- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
هل ما زال بوسع أمريكا خوض حرب باردة مع الصين؟
من المقرّر أن يصل رئيس الصين شي جين بينغ إلى أمريكا يوم الخميس 2026/9/24، في زيارة رداً لزيارة رئيس أمريكا ترامب إلى الصين في شهر أيار الماضي، وتأتي الزيارة في لحظة يتصدر فيها المشهد السؤال نفسه وهو أي نوع من العلاقة سوف تتصدر المشهد بين البلدين؟
بالنسبة لأمريكا، يبقى الجواب المفضل لديها واضحاً باستمرار ويكمن في حرب باردة بين البلدين لا تتطور إلى نزاع مسلح، بل يبقى على شكل التنافس المنتظم القائم على الأحلاف كالذي خاضته أمريكا مع الاتحاد السوفيتي على مدى أربعة عقود. صراع من أجل الاحتواء، وتطويق بالتحالفات، وحرمان تكنولوجي، وضغط متواصل يمارَس حتى ينهار الاقتصاد الأضعف. إنه قالب يعرفه الأمريكيون جيّداً، ويبدو أنّ جزءاً كبيراً من مؤسّسة صنع القرار الأمريكية توّاق إلى إعادة تشغيله مرة أخرى، هذه المرة مع بكين في مقعد موسكو القديم.
فهناك نوع من الحنين التاريخي لهذه الفكرة لدى أمريكا. فالحرب الباردة، في الرواية الأمريكية، تم كسبها بامتياز. فمن حافة أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، وعبر عقود من المواجهة وسباق التسلح المحسوب بدقة، تفوقت أمريكا في الإنفاق العسكري وعسكرة الفضاء والتحالفات والصبر على خصم عنيد انتهى به الأمر، في عهد غورباتشوف، إلى الانسحاب من الميدان وحل نفسه بسرعة أبهرت المراقبين. وفي نظر صنف معين من الاستراتيجيين في أمريكا، فإن الصين ليست سوى الجزء الثاني من الرواية، فهي قوة صاعدة يمكن أن تدار بالوسائل نفسها، ونحو الغاية نفسها.
لكن الصين رفضت هذا التأطير، رفضاً صريحاً، فقد قال قادتها، وفي مقدمتهم الرئيس، مرارا وبوضوح بأنّ بكين لن تساق إلى حرب باردة لم تخترها ولا تريدها. وقد استهل شي لقاءه مع ترامب في بكين بتاريخ 13 أيار 2026، بقوله إنه لا بد للدولتين الصين وأمريكا أن تتجاوزا ما يسمى "فخّ ثيوسيديدس" وابتكار نموذج جديد للعلاقات بين الدول الكبرى. وكانت عبارة "نموذج جديد" هي بيت القصيد في خطابه. فهو لا يدعو إلى نموذج جديد إلا إذا كان يرفض نموذجاً قديماً. والمقصود بالنموذج القديم هنا هو منطق الاحتواء الذي ساد سنوات الصراع مع الاتحاد السوفيتي.
فلماذا تعتقد واشنطن أن بكين قد يمكن الضغط عليها لقبول العلاقة ذاتها والتي لا تزال ترفضها علناً؟ والجواب على ذلك يكمن في تضافر أوراق ضغط قوية ترى أمريكا أنها باتت تملكها بشكل متصاعد. فأمريكا ترى أن لدى الصين مواطن ضعف عدة يمكنها أن تستغلها رغم أن الصين ألقت بثقلها، عبر مجموعة بريكس والبناء المتدرج لآليات تجارة بعيدة عن الدولار، ضد هيمنة الدولار النفطي. وهذا وإن كان ظاهره تحدياً لأمريكا، إلا أنه أوجد لدى أمريكا كل الدوافع لإحباطه والعمل على احتواء القوة الصاعدة للصين. فالصين تعتمد، أكثر من أي قوة صناعية أخرى، على التدفق غير المنقطع للطاقة والبضائع عبر ممرات العالم البحرية الحساسة. كما أنها شديدة التأثر بارتفاع سعر النفط.
