، وأيضا تتحكم بالعبور حيث إن كل المضائق من (مضيق هرمز ومضيق باب المندب ومضيق البوسفور والدردنيل... وغيرها) ستصبح من ممتلكات هذه الدولة فتصبح آلية التسعير والبيع والعقود والنقود كلها في يد خليفة هذه الدولة، وحينما تبنى البنى التحتية الحرجة (موانئ عميقة متعددة ومخازن استراتيجية ومصاف قريبة من نقط الشحن... وغيرها)، فإن الدولة المبدئية؛ دولة الخلافة القادمة بإذن الله إذا أحكمت قبضتها على حلقات الطاقة والممرات وغيرها تتحول إلى منصة عبور عالمية تدير التدفق بدل أن تطارده.

 

إن القوة الحقيقية لا تكمن في إغلاق الشرايين بل في القدرة على إبقائها مفتوحة بثمن وشروط هذه الدولة المبدئية ويصبح الاستقرار المدار هو أعلى أشكال النفوذ، فكل ما تحاول أن تملكه الدول الكبرى اليوم هو أصلا ملك لدولة الخلافة، فالحزام والطريق في بلادنا وطريق الحرير الجديد في بلادنا والمضائق هي مضائقنا والطاقة هي طاقتنا والمواد الخام هي لنا بكل أنواعها... ولن يتحقق هذا الكلام إلا بعد أن نهدم عروش الخونة ونقيم دولتنا دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة كما بشرنا بها رسول الله ﷺ، وهذا ليس بالحلم بل هو حقيقة سوف تظهر للعالم عما قريب، بنصر الله لنا على أيدي العاملين لاستئناف الحياة الإسلامية وإعادة عز المسلمين بإيجاد دولة الخلافة التي وعدنا بها، وإن هذا الدين سوف يبلغ أقصى مدى حاكما متربعا على عرش الموقف الدولي إن شاء الله.

 

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بَدَأَ الإِسْلامُ غَرِيباً، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيباً، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ». ويقول ﷺ: «لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ؛ عِزّاً يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ، وَذُلّاً يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ».

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.