وهنا تجد أمريكا أن حربها الجارية مع إيران يمكنها الاستفادة منها في إدارة الصراع مع الصين. فالحرب لا تزال تؤثر على التجارة البحرية في مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من النفط تصل إلى حوالي 30% من تجارة النفط العالمية، وهذا لا يصيب إيران وحدها، بل يقع بثقل بالغ على الاقتصادات الأكثر اعتماداً على ما يتدفق عبره، وعلى رأسها الصين، وجزء كبير من أوروبا. فكل اضطراب يؤدي إلى رفع سعر النفط العالمي، وكل إجراء يخنق واردات الصين من إيران والخليج، يفرض كلفة مباشرة على الصناعة الصينية وتجارتها. من وجهة النظر الاستراتيجية في واشنطن، تبدو هذه الظروف مماثلة من حيث الضغط الاقتصادي المتواصل لتلك الظروف التي أنهكت الاتحاد السوفيتي سابقا. فهي ورقة ضغط شديد قد تجعل بكين أكثر ليونة، وأكثر استعداداً لتخفيف تحدّيها للدولار، ولقبول موقعٍ أدنى في التجارة العالمية، وللدخول في الدور الذي طالما رفضته للدخول في سيناريو الحرب الباردة مع أمريكا.
إلا أن الرئيس الصيني شي يدرك هذا المنطق إدراكاً تامّاً، وربّما أفضل من أولئك الذين يحاولون فرضه وتوظيفه. فالصين لديها ذاكرة ربما تستهين بها واشنطن. فبكين شهدت انهيار الاتحاد السوفيتي، واستخلصت من ذلك الانهيار دروسها الخاصّة، وفي مقدّمتها أنّ الاتحاد السوفيتي قد انجرّ إلى مواجهةٍ عجز عن تحمّلها، وتم الضغط عليه حتى اختار غورباتشوف الانسحاب كلّياً. والصين ليس لديها استعداد لتكرار هذا المسار، ومزاجها الوطنيّ غير ملائمٍ له. فحيث كان الاتحاد السوفيتي سريع الاستجابة لرغبات واشنطن وزيادة التصعيد، فقد نزعت الصين إلى الصبر والتأنّي والبطء في الالتزام، فهي تملك ذاكرةً تاريخيّةً طويلة، وميلاً إلى امتصاص الضغط بدل الردّ عليه بمثله، والابتعاد عن الأزمات قدر الإمكان.
وهذا الواقع يعكس العقلية الصينية بشكل كبير. فطموحات الصين في العالم، بمعظم المقاييس، أقلّ هيمنيّةً من طموحات الولايات المتحدة أو روسيا. وغريزتها، كما هي فنون القتال في تراثها ذاته، تفضّل الدفاع على الهجوم، وإعادة توجيه القوّة بدل مصادمتها. وهي تفضّل التجارة على الحرب، والتبادل التجاريّ على الصراع، والتراكم البطيء للمواقع على الاستيلاء الدراميّ عليها. وهذا النموذج يتعارض جوهرياً مع ثقافةٍ استراتيجيّةٍ أمريكيّةٍ مبنيّةٍ على التفوّق والنزعة العسكرية والسعي الحادّ إلى الهيمنة. فالقوّتان ليستا مجرّد متنافستين؛ بل تلعبان لعبتين مختلفتين، بقواعد مختلفة، نحو غاياتٍ مختلفة.
وهو ما يُبقي السؤال الذي لن تجيب عنه زيارة شي لواشنطن، لكنّها ستزيده حدّة. هل تستطيع الولايات المتحدة أن تستغلّ الحرب مع إيران بآثارها المختلفة والمتمثلة بمضيق يزداد ضيقاً على التجارة الدولية، وسعر نفط مرتفع، وتجارة مخنوقة للطاقة، من أجل أن تمارس ضغطاً كافياً يؤدي إلى احتواء القوّة الصاعدة لدى الصين كما كان حال أثينا الصاعدة أمام إسبرطة، ولتحفظ أمريكا لنفسها دور إسبرطة، المهيمنة والمصمّمة على استمرار الهيمنة؟ وهل تستطيع، باختصار، أن تجرّ الصين إلى حربٍ باردةٍ أعلنت مراراً وتكراراً أنها لن تخوضها؟
رهان بكين هو أنها لا تحتاج إلى الردّ على الاستفزاز الأمريكي كي تُبطله. ورهان واشنطن هو أنّ الضغط المتواصل والمكثف يغيّر أيّ جواب. ولقاء الخميس ما هو إلا نقلةٌ أخرى في صراعٍ سِمَتُه المميزة، حتى الآن، أنّ اللاعبَين لا يتّفقان على أيّ لعبةٍ يلعبانها.
أما ما يثير الحزن والقلق لدى أمة الملياري مسلم، هو أنها كما قيل عن أبي سفيان يوم بدر (ليس في العير ولا في النفير)! فالقوة الوحيدة التي يمكن أن تغير قوانين اللعبة بين الأطراف العالمية، وهي قوة الإسلام والمسلمين، لا تزال غير حاضرةٍ في ساحة الصراع. وبدونها لن ينعم العالم بهدوء ولا سلام ولا طمأنينة ولا عدل.
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
د. محمد جيلاني